النظام يريد اسقاط الشعب،، العقد الديني بدل العقد الاجتماعي. تجربة علماني مع العبادي وحزب الدعوة

 

نبيل ياسين

 

 

 

بعد كل هذا الاحتقان الطويل والاحباط الذي افقد العراقيين التفكير بامكانية التغيير خرجت مظاهرات الاسبوع الماضي. المناورة الجديدة للفاسدين هي انهم سيتظاهرون ويركبون موجة التظاهر ، ولكن ضد الشعب. انهم يصادرون روح وجوهر الاحتجاج ضدهم . حتى مسؤول استيراد الة الموت ، سونار التفتيش في نقاط السيطرة سيتبرع للتظاهرات. انه انقلاب حقيقي لكي يبقوا ، ورشوة يبدو ان البعض قد قبلها وانخدع بها منذ الآن واخذ يروج لها.

 

من الناحية التفكيرية فان الحمقى هم من يشكلون الجزء الاعظم من السياسيين. ولكن حماقتهم تحولت الى ذكاء بحيث فكروا انهم طالما غير قادرين على اطلاق النار على المتظاهرين خوفا ، فالافضل ان يتبنوها ويصبح الشعب هو الفاسد وهم المخلصون. لماذا اذن يتظاهر الشعب. الاولى فعلا ان يتركها لهم ويذهب للتظاهر في مكان آخر غير مقدس مثل ساحة التحرير التي اصبحت وبالا علينا .

 

اما من الناحية المهنية ، بما في ذلك المهنية السياسية، فالطبقة السياسية، بمن فيها من يدعي الديمقراطية والليبرالية والمدنية ادعاء جزافا، هي مجموعة من التجار الاميين السياسيين الذين يتصورون السياسة هجوما واتهامات وتشهيرا وتصريحات فضائية وازدراء للناس والإعتقاد باستغفالهم ( والمستغفلون كثيرون ويحبون هذا الاستغفال الذي يتصورونه وعيا واختيارا مقنعا) هم من يشكلون الغالبية العظمى من البرلمانيين والمسؤولين. اما من الناحية الوطنية فليس هناك جهة وطنية، لان الولاء الاعمى للحزب او الزعيم او الايديولوجيا العقائدية الغى الولاء الوطني.

 

ورطة السياسيين الاسلاميين تتفاقم . ولكن البديل لم ينضج بعد مع الاسف. فالاحزاب غير الدينية هي اضعف من سد الفراغ ، خاصة وان الصراع على القيادة هو ابرز صراع منذ قيام معارضة ضد نظام صدام في السبعينات حتى اليوم. والدليل على ذلك ان المظاهرات تحولت من مظاهرات شعب مظلوم ضد مسؤولين فاسدين الى مظاهرات مسؤولين مظلومين ضد شعب فاسد، والشعار هو ،، النظام يريد اسقاط الشعب.

 

العراقيون عاطفيون. وينقلبون بسرعة. وموضوع المظاهرات دليل على ذلك

فجأة انقلبت الحكومة الى حمل وديع يوزع المياه على المتظاهرين. فجأة أصبح للناس أمل . في حين ان صفحتي في الفيس بوك اسمها (عندي أمل ) ولم يثق بها أحد واليوم هناك كثيرون يقولون المظاهرت جلبت لنا الامل.

تقييم عاطفي ومجاني. فجأة انقلب الفاسدون واصبحوا يؤيدون التظاهرات. من هو الفاسد اذن؟ الشعب ام السياسيون؟

شعر العراقيون بانهم شعب عظيم يوم الجمعة، بينما كان يوم الخميس الذي قبل الجمعة يقول ان الشعب العراقي شعب راكع متخاذل.

هذا ليس وعياً . هذا انفعال.

كل شيء في العراق ارتجالي وعاطفي وردة فعل. اذا كانت افعال البرلمان والحكومة ارتجالية بسبب عدم الفهم ، فان العراق مايزال يحتفظ بفنانين للموسيقى ورسامين للتشكيل ومعماريين للتصميم ومؤرخين للتاريخ ومفكرين فهل لهم دور اذا كانت الامية سائدة والتعصب سائدا؟ ساضرب امثلة على ذلك:

العلم والنشيد الوطني والشعار الجمهوري محل تنازع. نصب الحرية الذي ابتلانا الله به واختصرنا كل امجادنا ورموزنا به، اصبح كعبة يدور حولها المتظاهرون ونصب للعبادة السياسية. واذا قلت ان الافضل للذي يتظاهر ضد الفاسدين ان يبحث عن مكان آخر ويترك نصب الحرية للفاسدين الذين سيلتحقون بالتظاهرات ساتهم باني أعادي جواد سليم او بعض الانفار الذي يقدسونه ويعبدونه.

واذا شكلت لجنة برلمانية لنشيد او علم او دراسة فانها تشكل على اساس التنازعات الحزبية والايديولوجية. فيصبح الوطن بلا رمز وطني وضحية للرموز الدينية والمذهبية والقومية

اكبر نكتة كانت تصميم علم عراقي بعد سقوط صدام. تم الامر عائليا. وفشل العلم فشلا مخزيا. ومنذ ذلك الوقت تتنازع العوائل السياسية فيما بينها ونحن نتفرج

الوطن تاريخ وبيئة وزراعة وثقافة وانسان وحضارة، كندا اكتفى علمها بورقة تبغ وفرنسا أعطت اللون الابيض للملكيين والاحمر للثورة والازرق للجمهوريين.

 

اليابان اكتفت بدائرة حمراء على لون ابيض. اسرائيل اكتفت بنجمة داوود على ابيض لبنان بشجرة ارز. الا نحن يجب ان يكون لكل فرد وجماعة وحزب ودين وطائفة وعائلة وقومية حصة في العلم ، حتى الالوان الاصلية والممزوجة لاتكفي وهذا دليل على انحطاط عقلي وانهيار ثقافي

 

عدنا الى نشيد الاطفال صدفة. فقد طلب برايمر ان يعزف نشيد وطني لاعلان تشكيل مجلس الحكم. وهذه قصة حقيقية، فاحتار العراق واتصل وزير الداخلية آنذاك بالاذاعة فارسلوا له نشيد موطني لانهم لم يجدوا غيره بعد نهب ارشيف الاذاعة وبلبلها الفتان منذ١٩٣٦ حتى ٢٠٠٣

 

الم اقل ان العراق ارتجالي واخرون يقولون انه عظيم، اذن هو صراع بين العظمة وبين الارتجال

الشيوعيون يريدون نصب الحرية والقوميون يريدون ( حمر وقائعنا) والاسلاميون الشيعة يريدون مرقدا او سيف ذو الفقار . والاسلاميون السنة يريدون خالد بن الوليد . والاكراد يريدون صلاح الدين الايوبي والشمس. والتركمان يريدون حصة . والشبك حصة اخرى. وأهل الموصل حصة ثالثة . واهل البصرة حصة رابعة . وهكذا سيكون لدينا علم فيه من الحصص ما في علم الولايات المتحدة من نجوم. لكن النجوم موحدة وتشير الى ولايات متحدة متضامنة في دولة عظمى

 

الحل هو ان نشتري الف متر مربع من القماش ونضع عليه كل الرموز: اسد بابل.نصب الحرية. مسلة حمورابي. مكتبة اشوربانيبال .شجرة آذم. النار الازلية في عين زالة. مصفى الدورة. القشلة . المآذن والقباب . نصب الشهيد. النخلة. النهران. الهلال . الله اكبر. امة عربية واحدة. وطن حر وشعب سعيد. الروافض.النواصب. عمر. علي .معاوية. الحسين. القاتل والمقتول. الضحية والجلاد. الرأس والمسدس. الذكر والانثى. سفينة نوح. كلكامش. شلمنصر. نبوخذ نصر. الحلاج. القفة. بطيخ سامراء.سوق الصفافير. المدرسة المستنصرية. فيصل الاول. عبد الكريم قاسم. نوري السعيد. الاخوة العارفيين. صدام. مصطفى البرزاني.العمادية. لبن اربيل. كباب الفلوجة. الاهوار. الزقورة. سدة الهندية. بحيرة الحبانية. الثرثار.شارع المتنبي، شارع الرشيد.

حينذاك ( قد) نرضي الاكثرية. لان هناك من سيخرج ويقول وانا؟ اين رموزي ؟ وربما طالب باضافة هتلر او جنكيز خان او هولاكو. فالوطن مر عليه كل ابن زانية وكل طاغية وكل قديس وامام ايضا وكلما نقول ان الديمقراطية ضرورية والمواطنة ضرورية، يخرج علينا من يقول ان للعراق خصوصيات، وللامة خصوصيات .ذات مرة في نهاية القرن الماضي كتبت في جريدة الحياة عن موضوع العولمة والخصوصيات العربية التي ترفض العولمة . واول هذه الخصوصيات هو تقديس الاستبداد الديني واعتباره خصوصية مقدسة عربية شرقية لايجوز التخلي عنها امام الحريات والحقوق

وثانيها ان المجتمع ملك الدولة وليس الدولة ملك المجتمع . ولذلك فان العقد الاجتماعي مقلوب. فالطرف المالك ليس المجتمع وانما الدولة ، اي هناك عقد ديني بدل العقد الاجتماعي وحتى الان مازلنا اسارى العقد الديني.

نصيحة للعبادي. لوجه الله ولوجه الوطن

لا احب توجيه النصائح ولا اتوقع قبولها فتجربتي طويلة في هذا المجال حيث لم يقبل احد نصيحتي حين يطلبها مني ويفعل العكس، مع هذا اقول لك : انت لاتستطيع ان تفعل شيئا بمفردك . لا اصلاح ولا تغيير، ولا تطبيق مبدأ: من اين لك هذا؟ انت تحتاج الى ١٠٠ عقل على الاقل ليروا بأم أعينهم اين الخطأ ويكونون قاعدة قوية للتغيير. مدير مكتب صحفي لديك احمق من باقل حين يعتقد ان تقوية العلاقات بين العراق ودولة عربية كبيرة غير مهم.

النبي ابراهيم ترك وصية عند زوجة اسماعيل تقول : غير عتبة بيتك، يقصد غير زوجتك.

غير كل العتبات التي تخدعك وتخدعنا من خلال مواقعها الفخمة لاغير.اعرف انك غير قادر على التغيير. وربما لاترغب به. فارجو عدم الظهور بمظهر الشكاء البكاء لانه يصورك موظفا صغيرا مضطهدا من قبل رئيس قسمه. وهذا لايليق بك ولابنا. أنت رأس السلطة التنفيذية في البلاد . فلايجوز لك ان تشكو من وزرائك ومسؤوليك بانهم لم يوافقوا على تقليص الامتيازات . اخطر مصطلح يستخدمه خصومك ، كما استخدموه ضد المالكي، هو انك لست رئيس وزراء وانما رئيس مجلس الوزراء. هذا الانشاء اللفظي لامحل له من الاعراب. يقصد به تساوي صلاحيات الوزير مع صلاحيات رئس الوزراء. لا ، الدستور واضح بصلاحيات رئيس الوزراء. وصلاحياته اكبر من مجموع صلاحيات الوزراء . هذا في كل الانظمة الديمقراطية الدستورية. وفي الدستور العراقي انت صاحب صلاحيات . مادتك الدستورية هي رقم ٧٨ . اما مادة مجلس الوزراء فهي المادة ٨٠. اقرأ المادتين وسترى الفرق كبيرا بين رئيس الوزراء وبين مجلس الوزراء. هذه نصيحة مجانية كالعادة فانت تدفع لموظفين لايفيدونك بشيء.

 

الحل الوحيد لتقليص شراهة غول المحاصصة هو المكاتب التخصصية في مكتب رئيس الوزراء . لا اعني المستشارين الذين لم يحصل اي منهم على موافقة البرلمان وانما صلاحية رئيس الوزراء بالعمل مع مكاتبه التخصصية التي تكون قاعدة قوية وصلبه لعمله ونزاعاته مع البرلمان والقوى الاخرى وهي نزاعات موجودة في اي نظام ديمقراطي .

 

العراق مليء بالعقول داخله وخارجه . والا لماذا ( شردت ) النخب والكفاءات العراقية منذ السبعينات بسبب قمع صدام وحزبه؟ اليس حفاظا على حياتها وعقلها لكي تساهم في البناء والاعمار؟ لا اقصد كفاءات علي الدباغ وهمام حمودي وغيرهما من ملفقين، وانما كفاءات العراق التي تعرف ماذا يريد العراق، وانا لست منهم. فهناك المئات الذين ينظرون بحسرة الى عراقهم الذي يتحطم على ايدي الاميين والجهلة واللصوص. اما اذا ظلت قوائم ادارتك هي نفس قوائم ٢٠٠٣ فلن تتمكن حتى من حماية نفسك مما يتم تدبيره لافشالك واقصائك. ننصحك ولانريد منكم جزاء ولاشكورا . فبمثل محبة اهل البيت والمودة في القربى تكون محبة العراق هي الجزاء العظيم .

 

ورطة النظام السياسي العراقي بعد ٢٠٠٣ هي عدم وجود اعلام مهني يحمي ظهر النظام السياسي بحرفية وسياسة اعلامية محترفة وكفوءة. والعبادي نفسه كان طرفا في هذا الموضوع عام ٢٠٠٥ ، حين كان الجعفري رئيس وزراء. فقد ضمنا اجتماع مصغر وتحدثت فيه عن ضرورة حماية ظهر النظام السياسي الجديد. واقترحت انشاء جهاز اعلامي محترف وله سياسة واضحة يجيد الدفاع عن العراق ضد التشويه الاعلامي الذي بدأ يتصاعد عربيا. وحين سألني الجعفري عن امكانية وجود هذا المشروع قلت له انه جاهز ، واذا اعطيتني عنوان بريد الكتروني فاني سارسله هذه الليلة. واعطاني حيدر العبادي ايميله فبعثته حالما عدت الى البيت. وطلبت من العبادي ان يتفضل باعلامي عن مصير المشروع. لكنه كالعادة لم يفعل، مع ان أي رئيس وزراء في العالم الديمقراطي، وأي وزير يعلمك عن مثل هذه الامور خلال ايام او حتى اسابيع اذا احتاج الامر . وبعد شهرين سمعت ان العبادي في لندن. فاتصلت به .واخبرني ان خبراء الاعلام لديهم ( كنت متوهما اني خبير اعلام عراقي) يقولون ان المشروع مُكلِف وانه غير مفيد. في حين كانت كلفة المشروع ١٥ مليون دولار فقط لاغير. وهي كلفة تقل عن كلفة قناة العربية التي تأسست برأسمال قدره ٣٠٠ مليون دولار لمدة خمس سنوات. وحين سألت عن خبيرهم الاعلامي هذا الذي قرر مصير مشروع للدفاع عن الدولة ، قال انه الشيخ فلان . وهو شيخ معمم.

 

وفي عام ٢٠٠٧ طلب مني مدير مكتب المالكي مشروعا تلفزيونيا فاعطيتهم مشروعا. فاتصل بي رجل بعد شهر وقال انا الشيخ فلان مدير القناة. فقلت عفوا اي قناة؟ قال القناة التي اعطيتها لمدير مكتب المالكي. فقلت اهلا وسهلا تفضل. فقال على الهاتف ـ هو من بغداد وانا في لندن ـ كيف يعملون هذه القناة؟

ولم احزن سوى لان هذا الشيخ لايعرف حرفية المهمة التي اوكلت اليه . ولان جهودنا تؤخذ، ولا اقول ( تسرق) ثم تعطى لمن لايعرف كيف يحققها .

 

اذا ظل العبادي يحكم الان بهذه العقلية فلن يكون مختلفا عام ٢٠١٥ عنه في عام ٢٠٠٥ ، وهو العام الذي شاركت فيه لآخر مرة في المهرجان السنوي للشهيد الصدر بمحاضرة بعنوان النظام الديمقراطي في الغرب . وشارك هو بمحاضرة عن الشورى . ساكون مضطرا، من الآن فصاعدا، لذكر حوادث تبدو خاصة لكنها عامة تخص مسار الحكم والنظام السياسي. ليس حبا بالكشف عن خصوصيات. ولكن لكي نفهم ونزيد في الوضوح المطلوب.