من الذي أعاد الدايني ولماذا؟

 

صائب خليل

 

 

 

في تقديري ان قصة العفو عن الدايني، العجيبة الغريبة (1) ليست سوى قصة للتلهية وكسب الوقت بينما تمضي مؤامرة كبرى لإنهاء إرادة الشعب العراقي وتسليمه قيادة بلده إلى اعدائه الأمريكيين ومنهم إلى اعدائه الأشد من وراء الستار، والذين تخضع اميركا ذاتها لإرادتهم واجندتهم.

ففي مفاجأة ليست غريبة جدا على البلاد، أعلن مجلس القضاء الاعلى، عن إطلاق سراح النائب السابق محمد الدايني بعفو خاص، وان "ذلك تم بناء على مقترح من رئاسة الوزراء وصدور مرسوم جمهوري"، مشيرا الى انه "لا علاقة للقضاء بهذا الاجراء".(2(

ونلاحظ ان القضاء سارع بنفي مسؤوليته مباشرة في نفس بيان الخبر!

 

لماذا هي للتلهية ولماذا نكتب عنها إذن؟

 

هي للتلهية في رأيي لأن محمد الدايني شخصية عديمة الأهمية تماما! وبالتالي فمهما كانت الجهة التي بذلت الجهد لهذا المشروع، فإننا لا نستطيع ان نتخيل قيمة يمكن ان تجنيها من وجوده في العراق، وأن تلك القيمة لا تتحقق إلا من خلاله. لذلك فالمقصود شيء آخر غير تحرير الدايني.

 

ورغم ان شلة الذيول الأمريكية المسماة "اتحاد القوى" قد شكر الرئيس والقضاء "الذي برأه من كل قضايا الاٍرهاب التي حيكت ضده وتبين فيما بعد كيديتها”، مهاجماً "الأصوات النشاز" التي تحاول عرقلة "مسيرة الإصلاح"..(3) فإن ردود الفعل الغاضبة هي المسيطرة تماماً وأن صوت اتحاده المشبوه كان الصوت "النشاز" الوحيد حسب علمي. فعدت النائبة عن ائتلاف دولة القانون عواطف نعمة، أن "العفو عن الدايني يدل على وجود صفقات مشبوهة عقدت خلف الكواليس". وحذرت انه " قد يمهد للعفو عن أحمد العلواني وجميع الإرهابيين منذ العام 2003".(4(

 

وسارعت رئاسة الجمهورية للتبرؤ وبأن القرار تم بناءً على توصية من رئيس الوزراء حيدر العبادي، وأن "رئيس الجمهورية لم ولن يصدر عفو خاص بقضايا الارهاب التي ما يزال الدايني متهم بها"، بل اقتصر الأمر على إعفائه من القضية المتعلقة بشأن التشهير بوزير التعليم العالي حسين الشهرستاني،(5)، وأن الأخير قد تنازل عن حقه بها. (6(

 

وبدوره سارع مكتب رئيس الوزراء إلى نفي أن يكون إطلاق الدايني باقتراح من رئيس الوزراء وانما نتيجة تنازل أصحاب الحق الخاص".(7) وأكد أن "العبادي لم يصدر أو يوصي بإصدار عفو خاص عن المدان محمد الدايني" بل "رفع رأيا قانونيا باطلاع رئيس الوزراء حول دعوى تتعلق بقضية قذف وتشهير أمام محكمة النشر، وتنازل المشتكي في الدعوى عن الشكوى"، لافتا إلى أن "كتاب ديوان رئاسة الجمهورية غير دقيق في هذا السياق". مؤكدا أن "ليس لأحد إصدار عفو خاص عن قضايا الإرهاب لا سابقا ولا مستقبلا".(8(

 

وقد اغنى الأستاذ مفيد الخالدي مقالتي بهذه الإضافة القانونية الهامة حول مسؤولية إطلاق سراح الدايني:

1ـ نصت المادة (73 ) من الدستور ــ يتولى رئيس الجمهورية الصلاحيات الآتية : اولا ــ اصدار العفو الخاص بتوصية من رئيس مجلس الوزراء ؛ باستثناء ما يتعلق بالحق الخاص ؛ والمحكومين بارتكاب الجرائم الدولية والارهاب والفساد المالي والاداري .

2 ــ المادة (154) من قانون العقوبات: (1ـ العفو الخاص يصدر بمرسوم جمهوري ويترتب عليه سقوط العقوبة المحكوم بها نهائيا كلها او بعضها او ابدالها بعقوبة أخف منها من العقوبات المقررة قانونا(.

ويلجأ الى العفو الخاص في حالة الخطأ القضائي الذي لا سبيل الى اصلاحه بالطرق القضائية او التخفيف من شدة قانون العقوبات في ظروف تبرر ذلك. ومما سبق بيانه فأن تنصل رئيس الجمهورية من المسؤولية لا معنى لها لان التوصية من رئيس الوزراء غير ملزمة له بإصدار العفو الخاص وقول الناطق باسم مجلس القضاء الاعلى بعدم مسؤوليتهم صحيحة لان العفو الخاص صلاحية رئيس الجمهورية ولا يتصل بها مجلس القضاء باي علاقة لأنها ليست قانون اولا؛ ولان القضاء انتهت علاقته بالدعوى بصدور الحكم على المتهم بالإدانة والعقوبة ثانيا؛ ومن هذا يتضح لنا ان المسؤولية تنحصر في رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.

 

إذا كانت رئاسة الجمهورية تكذب بشأن التوصية من رئاسة الوزراء، أو العكس، لماذا لا تشتكي الجهة الصادقة التي لم تكن تريد إعفاء الدايني وتظهر نفسها بريئة من الأمر؟ فالمحكمة الاتحادية العليا هي المختصة بالفصل في الاتهامات الموجهة الى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء طبقا لنص المادة 93 من الدستور .

ولاتقوم المحكمة بهذا الاختصاص الا بناءا على طعن يقدم لها من ذوي الشأن من الافراد وغيرهم بالقرارات والاجراءاتالصادرة عن السلطة التنفيذية.

 

ويوضح تعليق رئيس كتلة ائتلاف دولة القانون علي الاديب خطورة الأمر من خلال استغرابه لـ "الطريقة التي تم اتخاذ القرار فيها". وتساءل كيف أنه "بالرغم من جميع التهم الموجهة إليه وما قام به من جرائم في محافظة ديالى هو ومجموعته من تهجير قسري وحالات قتل جماعية الى التفجير الذي طال مجلس النواب نرى أن جميع تلك التهم قد تم اختزالها بقضية التشهير الخاصة بالشهرستاني وتنازل الأخير عنها".

 وأضاف أنه "منذ دخول الدايني الى العراق.. حذرنا وأدركنا بوجود صفقة سياسية لتبرئة هذا المجرم ولكننا لم نكن ندرك من يقف وراءها".

 

ماذا نفهم من كل هذا؟

أولاً: ها نحن ما يراه الحيدري وما ينتظره من "الإصلاح"... فهل يتفق العبادي والصدر معه على ذلك، أم سيختلفون؟؟

ثانياً: كل من رئاسة الوزراء عاهرة في الاكتفاء بنفي التهمة عنها وعدم اتخاذها أي إجراء في قضية خطيرة محطمة للقانون والدستور باعترافها هي!

ثالثاً: رئاسة الجمهورية عاهرة (وقد تكون سيدة العاهرات) بإصدار قرار عفو على أساس تهمة جانبية على متهم، او بالأحرى "مدان" بالإرهاب، وبالاستناد إلى كتاب رئاسة الوزراء الذي تعلق بتهمة التشهير.

ويذكرنا هذا الاحتيال الشوارعي للرئاسة بما قامت به في عملية صنع حكومة العبادي من تزوير أوراق وتواريخ وتجاوز نصوص دستورية، كما كشفت مناقشة الفتلاوي مع أبو كلل. ولا شك سكوت الشعب ومؤسسات الدولة عن تلك الفضيحة، هو ما شجع الرئاسة على تكرارها وهي آمنة. بهذا تسهم أنت أيضا عزيزي القارئ، ما لم تكن من الندرة التي احتجت على مؤامرة تنصيب العبادي من قبل أميركا وكردستان، في إطلاق سراح المتهم المدان، وأهم من ذلك بكثير بتحطيم آخر لهيبة القانون، وتهيئة الجو للكارثة الأكبر المنتظرة.

 

من الذي حاك كل هذه المؤامرة؟ يمكننا ان نحول صيغة السؤال ليسهل حله: من يستطيع أن يسلط كل هذا الضغط الهائل على كل هذه القوى وان يعتصرها لتقرر قراراً مؤذيا لسمعتها وبشكل فضائحي دون أن يكون لأي منها مصلحة فيه فلا تستطيع سوى الرضوخ؟ جهة واحدة فقط تستطيع ذلك!! ولا بد أنها هي من فعل ذلك، بغض النظر عن أسباب رغبتها به. جهة تستطيع الضغط على كل هذه الكتل المتنافرة والسلطات المختلفة لتنسق بينها مثل هذه الجمبازيات، هي جهة من صنف واحد لا يتكرر.

 

طبعا لا يجوز أن يحسب تجاوز القانون هذا تضحية "شيعية" من أجل "السنة" لأننا لم نر السنة يتظاهرون من اجل الدايني، بل نسيوه تماماً، إن كانوا يذكرونه اصلاً، كما اننا لم نر متظاهرا واحداً سعيدا بهذا الخبر، ولم نسمع همسة سنية سوى من حيدر الملا في الكتلة المشبوهة والمسؤولة عن تهجير السنة وسرقة السنة وتحطيم السنة والتنازل عن مدنهم لكردستان. وهذه الجهات التي قام كل منها بدوره في الجريمة، لم تكن تعمل كـ "شيعة"، بل كعملاء مأمورين ينفذون حتى ما يخزيهم ولا يكون لهم فائدة منه!

 

قلت إني أرى أن الهدف من إطلاق الدايني بعد إعادته إلى العراق هو بالذات هذا الضجيج الإعلامي الذي يحدث الآن، ربما لتخفيف الانتباه عن مؤامرة "الإصلاح" التي تحاك. لماذا إذن نشارك في هذا الضجيج بهذه المقالة؟ لأننا نأمل ان نكشف من خلالها حقيقة مهمة، وهي مدى تغلغل تلك الجهة التي تعرفونها بلا شك في مؤسسات العراق، ومدى قدرتها على الضغط عليها إلى حد الخزي المكشوف، فكيف تريدون من هذه المؤسسات وهذه الشخوص العاجزة عن الدفاع عن مصالحها حتى بالشكل في مثل هذه الفضيحة، أن تدافع عن مصالح البلاد أمام تلك القوة الغاشمة؟

إضافة إلى ذلك فمن المحتمل بالفعل ان تكون كما أشار البعض أعلاه، الخطوة الأولى، وجس لنبض الشارع العراقي، لإطلاق الأمريكان جميع مجرميهم الذين لم يتمكنوا من تهريبهم إلى أميركا أو الأردن او كردستان، ووضع الشعب العراقي أمام الأمر الواقع، وتطبيع إذلاله وشعوره بالهزيمة النهائية، منفذين كما يبدو وعودا لمجرميهم بالحماية حتى النهاية.

 

سؤالي بشكل خاص لمن دعم هذه الحكومة، وللذين مازالوا يعطونها "الفرص" ويقومون بتمثيليات "الإصلاح" ويعطون "المواعيد النهائية". كذلك سؤالي للمصدقين بهذه الخرافات الإصلاحية والمتجاوزين للحقائق التي تفضح حقيقتها. هذا التجاوز للحقائق والأسئلة والذي تكرر كثيراً، مثلما حدث عند تشكيل حكومة العبادي، هو الذي جعل الجهة المتآمرة على العراق تدفع بعملائها في مؤامرة تلو المؤامرة وهم مطمئنون إلى سلامتهم، وما حملة "الإصلاحات" القادمة إلا قمة تلك المؤامرات. ومثل بقية المؤامرات، فأن المتآمرين يسيرون مطمئنين على سلامتهم، بحماية تجاوز الشعب المنهك لعلامات الاستفهام! وهكذا يستمر التغافل.. وتستمر المؤامرات متسارعة وسهلة وبلا كلفة لأصحابها أو خطورة.. ويهبط الشعب خطوة أخرى نحو الهاوية.

 

(1) بالفيديو: إطلاق سراح الدايني بعفو خاص يثير التساؤلات

 http://www.alsumaria.tv/news/163691/

 

(2) القضاء: اطلاق سراح محمد الدايني بعفو خاص ولا علاقة لنا بذلك

 http://www.alsumaria.tv/news/163582/

 

(3) اتحاد القوى يشكر القضاء ومعصوم على تبرئه الدايني ومعصوم يؤكد ان العفو صادر من العبادي وحده

 http://www.alrassid.org/news.php?NewsID=3761

 

(4) نائبة تعد العفو عن الدايني "سابقة خطيرة" وتحذر من تكراره مع العلواني

 http://www.alsumaria.tv/news/163610/

 

(5) شواني: العفو عن الدايني تم بناءً على توصية العبادي عن قضية التشهير ضد الشهرستاني

 http://www.alsumaria.tv/news/163593/

 

(6) ديوان الرئاسة: الشهرستاني تنازل عن الشكوى ضد الدايني بقضية التشهير

 http://www.alsumaria.tv/news/163595/

 

(7) مكتب العبادي: اطلاق سراح الدايني لم يكن باقتراح من رئيس الوزراء | سياسة

 http://www.alsumaria.tv/news/163616/

 

(8) مكتب العبادي يصدر توضيحاً بشأن "العفو الخاص" عن محمد الدايني | سياسة

 http://www.alsumaria.tv/news/163720/