السؤال الذي يتهرب منه أدعياء الإصلاح

 

صباح علي الشاهر

 

 

على رأس مهام الإصلاح الخروج من نفق المحاصصة الحزبية والطائفية والأثنية.. كلام واضح ومعاد، ولكن كيف ؟

محاربة الفساد تعني ليس فقط إقالة الفاسدين ومحاسبتهم، وإنما وضع آلية تحد من الفساد، أو التقليل منه إلى الحدود التي توجد في الدول الأخرى، فالقضاء على الفساد بالمطلق أمر مستحيل، ولكن إفلات الفاسد من العقاب ينبغي أن يكون شبه مستحيل. وهنا أيضاً يأتي السؤال الذي لايريد البعض الإجابة عليه، كيف؟

سوف لن نعدد الأمور الأخرى التي ينبغي أن يتضمنها الإصلاح، ونكتفي بهاتين، لأن معالجتهما مفتاح لمعاجة كل النقاط .

شعار حكومة التكنوقراط كما بينا في مقال سابق، وحكومة من خارج الكتل، ليس سوى إحتيال، فالكل يعرف أن من يختار الوزراء التكنوقراط حتى لو كانوا من خارج الكتل، قيادات وأعضاء الكتل، ومن يقرهم في البرلمان نواب الكتل ذاتها، وبالتالي فإن هؤلاء الوزراء كائنة ما كانت صفاتهم فإنهم سيكونون مدينين بالولاء لمن رشحوهم ولمن قدموهم لشغل مناصبهم، ولو تم هذا الأمر، وإختير الوزراء التكنوقراط حتى لو كانوا من خارج الكتل، فإن ليس ثمة شيء سيتغير، بل بالعكس سيكون أسوء مما كان لأن الوزراء الذين سيأتون سيكونون ضعافاً، لا "سند حزبي أوكتلوي" لهم، وبالتالي سيكون أبتزازهم أسهل ليس من قبل الكتلة التي رشحتهم، وإنما من قبل كل الكتل .

ما الحل إذن؟

لن نقول الحل في حكومة الأغلبية السياسية التي سبق وتم طرحه، فهذا الحل أحبط من قبل كل الكتل التي تطالب الآن بالإصلاح، بعد أن دعت لحكومة الأقوياء، أو حكومة المقبولية، وغير هذا من كلام، وهي تخريجات أقرب ما تكون إلى البدعة، ولا تمت بأية  صلة للديمقراطية، ولا لإنشاء حكومة قوية منسجمة تستطيع تطبيق برنامجها، وتطبيق القانون على الجميع، حكومة ستكون مراقبة من قبل معارضة قوية تحصي كل شاردة وواردة ، ويكون البرلمان حسيباً و رقيباً ومحاسبا عن التقصير.

نفس القوى التي وقفت ضد حكومة الأغلبية السياسية بحجة أنها تقصي الغير، والمقصود إستئثارها بالنهب دونهم، تريد الآن إقصاء أكبر كتلة، بتحميلها وزر الأخطاء التي اسهموا هم فيها وبدرجات متفاوته.

أكبر عمليات النهب والسرقات ساهمت بها كل الكتل، فكتلة علاوي بدأت النهب بوزير الدفاع، وووزير الكهرباء، وكتلة الدعوة بدأت بوزير التجارة ولم تنته بعد، وكتلة المجلس الأعلى بصولاغ والمجلسيين العتاوي، وكتلة الأحرار بالأعرجي وسواه، وأغلبية وزراء كتلة الحل وإتحاد القوى متهمون بالفساد. كلما كثر عدد وزراء الكتلة كثر نهبها، وإغتنت أكثر، ولهذا فإنه عندما يفعّل مبدأ " من أين لك هذا ؟" فإن لا أحد من الساسة سيسلم بريشه  إلا ما ندر .

من بمقدوره تفعيل مبدأ " من أين لك هذا ؟" إذا كان الجميع مشترك بالنهب، هل يعقل أن يضع الحرامي القيد في يده، و يقول في يقضة ضمير، تعالوا إستلموا الملايين والمليارات، وأعيدوها إلى الشعب المسكين! .

من يحاسب من؟ ومن يتهم من؟ من يحكم من؟ ومن يراقب من؟

لقد جعلتكم العملية السياسية كثور الناعور تدورون حول أنفسكم، أصبحتم تجرون في حلقة مفرغة لا تعرفون بدايتها ولا نهايتها .

الكبار فيكم، وهم كبار على أصحابهم، صغار في مفهوم رجال الدولة الحقيقين، يعرفون أنهم أمام معضلة " ولا أبا حسن لها"، لذا فهم لا يعبهون لا بمن يتظاهر ولا بمن يعتصم، فكل الطرق تؤدي إلى روما، و مفتاح روما بأيديهم!

قطعاً لا أحد يتوهم أن الذين حكموا منذ الإحتلال حتى الآن يمكن أن يتنازلوا عن الحكم لغيرهم. في أحسن الأحوال سيتداولونه فيما بينهم، ولسان حالهم يقول: أين هي المعارضة ؟ وفي هذا القول معهم الحق كل الحق، فلا معارضة في العراق، كل القوى مشاركة، ولو بالفتات كحال ما يُسمى بالقوى المدنية، الكل يطالب بالمشاركة، والمشاركة هنا ليس في تقديم الخدمة للبلد، وإنما في الغنيمة، وعلى حساب البلد. من يرفض أن يكون معارضاً سيكون مصيره أحد إثنين، إما برغي من براغي السلطة، وذيل خانع، أو مهمش، خارج الفعل والتأثير .. لقد جعلونا دولة بلا معارضة، ودولة بلا معارضة منظمة وقوية، ستكون حتماً دولة إستبداد وفساد .

الجميع عندنا يطالب بالمشاركة في الحكم تحت أسماء براقة ( التقاسم، الشراكة، المقبولية، عدم التهميش، التوازن ) وهي ألفاظ لا تعني أكثر من توزيع المناصب العليا على الأسماء ذاتها التي جاءت مع المحتل، وأستأثرت بالبلد، ومد تأثيرها في العمق عبر إستثمار خيرات الدولة، أو قطاع منها لجلب الأتباع، وتوسيع النفوذ .

الحكم عندنا ليس إدارة الدولة، وإنما ملك البلد، فمن يحكم يملك ويستأثر بكل شيء، ولا يترك لغيره شيئاً، وهنا يمكن أن نتلمس جوهر المشكلة الحالية، فمن إستأثر وأغتنى وقوي ، وأصبح له شأن، لا يريد ولا يرغب الإستغناء عن سبب ومصدر قوته ونفوذه، بل لسان حاله يقول " هل من مزيد".

بعض الحلول بسيطة للغاية، لكنها تصبح مستحيلة مع سياسي العراق الجديد، من هذه الحلول البسيطة ، إرفعوا أيديكم عن العبادي، وأتركوه يختار وزرائه، ثم طالبوه قبل تقديم الوزراء أمام البرلمان بالبرنامج الذي يتعهد بتحقيقه فيما تبقى له من مهله، فإذا لم ينفذ خلال مرحلة تحددونها أنتم أقيلوه  .

جربوا أن تكون عندكم حكومة مسؤولة أمام شعبها، لا كتلها، وأمام رئيس وزرائها لا أمام رئيس كتلتها، حكومة يستطيع رئيس الوزراء معاقبة وإقالة الوزير لأنه لم ينفذ ما تعهد به ، حكومة تُحاسب بكل أعضائها أمام برلمان يحتكم في محاسبتها إلى بنود برنامجها ، و ما تحقق منه .

لو تصرفنا هكذا يمكن أن نكون قد وضعنا قدمنا على درب الإصلاح الطويل، أما ما تعرضونه الآن فما هو سوى أضغاث أحلام .