الكتلة التاريخية : ماهيتها، سياقها، تعريبها السياسيوي (1-2)

 

علاء اللامي

 

 

 

((يكمن خطأ المثقف في اعتقاده أنه يستطيع أن يعرف من دون أن يفهم، وعلى الأخص من دون أن يحس ومن دون ان تثور حماسته إلا للمعرفة في ذاتها فحسب... غرامشي))

 

 

في تأريخية المصطلح والمفهوم : ينسب البعض هذا المصطلح أو المفهوم إلى القائد الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي ( ولد في 1891 و مات في سجون الفاشية الموسيلينية، و يمكن القول أنه مات تحت التعذيب مجازا لا حقيقة، فهو كان مريضا بخمسة أمراض مزمنة هي السل وتصلب الشرايين و ضغط الدم والنقرس والخناق إضافة الى اضطرابات معوية حادة ملازمة، و كان يتعرض للقتل البطيء من خلال الإهمال الطبي المتعمد في سجون الفاشية الموسيلينية وحين نقل إلى المشفى في أيامه الأخيرة كان عاجزا عن الحركة والكلام  ومات في 26 أبريل 1936)، فيما ينسبه آخرون إلى مفكرين أقدم، منهم مثلا ابن خلدون، كما كتب  سلام كاظم فرج الذي خلط بين هذا المفهوم وبين مفهوم "العصبية" الخلدوني والذي لا علاقة له البتة لا من حيث الماهية التكوينية ولا من حيث الوظيفة والدور، ثم بمفهوم تكتل الطبقات في التاريخ  لدى ماركس وإنجلز.

 

 غير أن الواقع المعزز بالأبحاث النظرية يؤكد أن غرامشي ذاته أخذ هذا المفهوم / المصطلح عن كتابات المفكر والفيلسوف الفرنسي جورج أوجين سوريل (1847- 1922   Georges Eugθne Sorel)، صاحب كتاب "تأملات في العنف"، وهو مترجم أعمال ماركس إلى الفرنسية،  والذي يصفه البعض – محمد المصباحي مثلا- بالماركسي فيما ينسبه البعض الآخر - وأنا معهم- الى النقابية الثورية ( اللادولتية – الفوضوية).

 

التعريف والماهية: وسنفرق الآن بين تعريفين للكتلة التاريخية : الأول تعريف وصفي ماهياتي، والثاني تعريف وظيفي يتعلق بالدور والسياق. لعل أبسط تعريف ماهياتي وصفي وأقربها إلى الدقة هو ( تحالف أو ائتلاف واسع يتألف من عدة طبقات وفئات وشرائح اجتماعية وقوى وتيارات سياسية واقتصادية وثقافية تدور في فلك طبقة أو فئة رئيسية مهيمنة بسبب نفوذها الاقتصادي أو الديني أو الثقافي، كما كان الحال في القرون الوسطى " الأوروبية" وعصر النهضة في مواجهة  الاقطاع الذي كان يحكم ويهيمن (يفرق غرامشي دائما بين مفهومي الهيمنة والحكم ) متحالفا مع الكنيسة وطبقات أخرى). أما التعريف الوظيفي المتعلق بالدور والسياق فيمكن اختصاره بالكلمات التالية ( هو تحالف أو ائتلاف – لم يقل غرامشي إنه سياسي - يتأسس وينشط  بموجب رؤية استراتيجية جديدة مندمجة ومتغاضية أو مخففة من خلافاتها وتناقضاتها الجوهرية والأساسية الطبقية، وموحَدة حول نقاط برنامجية موحِّدة قادرة على جمع كل أو غالبية فئات وطبقات المجتمع وقواه حول هدف واحد. وتلعب الأيديولوجيا و بعض المكونات الثقافية دوراً حاسماً في صياغة هذا التوجه التحالفي وتمتين الوحدة بين مكوناته).

 

في تاريخية المفهوم نسجل أيضا، أن غرامشي طوره مستعيرا إياه كبذرة من سوريل كما أسلفنا،  ولكنه فعل ذلك في لحظة تاريخية استثنائية هي صعود وهيمنة وحكم الفاشية في إيطاليا، المتحالفة مع النازية الألمانية، على الحكم وانسداد آفاق البديل الطبقي الثوري السياسي في مجتمع وقارة ذاتي كيانية طبقية مكتملة الاصطفاف والتركيب، مع أخذ التفاوت التكويني الطبقي الضخم بين الشمال والجنوب في إيطاليا ذاتها بالاعتبار، وليس في مجتمع مائع طبقيا ومشوه سوسيولوجيا كالمجتمع العراقي في أيامنا: فمجتمعنا تهيمن فيه وعلى السلطات فيه مكونات ما قبل الدولة مع بقايا الدولة المسقطة. هو مجتمع سحقته الدكتاتورية البعثية الصدامية وحروبها وقمعها الإبادي، ومعها الحصار الغربي الضاري، سحقا مخيفا جعله أقرب إلى الهلام الاجتماعي الغامض.

 

 وقد سجل باحثون دهشتهم من أن يصدر هذا المفهوم والفكرة حول الكتلة التاريخية من قائد شيوعي ماركسي في العهد الستاليني، مع أن غرامشي لم يكن ستالينيا بأي معنى من المعاني، ومرد هذه الدهشة أو العجب هو أن مفهوم الكتلة التاريخية الذي طرحه غرامشي يتناقض وبشكل أساسي مع بديهيات الماركسية التقليدية " أو المبتذلة كما يسمها سمير أمين" الأساسية حول الطبقات وصراعها ودكتاتورية البروليتاريا بل وحتى مع مبتكرَين نظريين ثقافيين مهمين قدمهما غرامشي ذاته: الأول هو (المثقف العضوي) والثاني ( مفهوم البراكسيس، والكلمة قريبة من معنى كلمة " الممارسة"). فأي علاقة – أقلها على الصعيد النظري الاستيحائي أو الاستلهامي  – تربط أو تحايث بين الكتلة التاريخية الغرامشية و واقعها التاريخي  الأوروبي والإيطالي تحديدا، من جهة، وبين الواقع العراقي الراهن، تسمح للذين سمحوا لأنفسهم باستيراد هذا المفهوم والعزف على أوتاره لتسويق تحالف مع أحد أطراف النظام، طرف داخل في صراع مع الأطراف الأخرى من قبل قوة متورطة أصلا في التأسيس والمشاركة في نظام رجعي ولصوصي ينبغي القطع معه تماما؟ السؤال الحاسم الآخر والذي يكشف عن خواء محاولة استيراد وتوظيف مفهوم الكتلة التاريخية هو : هل كان مفهوم "الكتلة التاريخية" –أصلا-  مفهوما سياسيا يؤسس نظريا لنوع من التحالفات السياسية أم هو مفهوم ثقافي ضمن سياق تأسيس الهيمنة الثقافية المضادة " ضمن سياق ابتكار غرامشي لمفهوم "المثقف العضوي" عبر تنفيذ  استراتيجيته لبناء "الهيمنة الثقافية المضادة" للهيمنة الثقافية الطبقية السائدة؟

 

فلسفة البراكسيس و مفهوم الهيمنة: يمكن لنا هنا بسهولة كبيرة أن نميز بين بدايات مفهوم غرامشي حول الكتلة التاريخية والذي لا علاقة له بالتحالفات السياسية بين قوى وأحزاب وتيارات وبين التأويل اللاحق لفكرة غرامشي وخصوصا في فترة صعود " الشيوأوروبية" والتي طرحت من قبل عدة قيادات أحزاب شيوعية اوروبية في فترة صعودها الجماهيري والانتخابي في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. ففي السياسية والصراع الطبقي يهتم غرامشي بمفهوم " فلسفة البراكسيس" وهي تعبير وفهم للماركسية كما يراها هو، والبراكسيس أيضا هو مفهومه الفلسفي الخاص لممارسة السياسة من منطلقات تقدمية تغييرية، أما على الجانب الثقافي فيعتمد غرامشي مفهوم " "الكتلة التاريخية" . وإذا أردنا أن نسهل فهم فكرة غرامشي رغم أن التسهيل ينطوي على خطورة التسطيح ومفارقة الجوهر إلى هذا الحد أو ذاك دائما فيمكننا القول – سأفعل ذلك على مضض مستعينا بما وقر في ذاكرتي من قراءتي لكتابات غرامشي قبل أكثر من عقدين ، وبعض الكتابات الحديثة والمستعيدة لهذا المفهوم نقديا، فهو كان يفكر ويأصل للموضوع على الشكل التالي:

-         بما أن  الإنسان غير منفصل عن منتجاته المادية والمعنوية " الثقافية".

-     فإنه من حيث الماهية "ذات ومادة اجتماعية وتاريخية مأخوذتان في علاقة جدية مع الضرورة" هنا نجد خلاصة نظرية غرامشي السياسية .

 

-  فهو حين يفكر في الدولة، ويبرهن أن المجتمع السياسي (أو الدولة) يتكون من أجهزة يغلب عليها القمع،إذ أن الدولة بموجب الفهم الماركسي التقليدي هي ماكنة قمع مادي ومعنوي جماعي "باسم المجتمع" بعد أن سرقت الطبقة السائدة دور وهوية وشرعية هذا المجتمع، فالدولة – بحسب غرامشي-  تتكون من قوى كاسرة (الجيش والشرطة والقضاء والمليشيات في أوقات الأزمات الحادة) و أيضا وفي الوقت نفسه تتكون من أجهزة تصوغ التشريعات وتطبقها (البيروقراطية، الحكومة، البرلمان) فهي إذن والحالة هكذا ليس إلا  الأداة التي تؤمن بها طبقة ما سيطرة على الطبقات الأخرى، وهي تتكون كذلك من أجهزة تغلب عليها الأيديولوجية (المدرسة، الكنيسة، الأحزاب السياسية...) وتضمن للطبقات المهيمنة والحاكمة موافقة وقبول الطبقات والفئات الأخرى وقبولها بقيادتها لها.الجديد لدى غرامشي هو أن هذا التحليل والرؤية ينطبقان على الطبقات الرجعية سياسيا وتاريخيا ويمكن أن نضيف استنتاجا : على الطبقات التقدمية الصاعدة الجديدة. الجديد الثاني عنده هو أن ما يؤمن توحيد هذا الجهد والهيمنة والسيطرة – على مستوى البناء الفوقي - هم المثقفون الذين تنتجهم و تنميهم وتتبناهم كل طبقة لتؤمن هيمنتها عبرهم. فمهمة المثقفين العضويين هي بناء و نشر تصور الطبقة المهيمنة للعالم وتأكيده في وجه مثقفي وتصورات طبقات النظام القديم أو النظام الذي يرهص بالولادة.

 

إن المثال العملي التاريخي الذي يعضد به غرامشي مفهومه المقترح حول "الكتلة التاريخية لبناء الهيمنة المضادة" هو التالي: حارب مثقفو البرجوازية في طورها التقدمي الصاعد المثقفين المرتبطين بالإقطاع "عبر الكنيسة"، وحين أمن مثقفو البرجوازية  هيمنتهم الثقافية الطبقية شرعوا بمحاربة  المثقف الجماعي الذي هو أحزاب الطبقة العاملة، أو أنهم حاولوا أن يجعلوه تابعا لهم من خلال ممارسة السياسة على طريقة عمل ونشاط الأحزاب "اشتراكية-ديموقراطية" الفاشلة والتي تعيد كل يوم انتاج ثقافة ونمط حياة الهيمنة البرجوازية. وعلى هذا فإن المثقفين العضويين ينبغي أن يشكلوا "الاسمنت العضوي" الذي يربط البنية الاجتماعية بالبنية الفوقية ويتيح تكوين "كتلة تاريخية" ذات منطلقات ونسيج وطرائق وآفاق ثقافية.

فما علاقة هذا التنظير الغرامشوي التأسيسي حول الكتلة التاريخية بالترهات السياسية المحلية التي يتحذلق بها ممارسو البروباغندا الحزبية البلهاء عندنا في العراق وبعض الدول العربية وغير العربية لتبرير تحالفات سياسية ذرائعية  انتهازية بين قوى تسمي نفسها حداثوية وتقدمية و علمانية ومدنية، بعضها  متورط في خدمة مشاريع احتلال أجنبية لبلاده، وبين قوى دينية سلفية رجعية تاريخيا وسياسيا، تعلن وبالفم الملآن عداءها للعلمانية والمدنية واليسار وتعتبر كل ذلك كفرا وإلحادا و تقود الحكم الفاسد أو أنها شاركت في تأسيسه و قيادته حتى اليوم؟

 

هل كان غرامشي سياسيويا ذرائعيا؟ إن هؤلاء الذين يُقَوّلون غرامشي ما لم يقله ويحاولون جعل كلامه عن " الكتلة التاريخية" مبررا لسياساتهم سالفة الذكر عجزوا و سيعجزون عجزا مطلقا عن الإتيان بمثال واحد على تحالف سياسي من هذا القبيل دعا إليه أو شارك فيه أنطونيو غرامشي وحزبه الشيوعي الإيطالي حتى مع أقرب الأحزاب العمالية اليسارية إليه كالحزب الاشتراكي الديموقراطي، بل هو لم يحاول قط دمج وإلغاء التكتلات الثلاث العريقة داخل الحزب الشيوعي الإيطالي نفسه، حين كانت الكتل المختلفة والمتباينة  موجودة ومشروعة في جميع الأحزاب الشيوعية – حتى الحزب الشيوعي الروسي قبل وبعد الثورة البلشفية بقليل – وكانت موجودة كتقليد ماركسي أصيل وجد مع الأممية الشيوعية الأولى والثانية في عهد ماركس،  قبل أن يدفن ستالين هذا التقليد الديموقراطي ويدفن معه – حقيقة لا مجازا – أكثر من ثلاثة أرباع رفاق وتلامذة لينين ويستبدله بتقاليد "الحزب الفولاذي" المليشياوية. ففي حزب غرامشي "الشيوعي الإيطالي" وفي مؤتمراته المهمة كانت تتنافس دائما ثلاث كتل متمايزة لها أطروحاتها المستقلة، كما في المؤتمر الحزبي سنة 1924، الذي شاركت فيه كتلة اليسار بزعامة بورديغا والوسط بقيادة تولياتي واليمين بقيادة تاسكا، وكان غرامشي قريبا من كتلة تولياتي آنذاك! يتبع