زها

 

رياض رمزي

 

 

لم تكن نائمة عندما أوسدوها اللحد. لا أحد كان بوسعه غلق عينيها التي فتحت بها عيون العابرين في خمس قارات، الذين تغشتهم الدهشة فلم يطرفوا رموشهم وهم يشاهدون  ما هو أكبر من قدرة مَنْ اكتسبت عيونه مراسا في النظر، أن يذهب إلى البيت و ينام  براحة. كيف إذن تغلق عينيها من تعودت فتح العيون على جمال وهجه ساطع، من يسعى لرؤية تفاصيله لا يحتاج إلى مرتفع أو يمسك بيده منظارا كي يراه. فما موجود من جمال يشبه أسماك الزينة، كلها جميلة، و لا داعي لتهييجها كي ترى أجملها. هل يمكن لغواص قضى أغلب عمره في قعر المحيط وهو يصيد اللؤلؤ أن لا يجلب لؤلؤة نادرة؟، هل يمكن لزهرة تغذّت طول عمرها على الندى أن لا تنشر ضوعا؟، هل يمكن لتمثال فارس حجري يقف على حصان ألا يكون مهيبا و عيونه مفتوحة على إتساعها؟.

البنايات الجميلة موسيقى تم تجميد نهاياتها كي تستمر في العزف فلا تبدي خفوتا في الصوت، لأن من عزفهتا تشبه الحية التي فتحت عيون آدم وجعلته يقع في قبضتها، عندما أغرته بالتمتع بثمرة شهية، فعزم على العصيان ما بقي يوم من حياته. أنه عصيان أمر الله الحية أن تنفّذه، لأنه هو من طلب منها أن تدل آدم عليه. كانت الأفعى عميلة سرية لمن خلقها. لأن مهمة الله هي الإنتصار على العدم وهو العماء: عماء العيون. من هنا فأن آدم رأى جمال الثمرة و قال، وهو يقضمها" حتى لو حدث لي أشد مكروه: ترك الفردوس". تضاءلت رغبته في العودة لأنه حصل على مرجعية من داخله و فيه: عيونه التي سيرى بواسطتها ما أبدعت يد خالقه في تشييده. حتى قيل أنه قال" لقد أسقطتُ من الحساب لحظات النوم التي لا تمارس عيني خلالها مهمة النظر". قيل نقلا عن حواء أن آدم، في يوم مطري و عاصف، كان يمسح عينيه بسرعة مزيلا عنها الغبار بملابسه كي لا تمر عليه ثانية بدون نظر، و أنه كان على شفا البكاء وهو يزيل بملابسه الماء عن عينيه، حتى اظطر مرة إلى السير عاريا كي ينظر إلى جمال الخلق. كان يبتئس من أي قتامة تحل في الجو و تجعله أشبه بمخظوظ قديم يحول بينه و بين قراءة صفحاته. خلاصة القول أن الجريمة التي اقترفها آدم بمساعدة من الخالق كان هدفها أن يجد نفسه في الخارج كي يضع حدا للتكرار الموجود في الجنان، فكانت بهجته مشاهدة البنايات الجديدة و تلك قيد الإنشاء. هكذا عندما كان الله مثقلا بتدبير شؤون الخلق ماج حنينه لأصوات تجلب السرور لخلقه فخلق الطيور، و عندما خلق النخيل و كانت هناك حاجة لنقل ذرور الطلع قام بخلق الرياح،  و بعد أن أنجز العالم راميا طين الخلق جانبا، قرر من ضمن ما قرر،  أن يرى قابليات صنيع خلائقه، فخص هذه الأرض بفتاة اسمها زها، وهو يقول لقد خلقت قبلها هنا على هذه الأرض من ضمن ما خلقت المتنبي الذي أراني كيف تخلق الكلمات، و ناظم الغزالي الذي يهدّئ اظطراب خلائقي ساعة يحل بهم ضجر أو برم ليحيلهما بصوته إلى مسرات، جميل بشير الذي يبهجهم في ساعات عسرهم، فائق حسن الذي يعيد صباغة الأمكنة التي كلحت ألوانها الأولى، و ها أنا أخلق زها التي ستحول الشوارع المتربة و الأركان المهجورة إلى شواهد لخلق آثار لا تندثر كي أجعل أرضي أظهر للعين من كل أرض، بدلا من الإستغاثة بي عند ظهور زيادة أو نقصان ، و لأنام براحة بال، برغم أني عصي على الطعون في السن.

امرأة اختصت بصنع بنايات جميلة تشبه موسيقى ساكنة، عزفها أزلي، من يشاهدها يختار لها المقام المناسب، من يقترب منها أو يدخل فيها تحل فيه نشوة غامضة فيتلاشى عن نفسه كما يحدث لزوار المزارات الدينية، لأن جمالها يجعل كل حس فيه على أفضل ما يكون من الهيبة و الخشوع، فيهب نفسه طواعية لما يرى، فيمضي على ذلك النسق مغمورا بسعادة علوية تتراخى فيها تأثيرات المتاعب الأرضية فتسري فيه أعلى حالات الإنشراح، حين تحل الهموم التي تشل عقله عن العمل وثاقه، فتصبح حياته مفرطة في حلاوتها، تحتدم عواطفه فيرتقي إلى ذلك المخلوق الذي جهد الخالق همه على صنعه على صورته.

عندما  خلق الإنسان على صورته كان يسعى لرؤية صفاته فيه. وكما يقول الكاشاني أن الجمال هو أوصاف لطف الله و رحمته، أما بن الدباغ فيقول ان الجمال مطلق و مقيد: مطلق لله و مقيد لغيره. لكن الجمال القدسي ممنوح على جرعات لمخلوقاته، يجري فيهم علوا و سفلا، ظاهرا و باطنا حسب سعيهم. فالله يسمح فقط لكوكبة من عباده من الإقتراب من مركز نوره، فيشرك العارفين جزاء وفاقا لسعيهم، عندما يختار من بينهم من لا يباريهم أحد في السير صعدا نحو مكمن النور.

حينما بدأ يضيق ذرعا بعدم محض كان يحيطه، أراد الخالق أن يحلق شيئا لمتعته، فقرر خلق العالم و السماوات السبع لمتعته الخاصة. و عندما قال في اليوم السادس ليكن نور، شاهد في يوم راحته في اليوم السابع جمال صنيعه فقرر أن يخلق من هو على صورته كي يشاركه المتعة بتعليمه و بإكسابه المراس في النظر، ليجعله حليفا له عن طريق نقل ذلك الجزء المقيد من قدراته إليه. انشغل الخالق بخلق مخلوقات ذات ظاهر و باطن، فمنح الكل ظاهرا و احدا و بواطن مختلفة. وحدهم أصحاب العقول الذكية من أودعهم جزء من أسرار معارفه الربانية، ليضعهم في أول طريق الكمالات و الفضائل. لهذا الغرض حدّد منطقة أسمها الموصل و أصدر أمرا إلى ملائكته أن يخلقوا بنتا تحت اسم زها قائلا أنها من فعل الزهو، مرددا جملة إذا زها النخل سمق في الطول، و البسر إذا زها نضج و تلوّن. بهذا راق له إكساب مخلوقة واحدة الفراعة في الطول، النضوج و كثرة الألوان، ثم أضاف قائلا لها: هذه صفات أودعتها فيك وهي تتطلب أقصى درجات المسايرة و الإلتزام.

كبرهان ملموس على مسايرة ما عهده الله فيها من صفات، و تطبيقها بأقصى امتثال، و كي تصل إلى أعلى قدراتها، أقبلت البنت زها على قدرها بدون أن تحاول الإفلات منه. قررت: ألا تتخلص مما تشاهده،  أن يسترعي كل شيئ انتباهها بدءٍ من الفجر الوليد حتى الليل الزاحف. بدأت تتعامل مع الخلود برغم صغر سنها " أجلس في بغداد و أشاهد مسيرة النهر الأزلية". قررت أن تعرّض قدراتها لامتحانات شاقة فلا تكتفي بمسلك وحيد بل أن تمد سلطانها على كل المسالك المحيطة بأية نقطة" لماذا نركز على درجة واحدة إن كانت هناك 360 درجة؟". ردّدت مع نفسها:  إن كانت تلك مشيئة الرب فلأتعلم كيفية الوصول إلى مخزن حكمته، حينما سمعتْ النذير: عليك يا زها تحديد ما تنوين الوصول إليه كي تجهدي إلى بلوغه، لبلوغ الإشراقات حيث لا تستتر الأشياء عنها. تعلمت في أوقات تقلبات الطقس الفجائية تحديد وقت بزوغ نور الشمس، فيما يسميه الصوفيون الإستنارة، حيث لا يقف حائل بينك و بين الكشف الذي يقال عته" الذي لا يأتي في البداية بيسر، ثم بعد المجاهدة يأتي بيسر و على أتم وجه: بلوغ عتبة الرغد الذي أقلعت العامة عن هدف الوصول إليه لإستحالته.

لهذا كان عليها الوصول إلى باب القلعة التي تُختزن فيها الإشارات المحملة بالدلالات التي هي من امتدادات الحضرة الإلهية التي يتحد فيها الأزل بالوقت الحاضر. وهي الحالة التي يجعل فيها الخالق قلب عبده فارغا كي تبسط معرفة جديدة سيطرتها عليه: بناء بيوت معمورة بالجمال و الحكمة. و كي لا يطيح بها التعب و الونى و التردد لتحقيق ما استاقه القدر لها من مهام رسالية، بدأت تدرّب نفسها كي لا تشتكي من عارض مرضي، على منوال جندي لا يمتلك في حومة القتال غير عينين صقريتين، و هو يشد بأقوى ما لديه: جنانه.

لا أحد بمقدوره تحديد متى حل في عقلها ذلك اليقين المفاجئ. في مرحلة دراسة الرياضيات كانت تترك المعادلات الجافة و تنهمك في رسم ما يحول في خاطرها من مشاهد و تصاميم يتوه الرشاد من فيض جمالها،  مثل كرات من عجين تفردها و تحولها إلى خبز حار. كان النظر إلى العالم يستنفذ طاقتها منذ كانت فتاة صغيرة بضفيرتين. بعد فترة من النظر، الهدم و البناء أدركت أنها تسعى للكمال. لكن السعي نحو الكمال معركة تشبه مصارعة الثيران، إن ولّى المصارع ظهره للثور في لحظة غفل سيغرز قرنيه في ظهره، و ما عليه سوى غرز رمحه في ظهر الوحش. سحقا لمن ينهزم و سحقين لمن يواجه. لأن من يواجه و ينتصر عليه، كي يستحق لقب مصارع خالد، أن يصرع ثورا جديدا في كل مرة. أنها معركة لا تؤذن بنهاية. فالمصارع ما أن يصرع ثورا حتى يظهر آخر جديد، في نزالات لا يحصل خلالها على مدد من من أعضاء جديدة. لكن هذا المصارع الذي يدحر مجموعة من ثيران يصل إلى مرحلة يفوز فيها بالخلود و يستعصي عليه الموت، كما حدث مع أجناثيو سانشيز ميخياس الذي صرعه الثور في الساعة الخامسة ظهرا. هذا الوقت الذي نال فيه الخلود مرتين: مرة عندما سستمر مليارات" الساعة الخامسة ظهرا" و تظل باقية ساعة خامسة واحدة تذكّر بطريقة موته، و مرة عندما أنشد لوركا رثاء له" أجناثيو يرقى المدارج/ و ظلُّ موته على كتفيه[ وهو] ينشد مطلع الفجر.... في الساعة الخامسة بعد الظهر وضع الموت بيوضه في الجرح".

عقب إنجاز أحد أعمالها لم يجد النوم سبيلا إليها. لشد ما كانت تتوق لإغفاءة قصيرة. عندما أفلت الأرق يده عن معصمها شاهدت من يتقدم نحوها على هيئة شيخ وقور لون وجهه يشبه من سار في الهاجرة طويلا بدون غطاء رأس. ذهب ثم عاد، و جاء ثانية و عاد. كان يذهب و يعود ملحاحا، إلى أن مد رأسه لها، زمّ شفتيه كأنه يتهيأ لإطفاء شمعة مشتعلة، ثم نطق بحملة" ستمر أصياف كثيرة قاحلة بلا خيط ماء، ثم تأتي شتاءات و فصول خريف، ستزداد الخيبات قوة و تفشل الآمال، حتى يحين موعد مجيئء الربيع الموعود الذيسيجلب معه أرق الظلال، و سيأتي معه وابل مطري يبالغ في سداد ديون قديمة للأرض على السماء، و ستحرج نساء البلاد بوجنات حمراء تستدعي الإستثارة، سيرتدين ملابس براقة تضفي مظهرا بهيجا على المدينة، و ستشيد عمارات تتناسب مع لون الوجوه و الملابس، و سيشعر الجميع بانتعاش في الصحة و سيعم وباء اسمه الطموح، ستسقط كلمات من التداول فلا يعود أحد يتجرأ على النطق بها و إن أفلتت من الفم فسيعاقب عليها الأهل و الأصدقاء و الجيران". أراها طينا سائلا أمرها أن تعجنه و أن تضعه تحت الشمس كي يحصل على تماسك أبدي، عندما أكمل حديثه اختفى قبل الغسق. و عند إختفائه  بكرت الشمس في المجيء في ذلك الصباح كي تحول العجين إلى صلصال دائم. حلمت في الليلة الموالية أنها تجلس على شاطئ دجلة. شاهدته مليئا بأفاعي النهر، سمك الجري، الزوري الصغير و أسماكا غريبة تتخذ من الوحل مسكنا لها. تحركت خارجة من مكامنها جاعلة من ماء النهر سقفا أسودا. و فيما هي تنظر مأخوذة بما يحدث في النهر، شاهدت سمكة تعوم عكس التيار، لا تشبه بقية الأسماك و كأنها ولدت نتيجة تناسل إرادي مقصود، و كأنها منوطة بدوريتعين عليها الإضطلاع به: القضاء على ديدان النهر و أفاعيه. أدركت أنه ليس حلما بل تكليفا.أن تعيد الصفاء إلى النهر، الإرتقاء به فوق أسماك الزوري التي استوطنت النهر.

عندما سمعت جملة" سيجيئ ربيع...ألخ" صارت سعيدة سعادة طفل يفض لفافة هدية قدّمت إليه. لكنها غالت في تقييم ما سمعت فبدأت تنظر إلى نفسها كوكيلة لمن أرسل لها الوحي على هيئة شيخ وقور. راحت تمارس النظر و تهيأ قلبها للعمل بدوام كامل لمباشرة المهمة: تهيأة الأرض لقدوم الربيع المنتظر. كيف تحقق ذلك؟. تذكرت عندما لم يكن هناك غير العدم المحض كانت هناك إرادة الخالق في تحويل اللاشيئ إلى شيئ. كان عملا شاقا استغرق منه ستة أيام قبل أن يقول كلمة" ليكن هناك نور". لو لم يفعل الخالق ذلك لجلس متعفنا وهو يتدثر في قراشه، و لواصل الماء في الخارج تحوله إلى جليد ثم ذوبانه و تحوله ثانية. في اليوم السابع كان الإنسان الأول، كانت الطيور تطير تحت قبة السماء، الحشرات الطيارة تهاحم مكامن اللهيب، وابل مطر بزخة واحدة يحول ذرات التراب إلى مزيج من الوحل يتحول، بفعل الشمس التي خلقها قبل إنزال المطر، إلى صخور صلصالية تراكمت فوق بعضها البعض كي تتحول إلى جبال. خلق رياحا عاتية و خلق أشجارا تقاوم هبوب الريح.... قام الخالق بالتخطيط لكل شيئ، حتى أنه أرسل الحية كعميل سري لإغواء أول المخلوقيْن لعصيانه كي يعلمهم الحرية و ليتسامى  على محدوديتهما. لم تكن جريمتهما بتلك الدرجة من الخطورة، و إلا كان الرب عاقبهم بحرمانهم من النسل إلى الأبد. ثم إختار ملاكا قاسي القلب ليأخذ يد آدم و حواء بعيدا عن الجنة. قال للملاك المكلف بالطرد أحذرك من أن يرق قلبك لدموع حواء. 

قرأت كيف أن النبي يعقوب طلب من والد زوجته أن يعطيه جزء من ماشيته و كيف تردد والدها. قال له الله كي تحصل على مرادك استعمل خيالك. ذهب يعقوب من فوره إلى والد الزوجة و قال له أنه سيبقى في خدمته بشرط أن يعطيه كل الماشية بلقاء اللون. وافق الوالد. فماشية بلون كهذا غير موجودة و لن توجد. قام يعقوب بجمع نبات أخظر و صبّ عليها لبنا ثم غرسه في أماكن رعي النعاج. أنبتت الأرض نباتا مرقّطا . أكلته النعاج الجائعة، توحمت بمذاقه و شكله فولدت نعاجا بلقاء.

نجح يعقوب لأنه أنصت لما قاله الله له باستخدام خياله. بيّن  جوليفر في رحلاته أن عظمة حكام ليليبوت تكمن في أنهم أقزام آمنوا أنهم عمالقة. هذا هو قانون التقدم في كل مكان. هناك من لا يخبرك بأنك عملاق، بل يجعلك تشعر بأنك لست قزما، فيتجه ذهنك للشعور، دون أن تدري، أنك عملاق، و لا يمكن لأحد أن يمارس السخرية معك. الخيال يعطي مخالب للضعيف. تقدُّم الأمم ليس سوى خيال آمن به فرد ملهم نقله إلى عصبة من مؤمنين حولوه من تجريد غير واقعي إلى واقع، بعدما حرّك بعمق قلوبهم قبل عقولهم.

حينما طرقت سمعها، ما قاله ذلك الشيخ من جملة" سيجيئ ربيع... ألخ" أدركت أنها وكيلة من وكلاء الخالق، فراحت تهيأ الأرض لمقدم ذلك الربيع الأبدي. لتحقيق ذلك آمنت أن الربيع يحل عندما تشعر الشعوب بالرفعة و السمو فتزداد إنجازاتها. تشعر الشعوب بتفوقها عرقيا عندما يكونون مفعمين بجمال يحيط بهم. تتضخم ذواتهم لتناسب حجم و جمال ما يشاهدونه من معمار. الجمال لوثة إن أصيب بها من يحاط به و يشاهده على شكل منجز جمالي، يتضخم و يتسامى و يسمق ليصبح عملاقا يناسب ما يشاهد( أنظر هنا ما أنجزته زها في الصين من مبنى جعلت الصيني يؤمن بأنه عملاق من خلال السطوة الخلابة لمبنى جعل الصيني يجهد للحاق بسمو المبنى. انظر كذلك المبنى في ملبورن في أستراليا).

كانت مدركة لما تحوزه من فرط المخيلة. مثل أم كلثوم التي تمتلك صوتا بإمكانها، من طريقة إستخدامه ، أن تُضل و أن تهدي. فهي أشبه بمن لديه بندقية أما أن يطلق النار على قفل قفص يعمر بطيور الحب كي يحررها، أو يقتل بلبلا مسكينا.

باتت، كلما استنفذ العقل طاقته على الجديد، تهيّجه كي يتوهج من جديد، حتى بدّدت كل طاقاته على الكدح و النظر. تحول القلب، الذي كان عليه أن يوفر لها غذاء طازجا كل يوم، إلى ما يشبه الخبز المحترق، وهي غير عابئة بتآكل سلطاته على جسدها، غير عابئة بالنخر الذي تسلل إلى عافيتها. بدأ  تشديدها على مطالبته بمسايرة همتها، يعطي نتائج عكس المرجو منها. صار أمير الجسد متسولا يفترش البطاطين في مملكته، يستجدي الراحة منها تفاديا لإلتزام صمت أبدي. واجهت تقاعسه بنوع من الصلف، لأنها زها حديد لا غيرها من وفّرت له ضيافة كريمة فيها، وما عليه سوى الخضوع لحكم قاضي القضاة الذي هو بمنجى من أي تخفيف: مواصلة خدمتها حتى يشيخ بكرامة تليق بمن تحمله في ثناياها .

كان هناك، في الجوار، ذئبا أسمه موت بن ردى يختبئ بين الحشائش يراقب تحركات قرن الغزالة التي  يطاردها الآن. المشكلة أن الغزالة لم تكن على علم بأن هناك من يسعى لسحب ترخيص وجودها إلى الأبد، إلى الأبد.

ما الذي أفاده بروتس الذي تقدم نحو القيصر و طعنه، غير حصوله على جملة" حتى أنت يا بروتس". ما الذي جناه ابن ردى من هجومه المباغت على زها ابنة محمد حديد غير بيتي شعر قالهما الجواهري( أنا أبغض الموت اللئيم/ بغضي لطيوف مخاتل نصاب. ذئب ترصّدني و فوق نيوبه/ دم أخوتي و أقاربي و صحابي(

في مكتبه في السماء السابعة يوجد جدار طويل، يتمعن فيه الخالق كل صباح، طوله آلاف الفراسخ اسمه" المساهمون في توسيع مديات الكون". أمام اسم كل شخص شجّة تضعها الملائكة تقديرا وفاقا لإنجازات كل مخلوق. أكثر الشجات في صنف الرجال العرب كانت لمحمد عبد الوهاب، ناظم الغزالي، جميل بشير.. من جهة النساء كانت أم كلثوم، زها محمد حديد...