الكتلة التاريخية : ماهيتها، سياقها، تعريبها السياسيوي /2من2

 

علاء اللامي

 

 

((يكمن خطأ المثقف في اعتقاده أنه يستطيع أن يعرف من دون أن يفهم، وعلى الأخص من دون أن يحس ومن دون ان تثور حماسته إلا للمعرفة في ذاتها فحسب... غرامشي))

 

 

محاولة الجابري لتعريب الكتلة التاريخية: يفاجئنا الباحث الراحل محمد عابد الجابري خلال محاولته تناول موضوع" الكتلة التاريخية" بنوعية هذا التناول البعيد كل البعد عن كتاباته المنهجية النقدية المعروفة وذات الحصائل المهمة. فهو وإن حاول أن يكون حذرا في تناوله للموضوع، تاركا مسافة بينه وبين المفهوم الأصلي، ولكنه قدم في النهاية محاولة سطحية و خالية من أية قيمة نظرية ذات صلة، فمنذ بداية نصه المعنون " الكتلة التاريخية ... بأي معنى؟" يكتب ( إن ما يحتاج إليه النضال العربي في المرحلة الراهنة ثمانينات القرن الماضي. ع ل- هو في نظري شيء أقرب إلى ما سماه غرامشي بـ"الكتلة التاريخية" ). فما هو هذا الشيء الأقرب؟ وكيف نقيس أو نفهم قربه أو بعده عن الجذر الجوهري حين يوظفه الباحث لخدمة مفهوم فضفاض وخال من المعنى الاجتماعي والثقافي، ومكرر حد السأم في النثر الحزبي العادي هو مفهوم  "النضال العربي"، ما معنى هاتين الكلمتين؟

 

إن هذه البداية تفصح عن مضمون محاولة الجابري، ولمزيد من التوضيح نقرأ له هذا النص الذي لا يترك أي مسافة بين ما يريد هو قوله وبين مفهوم "الكتلة التاريخية" كما قاله غرامشي بما يجعلنا إزاء مفهومين وقولين متفارقين نوعا، كتب الجابري: ( الكتلة التاريخية كما ناديت وأنادي بها هي كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلق أولا بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية، السياسية والاقتصادية والفكرية، وتتعلق ثانيا بإقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها، إلى درجة كبيرة، التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للإنتاج)، وهنا، فنحن بعيدون كل البعد عن الكتلة التاريخية الغرامشية أو حتى القريبة منها وفي حياض النثر السياسي الباهت والسائد أدبيات الأحزاب السياسية اليسارية والقومية العربية في تلك الفترة، والذي يريد التأسيس لأي شيء آخر يواجه به "الاستعمار والإمبريالية" إلا الكتلة التاريخية التي لا محل لها من "الإعراب" هنا.

 

يتبين لنا البعد العملي التطبيقي لهذه الفكرة بالملموس أيضا، من خلال المثال الضدي الذي يأتي الجابري به كنوع من التبرير البحثي لمفهوم الكتلة التاريخية - كما يراه هو وليس غرامشي- إذْ  يقول (أن الخطأ الذي ارتكبه الوطنيون الليبراليون والقوميون والماركسيون العرب، في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، والمتمثل في إقصاء وتهميش التيارات الإسلامية، تقترفه بدورها الثورة الإسلامية في إيران ... وذلك حين أخذت في إقصاء حركة "مجاهدي خلق" ذات التوجه الماركسي، وشخصيات وطنية ليبرالية وازنة، مثل مهدي بازركان، ثم أبي الحسن بني صدر، إضافة إلى تهميش وتجميد شخصيات إسلامية متفتحة مثل آية الله شريعاتي ثم آية الله منتظري الخ.) ثم يصل الباحث إلى استنتاج ذي رائحة حتمانية قوية و يقدمه بمثابة الوصفة الناجعة التي تضمن نجاح ما يسميه حركة "التغيير في المجتمع العربي" فيقول ( إن أي حركة تغيير في المجتمع العربي الراهن لا يمكن أن تضمن لنفسها أسباب النجاح "..." إلا إذا انطلقت من الواقع العربي كما هو، وأخذت بعين الاعتبار الكامل جميع مكوناته، "العصرية" منها و"التقليدية"، النخب منه وعموم الناس، الأقليات منه والأغلبيات، صفوف العمال وصفوف الطلاب، وقبل ذلك وبعده صفوف المساجد...صفوف المصلين). وليس أدل على تبلبل و مفارقة وخراقة هذا الاستنتاج مع وافر احترامنا للباحث الراحل وإنجازاته الفكرية المهمة في ميادين أخرى هو هذا الجمع العجيب بين صفات ومسميات عديدة في "كتلة تاريخية" ينضد داخلها : العمال والطلبة وصفوف المساجد والمصلين ...الخ! ولكن، أين نضع مثلاً عمالا وطلبة يصلون، وبرجوازيين لا يصلون ولا يصومون، وأي علاقة يمكن اكتناهها بين هذه المسميات والصفات؟

 

المصباحي ومحاولة أخرى : أما بقلم  الباحث محمد المصباحي فنقرأ محاولة وصفية نقدية وتحليلية تتسم بالكثير من الرصانة والدقة التوثيقية لمفهوم ومصطلح "الكتلة التاريخية " مع أنه يبدو متساهلا كثيرا مع محاولة مواطنه الجابري التي توقفنا عندها لماما قبل قليل، ولكن المصباحي يعود إلى فكرة غرامشي الأصلية ويعرضها بكثير من الدقة والموضوعية في الجزء الأول من دراسته، محافظا على الجوهر الثقافي البدئي لها، مستنتجا وجود إمكانية لنشوء أو تأليف  مختلف الكتل ما يضعنا في حيرة شديدة ويجعل المفهوم الذي يقاربه المصباحي لموضوع " الكتلة"  أكثر التباسا خصوصا حين يكتب عن إمكانية تأليف أو نشوء ( "كتلة ايديولوجية". و"كتلة ثقافية". و "كتلة فلاحية"، و"كتلة اجتماعية" ) ويضيف ( كما يمكن الكلام، كما فعل غرامشي، عن كتلة وطنية شعبية تقوم في مواجهة كتلة كاثوليكية اقطاعية، وعن كتلة عالمية، هذا فضلاً عن "الكتلة التاريخية"). ولكنَّ المصباحي  ما يلبث أن يحاول جر المفهوم الغرامشوي جوهرا واصطلاحا  الى الميدان السياسي والأيديولوجي على حساب جوهره الثقافي بكثير من العسف والخفة الأكاديمية وخصوصا حين يضرب أمثلة سياسية لبعض التطبيقات التحالفية السياسية قبل أو خلال عمليات تغيير جماهيرية سلمية ومسلحة مشهورة في العالم المعاصر و لا علاقة لها من قريب أو بعيد بمفهوم الكتلة التاريخية الغرامشوي،  فيقول ( يقدم لنا التاريخ المعاصر في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا والعالم العربي الاسلامي عدة أمثلة عن قيام كتل تاريخية لإنجاز مهام استراتيجية في بلدانها. فقد كان مطلب التعددية السياسية والنقابية في وجه احتكار الحزب الواحد لمجال السلطة السياسية في بولونيا، هو الذي عبّأ البولونيين حول نقابتهم المعارضة في غدانسك لتكوين كتلة تاريخية لإطاحة النظام، كما كانت مقاومة نظام الميز العنصري سعياً وراء الحصول على مواطنة متساوية مع البيض هي التي دفعت سكان جنوب افريقيا الأصليين الى تكوين كتلة تاريخية لتقويضه... ولعل انتفاضات الربيع العربي لها شيء من معنى الكتلة التاريخية...) والواقع، فنحن لو أخذنا بطريقة المصباحي في ضرب هذا النوع من الأمثلة على الكتلة التاريخية لأمكننا اعتبار هجوم قريش وحلفائها في غزوة "الخندق - 5 هـ / 627م " مثالاً على وجود و تطبيق "الكتلة التاريخية" وهنا نبلغ ذروة الطيش النظري والتحليلي.

 

 والواقع فإن انعدام الدقة في التمثيل لدى المصباحي لا يعني خلو محاولته من الأسئلة الرصينة والتحليل الجاد لمحاولة الجابري، أو لعرض المفهوم الغرامشوي الأصلي، مشيرين إلى إننا لا ندافع عن مفهوم " أصولي غرامشوي ما" بقدر تعلق الأمر بمنهجية التحليل النقدي التي نتبناها وإمكانية الوفاء لها وللحقيقة العلمية، غير أن تنظير المصباحي  لا يخلو من التبريرية والإرادوية في مواضع مهمة وخصوصا عند كلامه على ما يسميه "التركيب التوافقي والشمولي للكتلة التاريخية" حيث يظهر جليا للعيان جوهر محاولته استبدال الوقائع والمحمولات والثيمات الواقعية الحقيقية على الأرضية الاجتماعية التاريخية بتصورات و صبوات و رغائب جلها ذاتي، كالقول إن الجابري كان يحرص على أن ( لا يستثني أحداً منها، لا أصحاب المال ولا الكادحين ولا الثوريين ولا حتى أولئك الذين هم الآن في مواقع السلطة ويشعرون بضرورة قيام نوع من التعامل الجديد مع شعوبهم ومع خصومهم، تحقيقاً لمشروع سيكون من أولى مهامه، لا تحقيق الوحدة العربية والاسلامية، بل الحفاظ على الوحدة الوطنية في كل قطر عربي ). ويمكننا أن نمضي قدما وطويلا على هذا المنوال في تقصي فهم المصباحي للكتلة التاريخية ولفهم الجابري كما رصده المصباحي إلى درجة التمازج بين الفهمين.

عودة إلى الماهية الأصلية: لقد طرح غرامشي  مفهوم الكتلة التاريخية في سياق ثقافي أيديولوجي أخلاقي محدد هو إطار ومهمة و ممارسة بناء الهيمنة المضادة، وهذا ما نجح في توضيحه ورصده الباحث العراقي حيدر علي محمد مستعينا ومشاركا ما رصدته  وحللته باحثة أخرى يُكثر من الاستشهاد بها هي د. أمينة رشيد. سأحاول أن أقدم الآن خلاصات ومقتبسات مبسطة  و بقليل من التصرف اللغوي على خطورة التبسيط التي أشرت إليها سلفا لما طرحة الباحثان علي ورشيد لهذا المفهوم ( الكتلة التاريخية في سياق الهيمنة الثقافية المضادة )  تسهيلا لفهمها واستيعابها من طرف القارئ، تاركا مهمة المقارنة مع المصادرات المعاصرة للقارئ، ومكررا أنني هنا - لا أدافع عن "أصولية غرامشوية" ما، بل أسعى  لفضح وتحليل وبيان تهافت المصادرات السياسيوية الحزبية المعاصرة التي سطت على هذا المفهوم محاولة توظيفه سياسويا وفي غير مقاصده تماما:

فالجانب الأول لتحقيق الهيمنة الثقافية المضادة يتطلب تكوين و كسب (مجموعة من المثقفين المستقلين، وهذه المهمة تتطلب جهد اً شاقاً، بين الافعال وردود الافعال، بين الانتماءات والتكوينات الجديدة الشديدة التركيب..) ثم أن غرامشي يرى الصراع هيمنياً( إلا أن ذلك المفهوم ظل في حيز الأطر العامة، برغم محوريته عند  صاحبه، وظل معتَبراً فعالية خارجية يمكن ممارستها دون عوائق كبيرة).

أما الجانب الثاني فيظهر ويتركز في ممارسة الهيمنة. تكتب د. أمنية رشيد ( ان الهيمنة إذن هي موقع الصراع  الاجتماعي، فهناك طبقة سائدة تمارس الهيمنة عبر "المجتمع المدني" وهناك طبقة أو طبقات مسودة تحاول طليعتها الثورية أن تشكل هيمنة جديدة لها فكرها وأخلاقياتها وفعلها الجديد، ويحدث ذلك في داخل هذه التكوينة التي أطلق عليها غرامشي تسمية  ((الكتلة التاريخية )) التي يعرفها بالتالي ((تكون البنية والبنى  الفوقية ((كتلة تاريخية))، أي أن المجموع المركب، المتناقض، المتنافر للبنى  الفوقية هو انعكاس لمجموع العلاقات الاجتماعية للإنتاج "على  حد تعبير غرامشي".

 إن دور "المثقف الثوري"، هو في إيجاد ثغرات  في الكتلة السائدة من أجل تكوين كتلة جديدة، بينما يعمل الفيلسوف الليبرالي  على  صياغة الكتلة بإعطائها الاتساق، كما فعل "نبدتو كروتشه" مثلاً، جاذباً لجزء أساسي من المثقفين الإيطاليين الجنوبيين القابلين للمواقف الجذرية في إطار جهده في تكوين "هيمنة ليبرالية".

وتقع (مهمة غزو الهيمنة على عاتق الحزب السياسي "كالمثقف الجمعي" الذي يحلل قوى الفترة التاريخية المعينة ع ل- من أجل تغيير الواقع..)ص 208 وما بعدها حسب نسخة الباحث، و ص 200 حسب نسختي من كتاب "ندوة القاهرة: غرامشي وقضايا المجتمع المدني. م س.

فأي علاقة يمكن أن تنعقد بين هذا التفكير الغرامشوي لبناء الكتلة التاريخية في سياق مهمة تفكيك هيمنة ثقافية سائدة وبناء هيمنة جديدة تغييرية طالعة وبين ما سبق وأن تطرقنا له من أمثلة على مصادرات سياسية انتهازية لا قيمة علمية لها تهدف في نهاية المطاف لتلفيق صفقات وتحالفات سياسيوية بين أحزاب وقوى داخل وعلى مقربة من نظام حكم تابع أوجدته سلطات احتلال عسكري وسياسي أجنبي كما هي الحال في عراق اليوم؟