اللقاء الأول مع الحكيم جورج حبش

 

باقر إبراهيم

 

 

 

في السنوات الأولى من سبعينات القرن الماضي، وبالتحديد عام 1973، كنا في قيادة الحزب الشيوعي العراقي، قد أفتتحنا مقر اللجنة المركزية للحزب، في الكرادة الشرقية ببغداد. في احد الأيام من ربيع ذلك العام، كما أتذكر زار مقر الحزب الفقيد الحكيم جورج حبش، صحبه وفد من قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وشاركت الرفيق عزيز محمد السكرتير الأول للحزب في تلك المقابلة الأولى، التي أعقبتها مقابلات أخرى في بغداد ثم خارج العراق.

ماتزال طرية في الذهن، بعض الذكريات عن ذلك اللقاء لي مع الحكيم والمفارقات التي رافقته دون تذكر المحتوى السياسي للقاء وهي معروفة بالطبع في خطوطها العامة.

كنت أعيش في منطقة شعبية ببغداد، وكان علي أن أحتذي حذاء مطرياً وأغلفه بكيس من النايلون ليقي بنطالي من أوحال الأمطار التي أخوض فيها في طريقي من البيت حتى السيارة التي تقلني إلى مقر الحزب يقودها سائقنا المرحوم ( أبو منير).

حين دخلت باب الإستعلامات في مقر الحزب كانت بإدارة طيب الذكر المرحوم نوزاد نوري، وقبل خلع حذائي، وإستعادة هندامي الطبيعي كالعادة بادرني نوزاد بالقول: أبو سعود ( الرفيق عزيز محمد ) يريدك في غرفته فوراً...ولم يخبرني بشئ آخر!

إستغربت ذلك الطلب الفوري، وتوجهت مباشرة إلى غرفة عزيز محمد لأفاجأ بوفد الجبهة الشعبية وأنا بتلك الحالة.

سلمت على الجميع، بادرني عزيز محمد متسائلا: ماذا ...هل كنت في معركة؟ ضحك الجالسون وقلت نعم في معركة مع الأوحال! وأعتذرت لأعود إليهم بعد أستعادة هندامي الطبيعي.

تحدث المرحوم ماجد عبد الرضا عضو اللجنة المركزية للحزب، فيما بعد عن لقائهم في لجنة العلاقات الدولية للحزب، بوفد الجبهة الشعبية بعد لقائنا المشار إليه أعلاه.

قال ماجد، إن من التقينا معهم من قادة الجبهة الشعبية، كانوا يسمعون بأن باقر إبراهيم هو من عناصر اليمين في قيادة الحزب الشيوعي العراقي. لكن أحدهم علق على منظرك في تلك الحالة الموصوفة أعلاه ما معناه: إذا هذا يمينكم فنحن نتمناه ليسارنا!

لست من طبقة فقراء العراق، لكني قضيت أغلب حياتي في أوساطهم ولم أكن بعيداً عن معاناتهم. ليس كل المنحدرين من طبقة فقراء العراق محصنين من داء( اليمين ) وحتى الارتداد أحياناً، رغم إنها حالة الأستثناء عموماً. لكني أذكر ذلك التعليق على لسان أحد قادة الجبهة الشعبية والذي بعث فيّ الأعتزاز بحقيقتي التي يمكن أن يفهمها غير المغرضين.

 

***          ***           ***

إن أهمية لقاء الشيوعيين العراقيين مع الجبهة الشعبية، احد أبرز ورثة حركة القوميين العرب، كان في وضع اللبنات الأولى للتعاون بين هذين التيارين المناضلين، الذي يؤمل بالأمس واليوم، أن يشمل كل تيارات وقوى التغيير والتحرير والتقدم، في كتلة تاريخية متجانسة وفعالة.

وقع العراق، كفلسطين، تحت إحتلال الامبريالية وصنائعها وقاعدتها الصهيونية. وحين جرى تشريد عشرات الألوف من الفلسطينيين من وطنهم الثاني. بعد احتلال العراق، فقد جاء ذلك التشرد بالترابط الوثيق مع إبادة أكثر من مليون عراقي وتشريد ملايين أخرى، وبسبب هذه النتائج المأساوية، يصطف شعبانا اليوم، في جبهة موحدة ضد عدو واحد ويجمعهما أمل مشرق واحد.

إن رسالة جورج حبش، تواصلت بتضحيات ومآثر ورثته، الشهيد أبو علي مصطفى ورفاقه الذين يقودون الجبهة الشعبية اليوم.