لا نغالط ، لقد إنطلت علينا الخديعة !!

 

صباح علي الشاهر

 

 

في مكان ما في منطقة جيزك في لندن عقد اجتماع موسع للشيوعيين الصحفيين وأصدقائهم في أوائل التسعينات من القرن الماضي لتدارس كيفية إعادة إصدار " رسالة العراق " بحلة جديدة، وبما يتناسب مع التطورات الحديثة على مختلف الصعد. يومها كانت" البيروسترويكا" ما زالت في أوج تألقها، ولم يكن الحزب قد حسم أمره في الموقف منها، مع ميل ظاهر نحو الموقف السلبي.

قلت : يجب أن نحدد أولا ماذا نريد من " رسالة العراق"، هل هي رسالة العراق أم رسالة الشيوعيين العراقيين؟

إذا كنا نريد رسالة الشيوعيين العراقيين فليس ثمة حاجة لهذا الاجتماع ، نجعلها كما كانت سابقاً نشرة داخلية ، توزع مع البريد الحزبي يتم عبرها ومن خلالها نقل وتوثيق نشاطات الحزب ومنظماته، وإذا أردنا أن تكون رسالة العراق فعلاً فأقترح منحها قدراً من حرية الإختلاف، وجعلها منبراً لتحاور اليسار أولا، وصولاً لتحاور العراقيين أجمع. نحن بحاجة فعلية لمطبوع حر ديمقراطي، يستقطب الوطنيين، ويساهم في ردم الهوة بينهم، مطبوع كهذا سوف يمول نفسه بنفسه سيشتريه الشيوعي وغير الشيوعي ليقرأه، وسيختلف عن النشرة الحزبية التي قد لا تقرأ وإن دفع ثمنها عبر الإشتراك الإجباري .

كنت أتوقع أن لا يتفق بعض الرفاق المنغلقين مع مقترح كهذا، لكنني لم أحسب أن من يدعي أنه يسار يسار الشيوعية، ومن ينغمس في هموم ما بعد الليبرالية الحديثة، من جماعة مقهى المعقدين سابقاً، أن يكون هو الصوت المعترض، وعذره أنه لا يمكن للحزب أن يسمح للمنتقدين والمتخرصين أن ينشروا وسخهم في صحيفة ينفق الحزب عليها؟

لا أدري كيف عد هذا الليبرالي المزيف فتح باب الحوار والجدل في مسائل بات العالم كله منشغلا بها، وعبر صحيفة يصرف عليها الحزب، ويحررها رفاق الحزب، وتجعل من الحزب رائداً للديمقراطية والبحث عن الحقائق غير الجاهزة، الحقائق التي يتم التوصل إليها عبر المعيار الحقيقي، ألا وهو الجدل الحر، وبهذا يثبت بالدليل القاطع أن هذا التنظيم الذي يدعو للديمقراطية وحرية الرأي في كل أدبياته، يزاول فعلاً هذه الديمقراطية، ويرعى حرية الرأي، وبهذا يتطابق الفكر والممارسة . كنت أحسب أن الحزب أحوج لمثل هكذا فعل وممارسة، ستجعله أقوى وأكثر تأثيراً، لا في وسط المثقفين، وإنما في الأوساط كافة، كان العراق وكذا محيطه، بحاجة ماسة للخروج من الرأي الأحادي، والقوالب الجاهزة، من الحزب القائد، والقائد الضرورة، والمسلمات التي لم تختبر، ولم يزكيها الواقع، من عسكرة المجتمع، وعسكرة العقل عبر سياسة "نفذ ثم ناقش" البليدة، وكانت شعارات المرحلة بحاجة فعلية للإختبار، وكانت الضرورة تستوجب الخروج من شرنقة القناعات التي تهاوت مسببة الخيبات والصدمات، ولكن يبدو أن مكرمة كهذه لم تكن من نصيب الحزب، ولا حتى من نصيب اليسار، ليس العراقي فحسب وإنما العربي حتى، إذ يبدو أن هذا التيار قد فقد قدرته على التقاط الجديد، وقدرته على أن يكون ريادياً في التحولات كما يفترض وينبغي، فكانت المفارقة التي أدارت العقول، ولم يستطع البعض فهمها لحد الآن، أن أحط ما أنجزته مرحلة التخلف والهيمنة الإمبريالية، ينبري مزوداً بالمال الوفير الذي أتاح له شراء الأقلام والعقول من شتى التيارات، والتقنية المُبهرة، ومنجزات الثورة الإعلاماتية الرقمية، ينبري لرفع راية الإيقاظ من الغفوة، وقد إنطلت الخديعة حتى على أشد الثوريين والتقدميين حماسة، فتجاهلوا مخدوعين أو مجبرين، أو ممنين النفس بأن تحريك المياه الراكدة حركة، وفي الحركة بركة، تجاهلوا حقيقة أن من إنبرى لهذه المهمة وهذا المشروع مؤسسات مشبوهه، لا يمكن أن تعمل على تقويض أسس منشئيها وداعميها، ولم يفطنوا حتى بعد أن تبينت الخيوط، إلى أن هذه المؤسسات تتلاعب بالعقل العربي، مستثمرة عطشه لسماع ورؤية الرأي والرأي الآخر، وعرض المسلمات والقناعات التي كانت جاهزة على مشرط النقد والتحليل، مستغلة جرائم المستبدين الذين تسيدوا الساحة باسم التقدمية حيناً والقومية والعداء للإمبريالية حيناً آخر . 

لقد إستغلت هذه الحاجة من قبل إعلام مبهر بحرفيته، وتقنياته، إعلام جمع اليمين واليسار، الشيعة والسنة، المتدينين والعلمانين، أعداء الإستعمار والمرحبين به، في حلبات مصارعة أين منها مصارعة الثيران، شدت ملايين المشاهدين، لتسهم في الإساءة للجميع، وتهشيم صورة الجميع، من قبل الجميع، وعبر الجميع، في حين كانت الوسيلة الإعلامية محايدة ظاهرياً، وهي لم تكن كذلك، لقد كانت تؤدي مهمة أوكلت لها، وقد أدت هذه المهمة بنجاح فاق كل تصور، كشفت عن هشاشة مفكرينا ومثقفينا، وهزال وسطحية قناعات فرضت علينا، وتصورناها قناعاتنا، وهذا أمر حسن، لكنه لم يكن سوى عرضا جانبيا، فالأمر المستهدف أهم وأخطر، تمثل بداية في أننا لم نعد نعرف الصديق من العدو، ثم خلقوا وخلقنا أعداءاً وهميين لنا، متجاهلين العدو الحقيقي، الذي سيتحول إلى نصير وصديق فيما بعد،  وبات كل منا عدواً للآخر، تارة بسبب القومية، فهذا عربي أو فارسي أو تركي، وذاك كردي أو أمازيغي، وهذا مسلم وذاك مسيحي أو إيزيدي أو صابئي، وهذا شيعي أو سني أو علوي أو زيدي أو إباضي، سلفي أو صوفي، وفجأة صحونا فإذا بنا ليس "قوميين" أو "وطنيين" ، "يساريين" أو "يمينيين"، لا ننتمي لتيارات سياسية أو فكرية، كباقي خلق الله في عصرنا هذا، وإنما ننتمي لطائفتنا، ولأن هذا الإنتماء هوالحقيقة الوحيدة الثابتة، لذا فليس على كل منا إلا أن يزيح الآخر عن طريقه، لا بل ينبغي القضاء عليه قضاءاً مبرماً إستجابة لأمر الله بتفجيره أو حرقه أو قطع رأسه، وسنجزى مقابل هذا بالجنة وحور العين.  لقد أوصلونا إلى مرحلة قطع أرحامنا، وتهديم المعبد فوق رؤسنا، وعلى من فيه، وبذريعة الحرية والديمقراطية أحرقنا أو طاننا، وما زلنا نحرق، وذبحنا بعضنا البعض، و تسببنا في هلاك أنفس بريئة، أكثر بأضعاف مما تسبب الإستعمار في كل مراحله، لقد بات من المخجل الحديث عن جرائم الإستعمار سابقاً، وجرائم الصهيونية سابقاً ولاحقاً، فجرائم هؤلاء تعد موتاً رحيماً إزاء ما إقترفناه بحق بعضنا البعض.