احزان منتصف ايار/ مايو

كاظم الموسوي

 

 

 

في العنوان تقليد لبيانات او وثائق للأحزاب السياسية في الوطن العربي، حيث تؤرخ لإنتاجها المطبوع في حينه بأوائل او منتصف او اواخر الشهر المعين، لأسباب فنية تتعلق بظروف العمل الحزبي والأوضاع السياسية ومحاولات احترام الاراء وتبادلها قبل الاصدار ونشره في اغلب الاحيان. ولكن هنا ليس بيانا او وثيقة حزبية او عنوان قصة الاديب الشهيد غسان كنفاني، وإنما استذكارا ومراجعات لهموم وأحزان عربية في منتصف ايار/ مايو لهذا العام 2016. وقد تكون في الفواجع المؤلمة ولكنها ايضا تشير الى معنى التذكر لها والاعتبار من سيرتها، بكل ما حملت من ماس وأحزان. انا جزء من التاريخ العربي المعاصر، وإعادة قراءتها ولو بالتلميح لها تهدف الى محاولة ابقائها في دائرة الاهتمام والهم، في القراءة والبحث والاعتبار. والدرس لها يفيد في استمرار اهمية الاستذكار والعمل على التغيير والتمثل للنماذج التي استبسلت من اجله، بأية درجة كانت منه.

ففيه او حوالي منتصف ايار، تمر الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس بيكو (1916) التي مزقت المشرق العربي ونصبت على اجزائه ما كذب رؤساؤهما عليهم في مفاوضاتها مع ابيهم وأغرتهم وفرضتهم اختيارا واضطرارا. وفضحت هذه المعاهدة التي وقعت ووضعت سرا من خلف ارادات الشعوب وكانت ضمن خطط الاستعمار ومصالحه ومنافسته في المنطقة، فضحتها ثورة اكتوبر الاشتراكية الروسية عام 1917 ولكنها فعلت فعلها وزرعت بذور الفوضى وشرور الهيمنة ومحاولات الاستعباد والنهب للثروات والخيرات.. وتبع الفضيحة مساعي الانتداب البريطاني على فلسطين وصولا الى قرار التقسيم وتطبيقه بما يخدم عصابات الاحتلال والاستيطان لصناعة كيان صهيوني عنصري في قلب الوطن العربي وتدمير فلسطين.. والإعلان الرسمي للتغريبة الفلسطينية، لتشريد الشعب الفلسطيني وحرق القرى والبلدات والمجازر والخراب..، والتي سميت بالنكبة وظلت تتوالد حتى يومنا هذا، نكبة ونكسة، وتطبيع وهرولة وسقوط في خاتمة الرواية.

بين هذين العنوانين، معاهدة سايكس بيكو، ونكبة فلسطين احزان متواصلة، وآلام ومصاعب ومخاطر وانتهاكات للقانون والحقوق ومشاريع وخطط للصهيونية والامبريالية ومن تخادم معهما من عرب المنطقة او جيرانها للوقوف معا اليوم في الذكرى يستعيدون الكارثة او يتفرجون عليها وقد توالدت المحن الى انهيارات في تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ وتدمير المدمر وشن الحروب المتواصلة وإشعال الحرائق المنتشرة.. وكلها تلتقي في النهاية في الخراب العام للأمة والوطن ودماء الشهداء والتضحيات الجسام.

كيف نعمل امام هذين العنوانين، المخططين الاستعماريين لتدميرنا ونهب ثرواتنا والهائنا بمعاركنا ودمارنا وتضليلنا بسراب وعود وأضغاث احلام لهم علينا؟!. انها محنة اخرى او نكبة.. انها مصيبة امة لا تكتفي بتقديم الضحايا ولا تتوقف عند مصبات شلالات دماء أبنائها.. أما حان الوقت ولات ندم بعد قرن مضى وعقود انصرمت ولما تزل المفاتيح الفلسطينية في ايدي الاطفال، والحزن العربي يلف كل الامة ويحيط بكل الوطن، من الماء الى الماء، من الفاء الى النون، من كل الرموز والاشارات.. من كل الصمت والغدر والخداع.. والليل الطويل. أما من صبح ينجلي بعده؟!.

وخلف او بعد هاتين المأساتين يستمر بعض حكام العرب في تكريس آثارهما، في التجميع المغلوط وفي الاستهداف المتعمد وفي التخادم المفرط، وفي تبذير ثروات الشعوب وتدمير خياراتها في التحرر الوطني والاجتماعي والاقتصادي، فتعمل وهي تحتفل في ذكرى تأسيس مشروع مجلس، معروفة اسبابه ومحفزاته واهدافه في منتصف ايار/ مايو ايضا، مما يعمق في الماساة العربية وتداعياتها الكارثية.

من نكبة كبرى الى نكسة اكبر، من ضياع الاوطان الى استشهاد رموز تاريخية تركت اثارها ساطعة في صفحات التاريخ، في منتصف ايار من عام 1987 يسقط مفكر عربي ومناضل عضوي، علم مرفوع في وسط الوطن، ارادة علمية لتبصير امة، مهدي عامل، الدكتور حسن عبد الله حمدان، يسقط اغتيالا وغدرا وإجراما. يتوقف قلب الانسان الذي ادان بكل ما يعلم لغة الاستبداد او لغة الصمت، وأراد للثقافة العربية ان تعبر عن لغة الناس والتمرد على الواقع ورفضه والوقوف صامدا مع التغيير والتجديد وتطوير ادوات النضال ضد العدو، وأساليب الكفاح ضد الطائفية والخنوع، من اجل الحب والحياة والمستقبل. هذا الفيلسوف الشاعر، الكاتب والمفكر الذي نظّر بوعي وتحليل علمي لتطورات الواقع العربي وتطوير ادوات قراءته وتغييره. كتبه شهادة له وسجل مضيء لحياته وللخسارة الكبيرة في غيابه المبكر.

افتقاد المناضلين في زمن ملتبس يؤشر لخسارات كبيرة لا تعوض بسهولة ولكن التأسي في مسيرة الاجيال والاستمرار.. هذا العام، يحمل منتصف ايار/ مايو اخبار فقد رموز اخرى، وفاة شخصيات لما تزل بصماتها الفكرية شاخصة وشهاداتها للعروبة والتقدم واليسار والانسانية واضحة، وكأن الزمن اللعين يريد ان يواصل النكبة ويزيد في مشروع سايكس بيكو واحفادهما تعميقا وتفصيلا. وفاة كلوفيس مقصود ومحمد المجذوب، الاكاديميين والكاتبين والمناضلين من لبنان، وهما اللذان وقفا بقوة امام المأساة وناضلا ضد استمرارها في العمق العربي، المحلي والإقليمي والدولي، كل من موقعه او عمله، وظلا بإرادتهما صوتا منبها للأمة ومدافعا عنها امام النوائب والشدائد. وقفا بالكلمة والعمل لتقديم صورة المناضل العضوي والمكافح الصامد والموحد للآمال وللأحلام المشروعة لأجيال خاضت صراعاتها معهما ومع كل المناضلين الحقيقيين في هذه الازمنة القاسية. حياة كلوفيس مقصود السياسية في كل مكان عاش فيه قدمت شخصية عروبية يسارية متقدمة في الدفاع عن معتقداته وايمانه في قضايا امته وهموم جيله. وكذلك كان محمد المجذوب في محطات سيرته النضالية والوطنية والقومية. حياة حافلة بما يخلدهما في ذاكرة من عايشهما او اطلع على بعض ما تركاه من ورائهما.

رغم كل الاحزان ومهما كانت الكارثة وفواجعها تظل مشاعل التنوير في الامة منيرة، مضيئة، مشتعلة، وعلى الاقل في تواصل الافضل في ميادين التراث والعلم والعمل والأمل لاجيال تنتظر الكثير منها وتسعى من اجلها وتتوق اليها.