فلنبتعد عن الكلام الذي لا لزوم له ولا معنى

 

صباح علي الشاهر

 

يعيد البعض ويكرر كلاماً لا لزوم ولا معنى له، ماذا يفعل قاسم سليماني في الفلوجة؟ يجيبه الآخر ، من الطرف الآخر، وماذا يفعل الشيشاني في الفلوجة؟ والأغرب أن كويتياً يتساءل مستنكرا كيف يحرر سليماني الفلوجة؟ ناسياً أو متناسياً أن بوش اللاعربي واللامسلم قد حرر لهم الكويت؟، ومن يريد الإستزادة فهناك ركامات من الأقوال التي بتقديري لا معنى لها ..

رب سائل يسأل : لماذا لا معنى لها ؟

الجواب ببساطة، لأنها تتجاوز عن جهل أو تعمد وقائع ما يجري من صراعات، ترفض بقصدية أو بدونها توصيف حقيقة الصراع والإصطفافات، فيدخلون، والأمر هنا يشمل كلا الطرفين،  في تناقض مريع، ومغالطات لا أول لها ولا آخر، ويستعملون نفس الحجج، هجوماً ودفاعاً ، فتكون مبررات دفاعهم ، هي بالتحديد مبررات إدانتهم .

بعض حسني النية يصدق أن الذي يرفض تدخل سليماني،  إنما يريد أن لا يتدخل أحد في الشأن العراقي ، في حين أن الذي لا يريد تدخل سليماني، لا يرفض تدخل التركي والأمريكي، والقطري ، والأوزبكستاني ، أفراداً أو حكومات، أو أي هوية أخرى، المهم عنده أن لا يتدخل سليماني، والذي يرفض تدخل الشيشاني، لا يرفض تدخل الإيراني أو حزب الله، أو الروس، أو حتى الصينين، أو أي متطوع من أي جهة أتى، أفراداً أو حكومات، بشرط أن لا يكون محسوباً على الإتجاه الآخر أو مدعوماً منه .

البعض يستغفل البعض، ويغالط البعض، ويضحك على عقول القراء أو المستمعين، وهم جميعاً أقصد أصحاب هذه الذرائع- يخوطون خارج "إستكان الشاي "، كما يقول العراقيون . 

الصراع في المنطفة وعلى المنطقة، أوسع من أي قطر فيها، ولا يقتصر على بلدانها فقط، وإلا ماذا يفعل الأمريكان، والروس، والإنكليز، والفرنسيون، والصينيون الذين أطلوا برأسهم علانية في ديارنا؟

محوران أساسيان يحركان ويديران الصراع في المنطقة، وهما خارجها جغرافياً، وفي قلبها مصلحياً ، هما تحديداً أمريكا وحلفاؤها الأوربيون، والروس وحلفاؤهم الصينيون وإلى حد ما دول البريكس، وتوابعهما من دول ودويلات المنطقة .

ليست القضية سنة وشيعة، ولا فرس أو أتراك، مجوس أم مسلمين، القضية بكل بساطة أن ثمة تخلخلا أصاب التوازنات، ثمة من يأفل نجمه، فيتأقلم مع المتغيرات، أو لا يتأقلم ، وثمة من ينهض ويريد حصته بتثبيت دوره وتأثيره، والكل يسعى إلى إزاحة منافسه، والإزاحة محسوبة لا بالدول وإنما حتى بالمدن والقرى والتلال أحياناً . من يقول أن المنطقة غير مقدمة على رسم خرائط جديدة يكون نائماً في العسل، ومن يعتقد أن الخرائط قد حسم أمرها بمعزل عن نضال شعوب المنطقة يكون مخطئاً، المطروح الآن ليس تغيير الخرائط، ولكن شكل هذا التغيير، ومدى إستجابته لمصالح أبناء المنطقة من عدمه ، والصراع في جوهره يجري في هذا المنحى، وما عداه تفاصيل لا أهمية لها، وذرائع يستغلها المتنافسون، ويقتنع بها الساذجون، الخطر على المنطقة ليس السنة أو الشيعة، فقد عاشت المنطقة في ظل حكم الشيعة قروناً ، وفي ظل حكم السنة قروناً أكثر، لكنها لم تفقد هويتها، ولم يفقد السني سنيته، ولا الشيعي شيعيته، وليس الخطر خطر الفرس أو الترك، ولا حتى الإسلام السلفي المتشدد، ولا العلمانية، ولا حتى الإلحادية التامة المطلقة، وإنما الخطر كل الخطر أن يُحدد مصير المنطقة  ومستقبلها بمعزل عن أبنائها، عرباً وفرساً وتركاً، ويُخلق واقع لا يجلب الأمن والسلم للمنطقة حتى ولا بعد مائة عام من الأحتراب .

 سيشتد الصراع، ولكن المؤلم أن تغيّب حقيقته، وتحرّف بوصلته، ويرمي كل منا سهمه بالإتجاه الخطأ، وعلى الهدف الخطأ، وإذ إستمر الأمر على هذه الحال، فإن الهزيمة الكبرى حاصلة، بغض النظر عمن سينتصر في هذا الصراع.

أظن" وعسى أن لا يكون بعض الظن إثم" ، أن التحالفات ستتغيّر، في داخل كل بلد، وفي عموم المنطقة،  فالخيوط لم تعد خفيّة إلا على عديم البصر والبصيرة، وإذا كنا غير حريصين على وجودنا ومستقبل أطفالنا، فلا خير فينا، ونحن لا نستحق الأرض التي نعيش عليها، وسنكون جديرين بالزاوية المعتمة التي سنكون فيها .

كسرت الحدود، حتى قبل دخول داعش، أما أثناء وبعد داعش فلم تعد الحدود قائمة عملياً، ما يعرف بمنطقة الشرق الأوسط سابقاً، هي ساحة الصراع الآن، بعدها ستكون منطقة جنوب شرق آسيا هي المنطقة المرشحة لصراعات النفوذ .

سيشتد التدافع في المناطق الرخوة، وفي مناطق الصراع المحتدم، لكنه سيهدأ بعد أن تتبين حدود ومديات نفوذ القوى المتصارعة علانية وسراً، وما أن تهدأ هذه المناطق الملتهبة حتى تتفجر مناطق صراع أخرى، والدول المرشحة كي تكون ميدان الصراعات القادمة معروفة ومُشخصة، ومن يرفض دخول سليماني الآن، سيدعو هو بنفسه لتدخله قريباً، ومن يرفض تدخل الأمريكان سيدعو هو بذاته وشخصه  لتدخلهم ..

محوران يتصارعان، ساحة صراعمها منطقتنا العربية، إذا كانت أرض سوريا والعراق واليمن، مستباحة الآن، فإن ثمة أراض مرشحة ليحدث فيها ما حدث في هذه البلدان، وسيجد النساجون ذريعة وحجة لتفجير الأوضاع في أي بقعة يريدون، ولن يعدموا وسيلة التدخل سواءاً بشكل مباشر أو غير مباشر، وسيسهم بعضنا في تحقيق مهمة دمارنا، وبأيدينا، سيحدث هذا إذا بقيت ذاكرتنا كذاكرة السمكة ، لكننا سنحول دون تحيقيق هدف دمارنا إذا كانت ذاكرتنا ذاكرة إنسان سوي .