حسين سلطان ...وآخر الذكريات

 

باقر إبراهيم

 

 3 / 6 / 2016

صدرعام 2007 في دمشق عن دار كنعان ومؤسسة نيبال للدراسات والنشر كتاب ( أوراق من حياة شيوعي حسين سلطان صبي ) ، اعداد خالد حسين سلطان. وسبق أن نشرنا في موقع ثوابت وغيرها من المواقع الأخرى، طبعة الكتاب الذي صدر في بغداد بعدد قليل من النسخ. وقد أظيف له فصل جديد يتناول حديث المرحوم حسين سلطان عن المعتقلات والسجون أعوام 1949 1950 الذي قمت مؤخراً بافراغه وتنقيحه عن الأشرطة المحفوظة لدي بصوت حسين سلطان.

وحينما زارني حسين في منفاي في براغ، قادما من بغداد، في حزيران عام 1990، كنت أشعر، وهو يشعر معي بأنه يعيش مدته الأخيرة. لذلك أستجاب بترحيب لمحاولتي تدوين مسيرة حياته النضالية التي وضعت في مقدمة فصول الكتاب بعنوان ( حسين سلطان نصف قرن من النضال لايكل ) ، منقولة عن مذكراتي.

أتذكر نكته معبرة للمرحوم زكي خيري، إذ بعد أغتيال أثنين من قادة الحزب هما الشهيدين ستار خضير وشاكر محمود، بذلنا الجهد لجمع المعلومات عن سيرتهما النضالية لنشرها في صحافة الحزب. عندها علق المرحوم زكي خيري قائلا: الأحسن إن يكتب كل واحد منكم تاريخ حياته منذ الآن وتحفظ لدى الحزب لتكون جاهزة للنشر بدون عناء!.

في بداية لقائنا، قال لي حسين سلطان معاتباً، حينما عدنا إلى العراق كنا نتوقع أن تعودوا، أنت والآخرون بعدنا، ولم يتم ذلك. وقال: صدقت أم علي ( المرحومة زوجته )، حينما قالت أنهم لن يعودوا !!

قلت: حسنا فعلت حين عدت يا ابو علي، ولكن ماذا حققتم من نتائج؟. لم توافق السلطة حتى على منحكم صحيفة، وأنتم كونتم نخبة ممتازة من المناضلين، ومن جميع الأتجاهات الوطنية.

ومما يجدر ذكره أن تلك النخبة ضمت علائم مضيئة في نضال الأمس ونضال اليوم أمثال وميض عمر نظمي و سعد ناجي جواد وغيرهما. عند ذلك هدأ روع أبو علي وواصلنا صفاء العلاقة المعهودة.

سيجد القارئ لأوراق حسين سلطان، كم كانت معاناته وتضحياته وتضحيات عائلته كبيرة، بسبب جور أنظمة الإستبداد، ومنها النظام السابق: أقرأوا مصير ولديه الشهيدين عماد وظافر! ومع ذلك، فهذه الوثيقة الهامة ( الكتاب ) تحدث جيلنا والأجيال القادمة كيف تجاوز حسين سلطان معاناته الشخصية. إنها تحدثنا عن كبر نفسه، عن مصداقية وطنيته، ورفضه سياسة الخنوع تحت راية أعداء العراق وغزاته، بحجة الذريعة المتهافته: الخلاص من الدكتاتورية!

رفض حسين سلطان، ورفض الألوف من الشيوعيين الصادقين، وغيرهم من الوطنيين، أن يقولوا ما قاله آخرون: فلتأت أمريكا ولتأت إسرائيل لتنقذنا من جور الإستبداد! وها قد جاءتا أمريكا وأسرائيل، ورأوا، هم " الإنقاذ ".!

إن المصداقية المبدئية لحسين سلطان ماهي إلا تجسيداً للمصداقية وللثبات المبدئي للالوف من خيرة المناضلين الشيوعيين، داخل الوطن وفي بلاد المهاجر. هؤلاء كانوا بالأمس، وهم أنفسهم اليوم، وغدا حملة الإرث النضالي المجيد للشيوعية العراقية.

من المفيد الأشارة على إن هذه الوثيقة، قد أعطت مناضل باسل حقه حين تناوله النسيان، أن حسين سلطان حاول أن يسجل بصوته أيضاً ذكريات كثيرة عن فترات إنشقاق الحزب أعوام ( 1952- 1956 ) وعن إنتفاضة تشرين الثاني 1956، وعن الأحداث ما بعد ثورة 14 / تموز 1958، لكن كانت أحاديث مبتورة وبأشرطة رديئة، وأن مانشر في هذا الكتاب الصغير، هو كل ما أمكن جمعه وتدوينه.

لابد من الإعتذار للكثيرين ممن كتبوا عن حسين، أو الآخرين الذين كانت لهم الإمكانية لإغناء الكتابة عنه بفضل صلتهم الوثيقة به. ويسرني أن أذكر أن الصديق الراحل شاكر السماوي كان قد أهدى كتابيه ( اللاديمقراطية عربيا ) بجزئه الأول 1993 والثاني 1996، بالكلمة التالية: " أيها الواهب الحي في ذاكرة كل شريف، رفيقي الراحل حسين سلطان لذكراك الرافلة بالصدق والعطاء أهدي هذه الباقة من الصبوات المطرزة بالجراح " وتلاوين الحلم الذي غادرنا ورفضنا أن نغادره. إنها شارة عرفان ووفاء في زمن يلتف على الروح كالأنشوطة إذ أستشري فيه العقوق وصدأت الذمم"

كما يسرني أن أذكر أن فقيدنا الغالي شاكر السماوي وعد بالمزيد من الكتابة عن الراحل حسين سلطان.

تحية للدور المشهود لخالد حسين سلطان، الذي أعد الكتاب وقدم له، والشكر للصديق العزيز الذي أحتفظ بأمانة بالأشرطة المسجلة بصوت حسين سلطان. الشكر لكل من ساعد في أصدار الكتاب بطبعته الجديدة في دمشق وفي المقدمة العزيز د محمد جواد فارس، ولتبرع الأخ ( جبار ديبس - ابو ستار ) بالقسم الأكبر من تكاليف الطبع، إضافة إلى مساهمة المناضلين والعوائل في مدن السويد وبلدان أخرى.

الدنيا بخير ما دامت العواطف الطيبة تتلاقى، وما دامت القلوب تظل تتصافح على دروب الخير.