الانتفاضة ومنع الشعب العراقي من تحرير نفسه

 

صائب خليل

 

 

في نهاية القرن التاسع عشر، احتل الامريكان كوبا، بحجة "تحريرها" كوبا. جومسكي وصف الحرب بأنها كانت تهدف "لمنع الشعب الكوبي من تحرير نفسه"، لأن ثورة كوبية كانت هناك ضد الاحتلال الاسباني، إلا ان اميركا ارادت إحلال نفسها محل الاسبان، ومنع البلد من الاستقلال. الانتفاضة الشعبانية وما تلاها، يثبت ان هذه السياسة الأمريكية مازالت قائمة، لكنها تطبق في الشرق الأوسط بتوجيه إسرائيلي ولأهداف إسرائيلية بحتة.

في مثل هذا اليوم، قبل 28 عاماً، اندلعت انتفاضة كان يمكن ان يكتب لها ان تكون انطلاق تحرير الشعب العراقي، وفرصته ليبدأ سلطته وسيادته على حياته ومستقبله، لولا أن ذلك "ممنوع" بشكل تام وبات، لتأثيره المتوقع على سياسة إسرائيل. تلك السياسة التي لا ترضى عن شيء سوى التدمير التام لكل دولة عربية بلا استثناء.

لذلك، لم يكن امام بوش الأب، بعد انتهاء "عاصفة الصحراء" باستسلام صدام حسين في خيمة صفوان، سوى نكثه للوعود التي قطعها للشعب العراقي بأن يقف معه في حالة ثورته على الدكتاتور، فلم يكتف بتركه للشعب  العراقي ليواجه مصيره الدموي وحده أمام الوحش الجريح، بل قام بالوقوف مع صدام حسين بمنع المنتفضين من الاستيلاء على أسلحة الجيش العراقي التي كانت تحت سيطرة الجيش الأمريكي، وإدخال نص في اتفاقية خيمة صفوان يحدد بشكل مباشر السماح لصدام باستخدام الطائرات السمتية (وهو ما يحتاجه بالضبط للقضاء على الانتفاضة)، واخيراً تجهيزه بالوقود ليقوم بمجزرته على الشعب العراقي، فقد كان وقود الطائرات والآليات قد نفد منذ وقت طويل.

الإعلام الغربي، كعادته في وصف الجرائم الأمريكية، أشار الى "خطأ" اميركا، ولام بوش الأب لأنه "لم يكمل عمله" بإزاحة الطاغية كما يفترض. إلا ان البعض لم يجد حاجة للتستر وراء حجة "الخطأ". فكتب "فريد زكريا"، والذي كان وقتها مدير تحرير الشؤون الخارجية في مجلة نيوزويك، في مقالته المعنونة "سافل بغداد" (The Villain of Baghdad):

"نعم هناك اغراء بالتخلص من صدام، لكن الحقيقة هي انه يخدم المصالح الامريكية"

ومضى شارحاً فكرته بالقول: "لولا القلق من صدام حسين، لنمت مشاعر العداء لأمريكا في الشوارع العربية".

ويمضي زكريا إلى القول: "لو ان صدام حسين لم يوجد، لكان علينا ان نخترعه. انه مسمار تثبيت السياسة الامريكية في الشرق الاوسط. لولاه لكانت واشنطن تتعثر اليوم في رمال الصحراء."

وكتب أيضا: "ان الشرق الاوسط بوجود صدام مقلم الأظافر، لكن القادر على التهديد، يساعد على تأمين مصالح اميركا"، مؤكداً "ان ادامة تواجد امريكي طويل الامد في الخليج امر صعب في غياب تهديد محلي".

إنها كلمات يجب ان تحفظ عن ظهر قلب، لمن يريد ان يفهم كيف تفكر اميركا وما هي الأخلاقية التي تتحكم بها. ونحن هنا لا نتحدث عن جهة عدوانية متطرفة فيها، بل العكس. فريد زكريا، ليس من صقور الأمريكان، وهو يكشف بهذا التحليل حقائق مهمة، تساعدنا ليس فقط على فهم الدوافع الأمريكية وإزالة وهم التفسيرات الأخرى التي انتشرت عن اسبابها للامتناع عن اسقاط صدام، وإنما ايضاً حول الكثير من الاحداث التي قد تثير الدهشة بدون معرفة هذه الخلفية. الحقيقة هي ان وجود صدام بالشكل الذي وصفه زكريا يخدم، بشكل افضل بكثير من اسقاطه، المخطط الإسرائيلي العام لاستخدام البندقية الامريكية لتدمير البلدان العربية، وخاصة العراق.

فلو انهم ازاحوا صدام في عام 91، لم يكن سيتاح لهم تعذيب الشعب العراقي بالشكل الذي حصل في التسعينات القاسية بالفقر والإرهاب واسقاط القيم والأخلاق استعداداً لاحتلال البلد، تماماً مثلما كان الأمر من مذبحة المطلاع للجيش العراقي المنسحب. وربما لم يكن حينها ممكناً أن يحققوا الفساد والتزوير وانعدام الكرامة الذي أتاح لهم الكثير من التدخل في تحديد تصرفات الحكومة وقراراتها وتحديد شخوصها من الضباط وصولاً إلى رئيس الحكومة في النهاية، وفرض الخاوة على بغداد لتدفعها لعملاء إسرائيل في كردستان والأردن، دون اثارة الاحتجاج الشعبي المتوقع.

لو كان ذلك قد حدث، لربما لم يتمكنوا من إعادة اغراق البلد بالديون وحل الجيش وتعيين قادته الجدد الذين اثبتوا ولاءهم لهم بتسليم المدن والسلاح لداعشهم. ولولا ذلك لربما وجدوا صعوبة في اقناع الكتل السياسية أن يخرجوا عن الدستور لتنصيب عميل لهم يصرح علنا بأنه لا يرى علاقة بين السيادة ووجود قوات اجنبية. رجل يتآمر علنا على النفط ويغرق البلاد في ديون صندوق النقد. لربما لم يتمكنوا من تحويل ثلث أموال العراق إلى عملائهم في كردستان، وتمكينها من تصدير نفطها لسد ثلاث ارباع حاجة إسرائيل، وبدون اية إشكالات.

لو تركوا الشعب يسقط صدام بنفسه، لكان عسيراً أن يبنوا بأنفسهم إعلاماً يبث السموم ليل نهار في الفضاء العراقي، في حرب كيمياوية مستمرة على وعي الشعب منذ 16 عاماً ومازال...

لقد منعوا الشعب العراقي من ان يحرر نفسه، ليس في عام 91 فقط، بل في مناسبات عديدة أخرى، وتعاونوا مع صدام مرات عديدة لكشف وقمع أية محاولة للشعب للتخلص منه. فيجب ان يبقى الشعب في قيوده، حتى يجهزوا له القيد الأكثر شدة وصلابة! إن عدم إدراك هذه الحقيقة عن الأهداف الأميركية، كلف العديدين حياتهم، ومنهم الدكتور راجي التكريتي ورفاقه. ودفع الثمن ذاته المنتفضون الذين صدقوا الوعد الأمريكي بدعمهم إن ثاروا.

في مقالته تلك، كتب فريد زكريا: "تخيلوا مصير السياسة الامريكية في الشرق الاوسط، بدون صدام حسين وحركاته".

ويمكننا ان نقول اليوم: "تخيلوا مصير السياسة الأمريكية وقدرتها على تنفيذ مهامها الإسرائيلية في العراق، بدون عملائها وفاسديها على رأس سلطته"! "تخيلوا مصير دواعشها بدون عملائهم الضباط على رأس وحدات الجيش العراقي"!

مازالت سلطة اليد الإسرائيلية الضاربة اميركا، على مختلف المؤسسات العراقية "باقية وتتمدد"، ومازال عملاؤها يحققون الإنجازات التي كان يصعب تخيلها يوما. المزيد والمزيد من ثروة البلد توجه لإسرائيل و "اصدقائها" عن طريق كردستان والأردن، وحرية اميركا في اختيار وتعيين قادة البلد تتزايد بشكل سريع ومقلق، مثلما تزداد ضيقاً، القيود الخانقة التي وضعت على رقبة البلد وحريته ومستقبله، حتى يكاد كل شيء ينهار. وما لم يدرك الشعب خطورة الأمر، وما لم يعتبر اخراج الأمريكان بدأً بقواتهم العسكرية، أولوية أولى لا يجب ان تنافسهم عليها أية اهداف أخرى، وما لم يتم اعتبار كل من يدعوا لبقاء الأمريكان أو يقول انهم ضروريون لحماية العراق، مأجور لا يختلف عن اعضاء داعش في أهدافه، ولا يقل خطراً عن قياداتها، فسينطبق علينا قول الشاعر التركي اليساري ناظم حكمت، إنما بشكل مقلوب، فنكتشف رغم كل ما مررنا به من أيام سيئة، " إن أسوأ الأيام، تلك التي لم نرها بعد!"

 cid:image003.jpg@01D4D350.318FF770