الموت العراقي وغرق العبارة

نصير المهدي

 

 

العبارة وسيركبونها برأس المحافظ الذي ظهر أنه مدعوم من جهات سياسية عديدة واقالته لن تكون سوى خطوة لامتصاص الغضب والاستنكار الشعبي .. مهلا هل هناك حقا غضب واستنكار وغدا سيظهر بأن نواب " الشعب " سيطنطنون بضجيج مفتعل ولن يمضي الكثير من الوقت حتى يطوى الموضوع وينسى وكأنه لم يكن وحتى لا يترك درسا يستفاد منه .

الطريف أن هناك سواء على مستوى الحكومة أو الشعب من يتحدث وكأن الأمر حدث استثنائي لا يعرف العراق مثيلا له من قبل وانتظروا التحقيق وسيكون مجرد عبارات انشائية لا تحدد مسؤولية ولا تحملها لطرف ولا يختلف عن نتائج التحقيق في كوارث كثيرة سابقة كحادثة جسر الائمة وفتنة تفجير مرقد العسكريين وفاجعة سبايكر وكارثة حريق الكرادة وغيرها من مئات بل آلاف الجرائم التي قيدت ضد مجهول وحتى لو جرى تحويل محافظ الموصل الى كبش فداء فلن يناله أذى بل ربما ينال أجرا على تمثيل هذا الدور .

سؤال يخطر في البال أيهما أكثر أفدح وأفظع وأشد إيلاما مع أن حياة انسان واحد عزيزة وغالية ولا فرق الا نسبيا بين قتل واحد أو قتل الآلاف " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً " ولكن لنقارن حادثة العبارة الأليمة وفاجعة سقوط الموصل بيد داعش وتداعياتها والأرواح التي أزهقت فيها بدءا من الاحتلال الداعشي وحتى التحرير ومثلها بقية المحافظات التي آلت الى نفس المصير المأساوي فماذا نال المسؤولون عن تلك الكوارث سوى الجوائز المعنوية والمادية وهم الآن جزء من الطبقة السياسية المتسلطة وأجهزتها وقياداتها وهذا التظاهر بالألم والمواساة اليوم من كل سياسي هو مجرد نفاق تافه ويمكن أن يلحق بالسياسي الإعلامي الذي يتباكى على ضحايا هذا الحادث الأليم بل وحتى المواطن نفسه يتحمل نصيبه من المسؤولية ويمكن لمن يريد أن يضرب آلاف الأمثلة اليومية ولن ينتهي خزينه منها .

أقول إن كان المسؤول عن هذه الحادثة الأليمة حقا التي أودت بحياة أكثر من مائة برئ عراقي معظمهم ممن النساء والأطفال هو محافظ الموصل ومساعديه فيا ترى من هو المسؤول عن موت المئات على مدار السنة في حوادث الطرق في كل أنحاء العراق وإن كانت الطبقة السياسية تتظاهر بالحزن والتباكي على ضحايا عبارة الموصل فلماذا لا تعير إهتماما ولو بسيطا لما يجري في الطرق الخارجية بين جميع محافظات العراق ما عدا شماله وبين هذه المحافظات وأجزائها الإدارية جميعا ولا سيما العاصمة بغداد فهل يحتاج هذا الأمر الى تصادم حافلتين كبيرتين من الركاب ليموت فيهما مائة برئ كي يجذب هذا الملف المهم انتباه هؤلاء اللطامة على كارثة الموصل المأساوية والمحزنة ومن المصادفات أن يوم حادثة العبارة المشؤومة شهد مقتل ثلاثة عشر مواطنا في حادثة سير في الناصرية .

ويمكن القول بدون تحفظ بأنه ما من يوم يمر الا ويشهد عشرات حوادث الطرق التي تقود الى وفاة الأبرياء من المواطنين الذين يصادر عليهم حقهم الطبيعي في العيش والسفر بأمان وليتذكر قارئ هذه الكلمات أي طريق مر به ليجد أن الحفر تملأ الطرق الخارجية وأن أجزاء منها صارت كالسواقي والأخاديد بفعل مرور الشاحنات الضخمة ورداءة اكساء الطريق بسبب فساد المقاول والمسؤول وأن صخرة ضخمة قد تفاجئك في أي مكان وبينما تقود سيارتك ولو بالسرعة المعتدلة وبانتباه كبير ثم تجد نفسك فجأة خاصة في الليالي المظلمة وقد نزلت أنت وسيارتك في واد سحيق ولن تسجل حادثة موتك الا قضاء وقدرا مع أن القاتل هو الذي يتربع على صدر العراق وأهله سواء في المركز أو الأطراف وفي بلد تمتد طرقه آلاف الكيلومترات لن تجد أية إشارة الى وجود خطر أمامك من الأخطار المنوه عنها أعلاه فأي نفاق وكذب ودجل وتفاهة هذا التظاهر بالحزن .

وفي العراق وربما من دون دول العالم قاطبة تسير السيارات القديمة وليس فيها اي ضوء لا في مقدمها ولا مؤخرها وقد تكون المركبة سيارة شحن كبيرة تحمل بضاعة ولا يستبعد أن شخصا يقود سيارته ومعه عائلته من زوجة وأطفال ثم فجاة يجد نفسه وقد ارتطم بحاجز صلب هو عبارة عن شاحنة ذات حمولة بحيث يكون الموت محققا ومؤكدا .

طبقة سياسية قذرة وسافلة لم تستطع أن تنجز تسوية وتبليط شارع واحد في كل طرق العراق الخارجية بينما تمتلأ بطونها وحساباتها بالمال السحت الحرام وتلهو عن هذا الموت العام والصامت في العراق لا يمكن أن تكون صادقة في مزايداتها عن الألم الكاذب لما وقع في الموصل من كارثة مؤلمة ومع الأسف أن تجد الكثير من المواطنين من يصدقون دموع تماسيح الفساد هذه ويعلقون الآمال على هذه الطبقة السياسية التي نصبها الإحتلال للتدمير والتخريب لا البناء والإعمار ويجدون في مثل هذه الحركات البهلوانية حقا وكأنها بشارة خير على قيام عهد جديد متناسين بأن هذه الآمال قامت على من سلف ولم يحصد العراقيون حتى اليوم سوى الخيبة وهي قائمة ودائمة ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .