صواريخ حماس التي قد تسقط نتنياهو، وماذا يريد من روسيا التي يسعى اليها رغم إخفاقاته في كسبها الى جانب مخططاته؟

 

د. سعد ناجي جواد

 

 

رئيس وزراء العدو الصهيوني الذي ذهب منتشيا الى الولايات المتحدة كي يتسلم صكا بدون رصيد من الرئيس الامريكي ترامب يمنحه فيه السيادة على حقل ألغام مستقبلي، الا وهي مرتفعات الجولان العربية السورية، تحول الى شخص يعد الثواني كي يعود مسرعا الى تل ابيب كي يجد حلا لصواريخ حركة حماس التي باتت ليس فقط لا تتوقف وانما أخذت بالاقتراب من قلب الحكومة الإسرائيلية. كما كشفت هذه الصواريخ ان كل تحسبات وتحوطات وسبل الدفاع الإسرائيلية وقفت عاجزة عن إسكاتها او اسقاطها قبل ان تصل الى أهدافها. ويبدو ان هناك تطورا كبيرا في استراتيجية المقاومة الفلسطينية في مجال استخدام هذه الصواريخ تتمثل في زيادة مداها ودقتها في إصابة الأهداف وتواتر استخدامها وبدون اي إنذار مسبق، والاهم هو استمرار اطلاقها على مدى ايّام حتى تستنجد الحكومة الإسرائيلية طالبة الوساطة المصرية للقبول بوقف لإطلاق النار. وهذه الاستراتيجية الجديدة بدات تقلق قيادات الصهاينة اكثر من اي وقت مضى. فلا هم قادرون على إسكاتها تماما ولا هم قادرون على مجاراتها بالتصعيد العنيف الذي كانوا يلجأون اليه سابقا، حتى عندما كانت اسرائيل تتعرض لهجمة بسيطة. وأصبح جليا ان من يتحكم بالأمر هي المقاومة الفلسطينية وبالأخص حماس. من يقرا الصحف الإسرائيلية اليوم، وخاصة المقالات التي يكتبها بعض عقلائهم يجد انها تركز على أمرين: الاول هو عبث وفشل السياسة الإسرائيلية التي ينتهجها نتنياهو المهزوز والملاحق بفضائح الفساد والمهووس بالفوز بالانتخابات القادمة، والثاني هو الاحراج والمآزق التي تضعها سياسة ترامب في طريق اسرائيل وآخرها الاعتراف بسيادة اسرائيل على الجولان العربية السورية. طبعا هذه ليست المرة الاولى التي تفعل اسرائيل ذلك. ففي عام ١٩٨١ أعلنت ضمها لهضبة الجولان، ثم اتخذ مجلس الامن قراره المهم المرقم ٤٩٧، والذي صدر بالإجماع، يعني بمشاركة الولايات المتحدة، ولم يعترض او يمتنع او بتغيب اي عضو عن التصويت، والذي اعتبر القرار الاسرائيلي باطلا آنذاك، ولكن رئيس مثل ترامب، و رغبة صهيونية لتحدي الجميع، وعدم وضع اعتبار للجميع، خاصة الخانعين والراضين والمهرولين لم يعد يهمهما لا قرارات سابقة ولا مصادقتهم عليها. ما يفهمونه هو لغة التحدي والمقاومة، وإلا لماذا يتقرب ترامب من رئيس كوريا الشمالية ويبحث عن السبل لإرضائه او لقائه؟ ولماذا تسعى اسرائيل الى طلب الوساطة المصرية بعد ساعات قليلة من كل مواجهة؟ وهي التي كانت لا تأبه باي قرارات او وساطات دولية حتى تحقق النتائج التي خططت لها قبل اي عدوان.. الأكثر من ذلك اصبحت المقاومة المسلحة الفلسطينية هي التي ترفض القبول باتفاق يؤدي الى هدنة شبه دائمية تطلبها اسرائيل ويحتاجها نتنياهو جدا قبل الانتخابات القادمة.

بعد كارثة ٥ حزيران/يونيو ١٩٦٧، ولسنين طويلة بعدها، وبالتحديد حتى حرب رمضان المشرفة في عام ١٩٧٣، والتي تم حرفها عن أهدافها مع الاسف، دابت القيادات الاسرائيلة، وبالذات غولدا مائير وموشي دايان، رئيسة الوزراء و وزير الدفاع آنذاك، على ترديد عبارة أرادوا ان يزرعوها و يثبتوها في عقول العرب عامة والفلسطينين خاصة، تقول ( ان هولاء الذين يتحدثون عن فلسطين عليهم ان يعلموا ان هذه لم تعد موجودة، لا يوجد شيءاسمه فلسطين الان)، ولكن الشعب الفلسطيني والمقاومة جعلت هذه المقولة تبدو مضحكة، كما جعلوا القيادات الصهيونية كافة تعترف بصعوبة فرض هذا المفهوم بالقوة، لا بل ان قوة المقاومة وإصرارها قلبت المعادلة بحيث اصبح جزء غير صغير من هذه القيادات والكُتَّاب يتساءلون عن إمكانية استمرار الكيان الاسرائيلي بالوجود بعد عقدين من الزمن في ظل تصاعد المقاومة التي اصبحت تحيط بفلسطين المحتلة من كل جانب.

من ناحية اخرى ان من يقرا تحليلات الصحف الإسرائيلية حول الصاروخ الأخير الذي أطلقته المقاومة و وصل شمال تل ابيب يجد هذه الصحف توكد على جملة حقائق مرعبة للحكومة الإسرائيل والمستوطنين. فبالإضافة الى الرعب الذي اثاره مدى الصاروخ، كانت نتائج سقوطه وآثارها اكثر رعبا، اذ ثبت ان الصاروخ كان يحمل رأسا متفجرا ومن النوع الدقيق في مساره، ونتج عنه تدمير مبنيين متجاورين. والصحف بدات تتساءل ماذا كان سيحدث لو ان هذا الصاروخ قد اصاب منطقة مكتظة بالسكان وسط تل ابيب بدلا من المنطقة النائية من المدينة آلتي اصابها. كما أكدت اغلب الصحف على حقيقة تفوق تفكير قادة حماس الاستراتيجي، وأسلوب تصعيدهم، على استراتيجيات الرد الاسرائيلي. لا بل ان بعض الكتابات طالبت القادة الاسرائيلين ان يتعلموا من الطريقة الذكية التي يدير فيها قادة المقاومة المعارك والمواجهات .

من هذه التحليلات يمكن ان يستدل على المَآزِق التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية، ورئيس الوزراء نتنياهو بالخصوص. والدليل الأكبر على ذلك هو اصرار نتنياهو على الإسراع في التهدئة،  والاهم اصراره على التواصل مع القيادة الروسية والرئيس بوتين بالذات. فعلى الرغم من كل ما يقدمه الرئيس ترامب من هدايا مجانية كاعتبار القدس عاصمة لإسرائيل واعتبار الجولان جزء من الاراضي الإسرائيلية، ومكاسب اكبر مرتقبة من ( صفقة القرن) التي مِن المفترض ان تُنهي الحديث عن دولة فلسطينية او حل الدولتين وحق العودة بصورة رسمية وعلنية وبمباركة وتأييد الولايات المتحدة، لكن يبدو ان نتنياهو مؤمن ان كل هذه المكاسب، والاهم الامن للكيان الاسرائيلي، لا يمكن ان يتم ويتحقق دون مباركة روسيا والرئيس بوتين بالذات. ولهذا ورغم كل الإعراض الذي تعامل به الرئيس بوتين مع نتنياهو الا ان الأخير يصر على الذهاب اليه والحديث معه و كسب وده. كما انه وعلى الرغم من ان الرئس بوتين لم يأمر بتفعيل منظومة الدفاع الجوي الروسية في سوريا بصورة جدية وكاملة في وجه الهجمات الإسرائيلية، الا ان نتنياهو لا يزال يعتقد ان هناك خطرا كبيرا على سياساته وتخطيطاته من الطرف الروسي. لهذا فان زيارة نتنياهو القادمة لروسيا بعد ايّام تهدف الى احد أمرين: فاما تكون محاولة اخرى لجعل روسيا تسكت عن الهجمات الجوية الإسرائيلية في سوريا ولبنان، الدولتين المتهمتين بتزويد المقاومة الفلسطينية في غزة بصواريخ متقدمة ودقيقة، التي ينوي شنها في الأيام القادمة لدعم حظوظه في الفوز بالانتخابات المقبلة، او انها لإبلاغ روسيا بمخططات إسرائيلية ممزوجة بإغراءات لروسيا في المنطقة قبل المباشرة بها. لحد اللحظة كانت الردود الروسية على الطلبات الاسرائيلة غير مشجعة، او سلبية نوعا ما، كما انه لحد هذه اللحظة لم يثبت الرئيس الروسي بانه من السذاجة بحيث انه يُخدَع بمغريات تأتي من نتنياهو الذي هو اضعف من ان يحققها. واذا ما افترضنا جدلا ان روسيا مستعدة للسكوت عن التصعيدات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة او في كل من لبنان و سوريا، كيف سيتعامل نتنياهو وحكومته مع رد فعل المقاومة في البلدان الثلاث؟ وكيف سيضمن إيقاف القتال في ايّام قليلة وقبل موعد الانتخابات؟ واخير وليس اخرا فهل يعتقد انه في مثل هذه المواجهات سيستطيع ان يحقق نصرا سريعا يساعده في الفوز في هذه الانتخابات؟ كل الدلائل توكد ان اية مواجهة قادمة لن تتوقف قبل ان تُنهي دور نتنياهو السياسي بالكامل. ربما من سياتي بعده سيكون اكثر تطرفا وسوءا منه ولكن بالتأكيد فان البديل سوف لن يكون اكثر حظا من سابقه اذا ما اصر على اتباع نفس النهج.