بوتفليقه: زمن انتفاء الحاجة للدولة

 

عبدالامير الركابي

 

 

 

 

تتكرس باطراد حالة انتفاء الحاجة للدولة على مستوى المعمورة، وفي الشرق المتوسطي، والمجال المعروف بالعربي خصوصا، تصبح هذه الظاهرة التاريخية الفاصلة اهم مايميز القرن الواحد والعشرين، وماسيكون عنوانه وحقيقته الانقلابية الكبرى، مع انها ماتزال في البداية، تفتقر للافكار والوعي المواكب، واكثر مايلحق بها من مظاهر الخلل والعجز، كونها حالة تصيّر مستقبلي من دون وعي من نوعها وطبيعتها. وبصفتها ظاهرة من زمن قادم فهي ماتزال مغلفة ومشبعة بانماط تصور ووعي متراكم من ازمان منقضية، لاتمت لها باية صلة، ماافضى تكرارا لوقوعها في القصور، ولاشكال من النكوص، والخلل المحبط، وفي حين اطلقت عليها اوصاف من نوع "الربيع" الذي نحته الغرب، او اعتبرت من صنف الهبة الديموقراطية، فانها قد وجدت بدفع مايزال غير مفسر، بغض النظر عن مدى انتسابه لما هوموضوعي، خارج عن إرادة الفاعلين المنغمسين فيه، والماخوذين بقوة دفعه.

وفي حين يتركز دفع اللحظة وزخمها على "الدولة"، كشكل تنظيم وبداهة، فان بداهات فرعية تبادر بالمقابل لتقديم نفسها كبديل، مايبقي الهدف الرئيسي خارج التداول، وحيث يتركز الامر في ( بن علي / وحسني مبارك/ وبشار الأسد/ وقبلهم صدام حسين) فان "معارضيهم" يحضرون وقتها بصفتهم البدائل المتوفرة، والتي تعمل على حصر استهدافات الزخم المجتمعي في النظم والأشخاص، او ما يمثلونه من "نهج"، في محاولة لتكريس طبعة أخرى مما هو قائم وجرت الإطاحة به، مما يتيح الفرصة غالبا لتحورات من داخل الدولة وأجهزتها، او نظمها الأساسية، لاعادة تفعيل الدولة بصيغ واشكال أخرى عادة ماتاتي اكثر تشوها. ومثل هذا المسار قد اسهم الى الان، في حصر اللحظة وابقائها ضمن اشكال واطر،منعتها من ان تخرق كما هو مفترض، سقف البنية المجتمعية التصورية وتجلياتها المختلفة، الموروثة منها، والمستعارة.

ومثل هذا النوع من النكوص، مفهوم في حالة انقلاب استثنائي كوني، مايزال يبحث عن الانبثاق وعيا على وقع متلمس عملي وعفوي كبداية، طريقه املا ببلوغ تطابق الوعي مع الحقيقة المتنامية في قلب اللحظة. فلم يكن معقولا بحسب السياقات التي تتشكل وفقها الصيغ المجتمعية الحالية، وموافقاتها التصورية، الانتقال الفوري مع ظاهرة "الانتحارية المجتمعية" الاحراقية التونسية وقتها، الذهاب نحو هدف من نوع "انتفاء الحاجة للدولة"، وتوقف البحث في مصر على سبيل المثال، عند تكرارات تعود لزمن وطبيعة بنية النمط المجتمعي النيلي الأحادي الفرعوني، وهو النمط الاعرق ضمن صنفه حيث "أحادية الدولة" وهيمنتها على المجتمع، ومختلف اشكال وصيغ " تحديثها" على وقع الانقلاب الغربي الحديث، فلم يتبين احد بلوغ مصر لحظة انتهاء فعالية الخصائص التاريخية، مع توقف فعل النيل في تشكيل البنية المجتمعية، بعد ان تجاوز عدد السكان طاقة النهر على الإحاطة والاستيعاب الذي كان تاريخيا يكرس مكانة الدولة الحاسمة، ويعطي الجيش محل الركيزة الأساس داخلها، ليصبح هذا الأخير كما هو حاصل الان، هو الدولة المفتقرة للبيروقراطية المسيره تاريخيا.

لقد انقلبت الطبيعة المصرية التاريخية، وهي التي لم يسبق لها ان اسقطت اطلاقا حاكما بقوة فعل مجتمعي من خارج الدولة، وتلك لحظة انقلاب كينونة وبنية، لاسابق لها، وبالامكان قراءة الحالة الاحترابية الراهنة في ساحل الشام، بناء لمتغيرات أخرى بنيوية تاريخية، وصولا الى اليمن، وبالذات للعراق الأسبق من غيره في بدء تجلي مظاهر انتفاء حضور الدولة، مع اختلاف الأدوات التي افضت هنا لمثل هذا الوضع وكرسته.

وتقع الجزائر هي الأخرى في خط البداية منذ التسعينات، وبعد وفاة بومدين، عندما حلت فترة من الاضطراب، وفقدان القدرة على إدارة الأوضاع، عدا عن الاحتراب الذي افضى لقرابة 200 الف قتيل، ماكان يقتضي النظر في صلاحية دولة جبهة التحرير الجزائري، وجيشها وقدرتها على الاستمرار، واعتباره من قبيل الانذارالمبكر، الدال على تاكل تدبير الدول في هذه المنطقة من العالم. والمقصود هنا كل اشكال التدبيريات من نوعها، او المشابهة لها، مما عرفته المنطقة خلال مايعرف بعالم القياس وفق المتاح "دوليا"/ راسماليا، وعلى ضوئه، تحت يافطة التشبه المستحيل بالنهوض الحداثي الغربي. ومع اختلاق أجواء نهضة عربية متخيلة، لم تحدث اطلاقا، ولاوجود لها موضوعيا ولابنيويا.

وليس في العالم العربي من دليل يثبت صدوع اشكال النظم "الحديثة" والدول، للنصاب المجتمعي المجهول أصلا، والذي لم يسبق ان دخل نطاق مايمكن اعتباره "فكرا عربيا"، مازال هو الاخر لم يتاسس، محاكيا الضرورات الراهنة. والظاهر ان الانتقالة التي اضطلع بها الغرب الحديث، من الإنتاج اليدوي الى الالي، لم تفلح سوى في قيام أدوات ضبط للمجتمعات العربية، باسم الدولة، بعد فبركة مفاهيم ايهامية تترك الحكم في موضع بينما الاليات المجتمعية تشتغل في اتجاه مختلف، الاغلب انه اقرب للتطابق مع ضرورات الانتقال الثاني الى الإنتاج التكنولوجي المعرفي، الحال على المعمورة، من دون مايواكبه من ضرورات الوعي وانقلابه المتطابق مع اشتراطات التحول الأكبر الوشيك.

ان فرنسا مثلا تشهد اشكالا من الخضوع للايقاع الجديد الضمني المتنامي، بحيث اضطر ماكرون للتهديد بانزال الجيش، مايعني انتهاء بقايا مفعول الثورة الفرنسية الكبرى تاريخيا، وقد تبرز ظواهر أخرى ناشئة عن نفس المحركات الانقلابية الاستثنائية غير المنظورة الى الان، لكن الامر في العالم العربي، أي الضفة المقابلة للغرب من المتوسط سيكون على الأرجح الأقرب من اوربا الى تقبل واستيعاب لحظة الانقلاب الراهنة.

ويتعلق الامر لهذه الجهة بماهو غير منظور من اشكال "النمو" الحاصلة في القرون الثلاثة او الأربعة الأخيرة،، عدا تلك التي توحي بها الدول، او جماع الهيئة المحدثة التفكرية تحت وطاة وايقاع الغرب الحديث، ومع ان هذه الأخيرة تظل توحي بانتظام النمو المجتمعي في العالم العربي والشرق متوسطي، ضمن الإيقاع الغربي الحديث وشموليته المفترضة، بينما هي تسعى من جهتها لضبط الواقع وفقا للايقاع "الدولي"، فان اشكال ومناحي الحراك الضمني الأخير للمجتمعات في هذه المنطقة، ينطوي على نتائج تغدو اليوم خارج ممكنات الاحتواء والضبط، كاشفة عن عمق الوهم الالحاقي المعاش على مدى ماعرف بالعصر الحديث.

ويجب التساؤل حاليا عن عالم "مابعد غرب"، مع البحث عن الاحتمالية التي تعود الى تطابق البنى الشرق متوسطية مع نوع وسيلة الإنتاج الراهنة المستجده، والمفضية كما تشير الدلائل، الى قلب مسارات الحياة والعالم، ومنها وفي مقدمها شكل إدارة المجتمعات لنفسها، ونوع التمركز المجتمعي، خارج تكرارات الديمقراطية والعصرية البالية، المتاكله والسائرة للانقلاب في موضع انبثاقها.

هنا يتوقع للفكر في منطقة الشرق المتوسطي ان تجد مايمنحها القدرة على استعادة سياقات وجودها، ودورها التاريخي والحضاري، بالتحرر والتخلص من ثقل هيمنة نموذج الغرب الكياني والتفكري الغالب والمهيمن، املا في اجتراح مايمكن ان يوضع في مصاف الانقلابات العظمى، ليست هذه المنطقة غريبة عليها تاريخيا، وتاسيسا مجتمعيا، ان بعض الأفكار المتوارثة تذهب اليوم على سبيل المثال، الى الصراخ منذرة بتصحر العراق وغياب النهرين العظيمين، مع ان هذه الظاهرة الدالة على المستوى التاريخي الاستثنائي، يمكن ان توحي بحضور الجغرافيا، ابان "البدء الثاني" اللاحق بعد الاف السنين على البدء الرافديني الأول، أي بحضور الجغرافيا في التاريخ، باعتبارها كائنا حيا، يصنع اليوم عناصر واليات مايمكن تسمية "ارض مابعد النهرين"، مع ماتقتضيه من تاسيسية حضارية كونية ثانية غير السومرية الاولى، كذلك الامر في وادي النيل، الذي يصير اليوم ولأول مرة، غير، ومابعد وادي الفراعنه والاهرامات.

في الجزائر الحالية، العائق الوحيد امام الرؤية المطابقة، هو متبقيات من منظورات اليسار والليبرالية، او الاسلاموية المنقضية الصلاحية، فما أوحى به بوتفليقة باضطرارة لاعلان استقالته، ينتمي لعالم بدء انتفاء الحاجة الى، او ضرورة التنظيم العريق المعروف بالدولة في هذه المنطقة بالذات، بالتزامن مع، وبقرب دخول الإنتاجية العقلية المعرفية عالم التحقق، وحلول زمن انتهاء الانسايوان، لصالح "الانسان".