الشعب في خدمتهم ، وهم في خدمة مصالحهم

صباح علي الشاهر

 

رؤساؤنا، ووزارؤنا، ونوابنا، ومسؤولينا الكبار، كلهم وبلا إستثناء- أتوا من قعر القاع ، وكلهم وبلا إستثناء فقراء مدقعون ، لا يملكون شروى نقير ، وهم عرضة للمبتزين ، والفاسدين وقطاع الطرق ، ولا يمكن أن يواجهوا مصيرهم حفاة عراة ، لذا قرر نظامنا الموقر ، النظام الديمقراطي العادل ، ولغرض حماية كرامة العراق والعراقيين قررت القيادة الآتية من وراء البحار :

1-تخصيص قصور الدولة سكناً  للقادة الذين هم فقراء الحال ، وبلا دار سكن، على أن يتمتعوا بها هم وعوائلهم ، ومن إنتسب لهم ، طيلة مدة تحملهم ثقل المسؤلية ، وما بعد إنقضاء خدمتهم، وحيث أن القصور لا تكفي لإسكان القادة الذين يتكاثرون تكاثر الجراد ، فقد تقرر منح مخصصات سكن لمن لم يتسنى لهم الحصول على قصر أو مربع أمني ، ومن أجل تحقيق العدالة ، فقد تقرر أن لا يزيد بدل السكن عن أربعة أمثال الراتب الشهري للأستاذ " مربي الأجيال" .

2-ولأنهم فقراء الحال لا يملكون سيارة خاصة يمكنهم ان يستعملوها لقضاء حاجياتهم لذا تقرر تخصيص عدد من الجيسكارات ، يتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم ، على أن تتكفل الدولة بنفقات السواق، والصيانة والوقود ، ومن أجل كرامة العراق ، والوظيف الحكومي فقد قررنا قطع الطرق عند مرور موكب المسؤول .

3-ولأنهم بلا حول ولا قوة ،  وبلا عزوة ، أو حزب، أو تنظيم يحميهم، وكيلا يصبحوا عرضة للتحرش أو الإختطاف ، أو إبتزاز الفاسدين في الأرض ، فقد تقرر تخصيص حماية يتناسب حجمها مع حجم المسؤولية ، على أن تجهز الحماية بأحدث الأسلحة وأفضل السيارات المصفحة، ولا بأس أن تكون الحمايات من إخوان وأقارب المسؤول ، فهم أحرص على لحمهم من الأغراب ، ويمنح المسؤول ميزانية يصرفها هو على من يختارهم لحمايته ، أما نفقات الحماية الأخرى ، من أسلحة وذخيرة ووقود فتتكفل الدولة بها حصراً.

4-وحيث أن المسؤل بمختلف مواقعه يحتاج إلى التواصل مع الناس ، ويحتاج أحياناً إلى تمشية بعض إمورهم ، وبالأخص المادية ، فقد تقرر تخصيص بضعة ملايين من الدولارات شهرياً ، كمنافع أو خدمات يصرفها وفق مشيئته ، ومن دون تقديم فواتير حفاظاً على كرامة المستفيدين منها ، وهم غالباً من المتعففين ، ثم أن أغلبية المسؤولين هم من الذين حرمهم النظام الديكتاتوري البائد من التواصل مع الناس ، لذا فإن إطلاق يد المسؤول في الصرف سيجلب له العديد من المريدين والمؤيدين ، وبالتالي يتمكن من خلق قاعدة إنتخابية له ، تجعله يعود كل مرة إلى المناصب القيادية ، من دون أن يفارق مصدر القرار ، وبهذا تتم الديمومة والإستمراية للنظام الديمقراطي، الحر ، الأبي ، المستقل 5-وحيث أن تطبيق الديمقراطية في نظام تعود على الأنظمة الديكتاتورية سيتعرض لهزات ، وربما لغضب بعض قصيري النظر ، والذين لا يستطيعون إدراك الإمور على حقيقتها ، مما يدفعهم للتعبير عن الغضب بهذا الشكل أو ذاك ، لذا تقرر مصادرة الإحتجاجات والغضب ، وجعلها تحت السيطرة بحيث تكون تحت هيمنة وإشراف القوى السياسية ذاتها ، فعلى الكل أن يكون معارضة وحكم في آن واحد ، ضد الفساد وفاسد في نفس الوقت ، ضد إهدار المال العام وممن يهدرونه بلا حساب ، مع أمريكا وضدها ، مع إيران وضدها، يغازل السعودية والخليج وضدهما.

6- وحيث إننا وضعناكم قادة للعراق ، فمهمتكم التي ينبغي أن لا تنسونها هي الإنفاق ، لا تسألوا ما جدوى الإنفاق ، فالشعب الذي عانى الحصار وظلم الديكتاتورية التي حرمته من كل شيء، عليكم أن توفروا له كل شيء ، كل ما ينتجه الآخرون ، ولا تخدعكم السياسة الإحمائية فما هي سوى عودة للنظم الشمولية ، دعوا الحرية الكاملة للسوق ، حتى إذا إقتضى الأمر غلق مصانعكم ، المهم توفير البضاعة الرخيصة للمشتري ، ولا يهم مصدرها ، وحتى نوعها . إقتصاد السوق عملية صعبة ، ومكلفة ، لكنه في نهاية المطاف سيمنح الناس ما يحتاجونه .

ولأجل هذا عليكم ، عملياً تسخيف ما اعتاد الناس على سماعة ، كالوطنية ، والإستقلال والسيادة الوطنية ، والتنمية ، والقطاع العام ، وحتى المختلط ، ولا تنسوا التشكيك بالقضية المركزية التي كانت وسيلة الديكتاتوريات في الهيمنة على مقدرات الشعب، فلا قضية مركزية ومقدسة سوى مصالحكم ، وتطمين هذه المصالح.

الطريق إلى الأقصاد الحر ، صعب ووعر ، فقد عودت الأنظمة الشمولية الناس على الإتكال بحجة أن نفط الشعب للشعب ، في حين أن النفط مصلحة كونية ، لكل شعوب الأرض ، فأنت لا تستخرج النفط لتشربه ، بل لتبيعه لمن يحتاج إليه ، ومن يشتري النفط منك يبيعك المنتجات التي تحتاجها ، وعليكم تسهيل مهمة التبادل هذه ، وجعلها سهلة ، مرنة ، ميسرة ، ولا يتم هذا إلا بالقطيعة مع قيم الماضي الخاطئة والكاذبة ، والمختلقة ، وبالأخص قوانينه الاقتصادية .

7-إذا تميزت ميزانيتكم بالعجز ، والتي ينبغي أن تكون تشغيلية في المراحل الأولى ، كي لا يكون العجز ثقيلاً ، فإننا سنوعز لبنك الإعمار الدولي بسد العجز ، بفوائد ميسرة ، وشروط هي في مصلحة البلد بالمقام الأول ، تلك الشروط تعود الناس على الإعتماد على أنفسهم وترك الإتكالية ، فالدولة ليست مؤسسة خيرية توزع المكاسب بالمجان ، لا دعم للغذاء والدواء ، ولا دراسة مجانية ، ولا طب مجاني ، ولا دعم للمنتج الوطني ، فهؤلاء التنابلة " الصناعيون المحليون" يسرقون الشعب ، ثم يقدمون له بضاعة رديئة .

ستتحولون ، مثلما حدث لغيركم ، إلى دولة تسقطب الأجانب ، سنوزع المجمعات السياحية في طول البلد وعرضها ، لكن هذا يستوجب قوانين إستثمار تطمن المستثمر الأجنبي ، فرأس المال جبان ، وهو لا يغامر ، وعليكم فتح الطريق أمامه ، وكلما توسعت الأنشطة الاقتصادية المعروضة على الإستثمار كلما كان هذا أحسن وأنجح ، وأكثر جذبا للمستثمر . 

كل هذا يستوجب القطيعة مع الماضي ، وقطع جذور التخلف ، والإنفتاح على العالم ، كل العالم ، بلا إستثناء ، إنغمسوا فيما يرضي الناس من ممارسات ، كونوا في الصدارة ، كي يشعروا بأنكم منهم ، ولكن إعملوا لتحقيق ما ذكر إعلاه ، وعندها سيبدأ عصر جديد لكم ولبلدكم ..

تصبحون قدوة ، ويصبح العراق إنموذج العهد الأمريكي الجديد ..