ليبيا صراع الأيدولوجيات أم صراع القرابات بدعم غربي وكياناته الوظيفية الخليجية

وائل إدريس

 

 

كتب محلل أجنبي متخصص بالشؤون الليبية قبل يومين ، إن الحرب في ليبيا ليست حرب أيدولوجية ، بل هي حرب على الإقتصاد.

هذا صحيح تماماً ، فالجميع في ليبيا يعلم تماماً إن الميليشيات التي تقاتل في العاصمة هي من قضت على الجماعة الإسلامية المقاتلة - وساندها فريقا منهم حينها -  وإن ميليشيا الردع تسجن الكثير من الإسلاميين المقربين من الغرياني ، وإن الإخوان وقيادات الإسلاميين كانوا في صف واحد مع خليفة حفتر وكل قيادات الكرامة في 2011 ، وكان هناك مدح متبادل ، كذلك مواجهات الكرامة لم تبدأ ولم تكن موجهة للميليشيات إجمالا ، بل قيادات الميليشيات المحسوبة على البوادي - بولغيب والوكواك وغيرهم - قاتلوا مع حفتر في بداياته وكانوا يعتقدون إنهم يسيطرون على بنغازي والشرق من خلال الدفع بحفتر وغطاء الجيش في الواجهة ، كذلك نفسهم ساندوا ميليشيات الزنتان في 2014 ، وأعتبروها جيش ليبي ولازال الجميع يذكر ذلك ، أي نفس هؤلاء الذين يقاتلون حفتر في العزيزية اليوم - إجويلي والطرابلسي- مع التذكير ان ميليشيا الكانيات - ترهونة- كانت ذاتها يؤيدها أنصار حفتر قبل أشهر قليلة ، وفجأة أصبح هؤلاء مؤيدين للجيش ، لأن العامل المشترك هنا هي ترهونة ومعاداة أعدائهم من الميليشيات الأخرى ، ولو أضفنا بعض الميليشيات التي أشتركت في عملية حرب المطار في 2014 ، كميليشيات غريان التي أنضمت لحفتر ، وميليشيا قبيلة أولاد سليمان التي جرّ على حفتر ضمها ، عداوة التبو ، المنافسين الأقوياء من فبراير لأولاد سليمان ، وأضفنا لهم المنضمين لهم من المقارحة حلفاء حفتر وقبيلته ، لوضح لنا إن الحديث عن جيشه بمعيار ومنطق أنصاره لازال بعيداً عن الواقع ، وإن الأمر برمته جمع أكبر عدد من القبائل تحت عنوان الجيش والأرقام العسكرية ، ولن أزبد وأزيد في ان تنظيمهم العسكري بعيد جداً عن مفهوم الجيش ولو شاهدت عناصر الصاعقة ، وأحد سراياها وآمرها لتوقعت انك امام صاحب سوابق وليس قائد عسكري.

هنا ، لا يعني إني ضد الإستعانة بالقوى الشعبية أو رفض الميليشيات ، فأنا لا أستطيع تجاوز واقع هدم البلد وسلطته وما أفرزه ذلك من التماسك القبلي المتين ، وإنما الغرض من كلامي وضع الواقع كما هو وتفكيك خطاب المؤيدين الخضر لحفتر بدعوى تغيير طبيعة الصراع إلى جيش وميليشيات ، وليس تقدميين ضد الغرب وهيمنته وأدواته ، لأن الرجوع لطبيعة الصراع الوطني يكشف عن أسباب هذا التأييد الحقيقية ، ويعريها تماماً ويرجعها لأصولها المادية ، لا المثالية ، كما هو إظهار حقيقة التناقضات القرابية في المجتمع الليبي ، فنحن لسنا شعب بل قرابات ، في شرارة معينة ودعم غربي خرج التناقض القرابي للسطح ، ومع هدم السلطة أشتد الصراع وأصبحت الحرب قاسية بين الإخوة ، لأنها حرب المعاش.

فتنة الجبل فترة الإستعمار الإيطالي

"وهكذا اختفى من الغرب رجل خطر جداً كرمضان السويحلي": الحاكم الإيطالي الشهير غراتزياني

لو رجعنا لطبيعة الصراع في الجبل ، والأسباب التي دفعت بقبول مقاوم كبير كإبن عسكر للذهاب إلى الإيطاليين والتحالف معهم ، سنجد إن هناك أسباب جديرة بفهم طبيعة القبائل فهي كتلة إجتماعية وإقتصادية وسياسية ، حدودها تبدأ وتنتهي عند القبيلة ، حتى في تحالفاتها السياسية ومواقفها الوطنية ، فلقد كان ابن عسكر أكثر المجاهدين حنقاً على إيطاليا في الجبل وعاداها في مناسبات كثيرة ولم يجعلها تهنأ لا في مرحلة السلم أو الحرب ، إلا ان طبيعة النزاعات والخلافات التي بدأت بمرسوم تعيين عيسى بوسهمين بديلاً عن بن شعبان من قبل المحمودي على زوارة عندما كان مخولا من الدولة العثمانية ، ومن ثم اقناع بن شعبان لساسي خزام الذي كان على ترابط معه قرابياً بالذهاب معه في خياره ومقتل ساسي ، ثم ما أدى لاحقاً لنزوح قبائلهم ناحية زوارة ومحيطها ثم رجوعهم في عام 1919 ، ثم مقتل رمضان السويحلي وقد كان ابن عسكر حليفه الأكبر وثقته عند الحاجة ، ثم اصدار الشيخ محمد فكيني مرسوماً بتعيين أبو الأحباس الذي نال من مصالح ابن عسكر وأهله وانحيازه للآخرين ثم رجوعه لفكيني نازعاً سرجه ، وماتلى ذلك من حروب وتهجير للفريقين حتى أنتهت بتهجير قبائل الجبالية إلى الوطية ، أدى هذا في نتيجته إلى إلتقاء ابن عسكر والطليان ، لكن الطليان لم ينسوا له سابق أعماله ، وحقده عليهم ، ومناوئته لهم ، ولم يثقوا في تواصله معهم ، فقبضوا عليه غدراً وأعدموه في يونيو عام 1922.

من ذات السياق الكثير من القيادات الخضراء ، ما كانت لتنال موطئ قدم في السلطات الجديدة ، لذلك كان موقفها يعتمد بشكل كبير على مواقفها المتشددة السابقة في مناهضة أعداء النظام وماتخلله من سمعة ، كانت لا تحفز على القفز من سفينة النظام على الإطلاق ، وإختلافها مع القبائل مما أدى إلى إضعاف مؤتمر القبائل وإضعاف قوة مقاتليه التي هزمت في عام 2014 ، وحاجتها في وجود قيادة واحدة صلبة يجتمع عليها الناس ولم يكن هناك إلا سيف الإسلام وهو مرفوض عندهم لعداوتهم السابقة إبان حكم والده ، وعدم ثقتهم به إن وصل للسلطة ، وهذا الأمر يعلمه القاصي والداني في أنصار النظام ، دفعهم إلى تأييد عمليات الكرامة من بدايتها خصوصاً ان جزء من قياداتها محسوبين على قبائل الشرق معقل أنصار الكرامة ، وبالتالي إلى الوقوف خلف حفتر ورمي دعم الغرب له تحت أقدام المصلحة الخاصة ، خصوصاً في الحاجة للعودة إلى مزارعهم وأملاكهم ونفوذهم السابق وهو منطق مكرر في حياة المجتمع الليبي والمجتمعات القرابية.

في ليبيا كغيرنا من الدول غير الناجزة ، في بلد اقتصاده ريعي ، ومجتمعه قرابي ، الفساد فيه نمط معاش ، وسلم القرابة يحمل أيضاً فوارق في الحصول على نسبة من الريع لكن يبقى دائماً عامل الإرتباط القبلي وتمسكه فيه.

لاشك إن الإستقرار مهم ، لكن هذا الإستقرار هو مغشوش في حقيقته لأنه مع إبقاء الهيمنة وإستقرارها بسلطة قوية على غرار كامب دافيد فهو يؤدي أن تلعب ليبيا دورا أكثر رجعية لصالح الغرب مما هي فيه الآن ، بل ستعمل على خنق المزيد من تطلعاتنا نحو بناء الدولة الناجزة التي سعى لها القذافي في مشروعه التقدمي عربيا وأفريقيا وكاد أن ينجح في الثانية لو لم تخنه الظروف الدولية ولولا صعود تشافيز والقوى اليسارية المتأخر في أمريكا اللاتينية ولولا أسباب أخرى عديدة لا يتسع لها المقال.

لكن التبرير المثالي حول الذهاب خلف التحالف مع الغرب في السيطرة على الدولة ، ثم مناوئتها لاحقاً إذا أمتلكنا الإرادة حد تعبير أحد هذه القيادات ، هو ترك الأمور للقدر وتغييب المنطق ورهن ليبيا لعقود طويلة غالباً للغرب ، لا شك إن هذه الظروف هي أفضل ظروف موضوعية لخلق مواجهة أكبر عدد من القبائل والقرابات في المجتمع الحاقد على وضع البلد لدرجة توجيه وعيه ان الإشكالية في الميليشيات بذاتها لا إلى المشروع الغربي الذي أحتاج هذه الوضعية الإستنزافية لفترة من الزمن قبل أن يعود لتشكيلها حسب مقتضيات المصلحة والظروف الكارثية التي تقبل بكل السياقات المطروحة للشعب نتيجة هذا الفراغ.

إذاً علينا بخلق تيار ثالث مناهض فكل الظروف الموضوعية داخلياً وخارجياً - التناقضات بين المركز الغربي الرأسمالي ودول الأطراف الصاعدة - متوفرة للخروج من التبعية الغربية والقضاء على الميليشيات ، لكن تبقى العوامل الذاتية في مواقف هذه القيادات والمواقف القبلية المتذبذبة وعدم إستغلال إقصائها خارج السلطة وتوظيفها في الصراع ضد الغرب يداً بيد مع القضاء على كل مظاهر ضعف البلد ، هو الخيار الوطني والمادي - وليس المثالي كما يتوهم البعض عن جهل - في الدفع بمجتمعنا الليبي نحو مشروع الدولة الذي يضمن لنا ولأبنائنا وأحفادنا الحياة الكريمة التي تعيشها الأمم الناجزة.

نهايةً

المسألة ليست في الميليشيات والفساد ، فما الأولى إلا من مظاهر الهيمنة الكاملة التي تعيشها ليبيا وأما الفساد فهو وإن لم يكن سابقاً على ماهو عليه اليوم ، إلا ان الفساد هو نمط معاش المجتمع الليبي سابقاً وحاضراً ككل المجتمعات القرابية/ الريعية ، فهل بعض - هناك إستثناءات - قادة النظام السابق ، أموالهم الحالية جاءت من قانون رقم 10 للمرتبات ! سنضحك على أنفسنا إذن إن قلنا ذلك ، فهم ونحن نعرف انهم كانوا أعلى سلم قرابي في معاش السلطة ، أي أعلى سلم الفساد بمعنى اخر - أرجع وأؤكد إنه نمط معاش المجتمع - فهم أصحاب توزيع الريع من خلال الواسطة مثلاً من العقارات السكنية إلى القروض إلى الإيفادات ، إلى نسب المشروعات ماغير الفساد المباشر في موضع المسؤولية.