جروح مفتوحة ...بسعة العمر

كامل عبد الرحيم

 

 

لا أحبُ الإعلامي حميد عبد الله ، والذي يقدم برنامجه من على قناة الفلوجة ، لأسباب تخصني ، لكنه في الواقع يقدم جهداً خاصاً بالنبش التاريخي القريب والمتوسط ، قد تكون له أجندة خاصة به ، ولكن من لا يمتلك مثل تلك الأجندة ، في الوسط الإعلامي على الأخص ، ولا أتابع برنامجه على الإطلاق ، ولا توجد في قائمة قنوات تلفاز البيت ، قناة الفلوجة .

وقد سمعتُ اللغط عن موضوع حلقته (ربما الأخيرة) وكانت ضيفته شيوعية منشقة اسمها (نصيرة القيسي) ، وتهرّبت من مشاهدة الحلقة ، لإحساسي بأنني أعرفها على نحو ما وأنها ستعيدني إلى عقود مضت ، فلقد خمنتُ بأنها أختٌ لصديقي (قيس القيسي) ، وسرعان ما صدق حدسي ، ولا أعبأ كثيراً ، بما ساقته السيدة نصيرة من اتهامات للحزب الشيوعي ، فتلك الاتهامات لم تعد تعنيني ، لكوني أصبحتُ أنظر للانتماء السياسي من الزاوية الإنسانية ، والتضحيات ، كأقدار وجودية وعبث بمعنى أو بلا معنى ، كما أن مقابلة السيدة نصيرة القيسي ، أعادت فتح جرح الشهيدة رضية السعداوي ، ابنة عمي وصديقتي ورفيقتي ، فبين السطور ، وجدت حادثة إلقاء القبض عليها ومن ثم إعدامها وتغييبها .

كان قيس القيسي ، وهو من مواليد 1949 ، كما أظن ، رفيقاً لكل من صديقيّ الشهيدين سلام كاظم ورياض البكري ، والثلاثة ولدوا في العام 1949 ، والثلاثة ، مع أصدقاء آخرين مثل فاروق بابان وشرق الميّاح ، كانوا تلاميذ في إعدادية النضال ، وهي مدرستي أيضاً ، قد لحقت بهم بسنتين أو ثلاث .

رياض البكري أُعدم عام 1978 ، وسلام كاظم قُتل غيلة بظروف غامضة أوائل عقد الثمانينات ، أما قيس فلقد استشهد في كردستان عام 1983 .

والأسماء التي ذكرتها ، قيس ورياض وسلام وفاروق وشرق وأنا ، كنا ننتمي لتيار القيادة المركزية ، الذي رفع شعار الكفاح المسلح ، فدفع الأثمان الباهظة ، لكن سلاماً وقيس ، آثروا وبعد الضربة القاسية لتنظيمات القيادة المركزية ، أن ينتقلوا إلى اللجنة المركزية ، الحزب الشيوعي الرسمي ، فيما اختط رياض طريقه العنيف الخاص ، فتبعته أنا وكذلك فعل شرق ، أما تجربة فاروق فلا تستحق الذكر .

ما يهمني هنا ، ليس السرد التاريخي ، بل ظاهرة (العائليات الشيوعية) أو الشيوعية بالوراثة ، ومالها وما عليها ، حيث كان سلام وقيس يسكنان في حي الحارثية الراقي ، ببيوت فارهة ، كان والد قيس طبيباً اسمه عبد الستار ، وقد أُعتقل وأعدم عام 1980 ، بينما كان أبو سلام (المحامي كاظم جعفر) محامياً مرموقاً وشيوعياً سابقاً بل وضابطاً مفصولاً قبل ثورة 1958 ، وفيما قُتل سلام في ظروف غامضة ، وموته صدم أباه ، الذي ظل يتردد على قبره في النجف ، ويصرّ على كتابة (الشهيد) على شاهدة قبره ، فما كان من رجال أمن ملثمين إلا أن يقتلوه فوق قبر ابنه بطريقة بشعة بالسكاكين الطويلة (القامات) ، وكان لسلام أخٌ اسمه (نصير) مات بالسرطان في المنفى ، وظلت أخته (حمامة كاظم جعفر) تجتر أحزانها وقد تقرأ كتابتي هذه .

كان قيس القيسي ، ضخم الجثة ، طولاً وعرضاً ، وبوجه أسمر ببثور عميقة ، ولكن بضحكة طفل ، سمعتُ أنه قُتل بمجزرة (بشت آشان) ، لكن أخته نصيرة ، تذكر رواية أخرى، لا تختلف كثيراً سوى باتهامها لقيادة الحزب الشيوعي من طرف ، ليس بخافٍ في الواقع.

بعد انتقال سلام وقيس إلى (اللجنة المركزية) ، تم نبذهما من بقية الأصدقاء ، لكن بنزعتي المتصالحة الفلسفية المبكرة ، أبقيتُ على صداقتي مع الاثنين ، وإن بشكل خفيف ، حتى النهاية المأساوية .

لم تستوعب سلطة البعث ، تلك السلالات الشيوعية ، فعملت على تمزيقها أرباً ، ومحقها وإبادتها ، أما الحزب الشيوعي فلقد تعامل معها بشكل براغماتي ، فاصطفى السلالات المهادنة ليدمجها في بنيانه المعقد ، المزيج من الوراثة والتوصيات والصفقات ، وسلُم بقية السلالات الأخرى ، العنيدة ، لتُطحن ، طحناً مرعباً ، ولم يشفع لها كل شيء ، فتلاشوا مثل نجوم مطفأة ، وضاعت ملامح تلك البيوت المرفهة بطرازها الخمسيني والستيني المتطامن مع نفسه .

لا أريدُ هنا إثارة اتهامات السيدة (نصيرة القيسي) ، وقد خيبت ظني ، بركاكة منطقها ، وهذه صفة تلازم السلالات الشيوعية للأسف ، لكنني تقمصتُ شخصية الأب (الدكتور عبد الستار القيسي) وهو ينظر من مكان ما في العالم الآخر ، لما حصل لعائلته الصغيرة بسبب عائلته الأكبر .

وبينما كانت تتحدث السيدة نصيرة القيسي ، عن نزولها من الجبل إلى بغداد ومن ثم نزول زوجها (أبو بهاء) وعودته مرة أخرى للجبل ومن ثم إعدامه من قبل الحزب الشيوعي نفسه بتهمة العمالة ، وجدتُ أكثر من خيط مع حادثة نزول ابنة عمي رضية وإعدامها ، وعادت بيّ الذاكرة إلى حادثات كثيرة وعديدة ، فكنتُ وبمكان عملي المعروف في سوق الشورجة ، فناراُ ، يقصده النازلون من الجبل ، للتزّود بكل شيء ، وقد نالني ما نالني ، كتبتُ عن بعضه ، وربما سأتناوش الباقي ، كان الانطباع عندي وقتها وقد تضخّم الآن ، أن كل تلك (المغامرات) تنمّ عن خفة أو انعدام الشعور بالمسؤولية أو التوريط ...أو الخيانة .

واستغرب جداً من تهرب الحزب الشيوعي في كتابة تأريخ هذه المرحلة وإعادة الاعتبار لمن ظلم ، وتأشير من خان ، وربما محاسبته ، وكشف ما توفر عنده من وثائق .

فالحزب الذي يعجز عن كتابة تأريخه ...لا يستحق الحياة .