حكاية عقود التراخيص

 

صائب خليل

 

 

 

حكاية عقود التراخيص، كأية قصة تتحول إلى حكاية شعبية مروية، فتفقد ظلالها، وترسم مساحاتها بالأبيض والأسود، بالخير والشر، للتبسيط والتجميل. وقصة التراخيص تحولت معظم درجات الظل فيها الى الأسود. فالجانب المسيطر على الإعلام وعلى السياسة في البلد، قد قرر تغييرها إلى ما يناسبه، فشن عليها حرباً إعلامية لا تبقي ولا تذر، حتى ان من بنى أسسها ترك الدفاع عنها يائساً وانزوى.

قصة جولات التراخيص، مثل بقية قصصنا، تحت إعلام نصبه على البلد اعداؤه، وكلف بتحطيم وعي شعبه وإصابته بالضياع، قصة قدمت للناس مشوهة بكل طاقة الإعلام العلمية المتطورة على التشويه، ولم تكن العقول المتعبة غير المدربة على هذا النوع وهذا الحجم من المراوغات، قادرة أن تتعامل مع هذا الهجوم الإعلامي وان تجد طريقها بين دهاليز الأرقام والمصطلحات والتفاصيل واللعب المتعمد على الأوتار الحساسة، حتى لو أرادت، والمتعب قلما "يريد".

حكاية عقود التراخيص هي أيضا حكاية المؤامرة على النفط العراقي، وهي بالتالي حكاية التآمر على العراق. حكاية السعي نحو الخصخصة التي تريد ان تسرق كل شيء من الناس، بـ "عقود الشراكة"، وحكاية الصراع بين الشركات العالمية وكردستان من جهة ومن حاول ان يدافع عن ثروات الشعب من الجهة الأخرى، فحقق ما حقق، وفشل بما فشل.

 

هذه محاولة لإعادة الظلال إلى هذه الحكاية وانقاذها مما احاطها من سموم إعلامية قاتلة ومن أخطاء كثيرة، وأرجو ان تكون روايتي لها موضوعية قدر الإمكان.

لقد اعتمدت هنا على ما كتبه الأستاذ فؤاد الأمير بشكل كبير، في اكثر من كتاب، وما تحدثت به معه في اكثر من حديث حول الموضوع. فلهذا الرجل، فضل لا ولن ينسى في انارة الكثير من طرق الغابة المظلمة المليئة بالوحوش والفخاخ، والمسماة ملف النفط العراقي. وله ولعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من زملائه الذين لا يجب الانتقاص من دورهم، الفضل في ان ملف النفط مازال ملف صراع لم يستسلم، ومازالت المؤامرات التي تحاك في الظلام وفي لحظات الغفلة، مثل قانون شركة النفط الوطنية، تدار من قبل وحوش تلك الغابة، ومازالت المقاومة لم تسقط.

****************

المؤامرة على النفط العراقي

 بدأت المؤامرة على النفط العراقي قبل الاحتلال وبفترة طويلة، ثم أخذت شكلاً محددا حين بدأت وزارة الخارجية الأمريكية إعداد خططها المحددة لمستقبل العراق قبل عام على الاحتلال، فشكلت في نيسان 2002، 16 مجموعة عمل مختلفة، تحت عنوان: "مشروع مستقبل العراق Future of Iraq Project"،(1) بقيادة رايان كروكر Ryan Crocker (والذي أصبح فيما بعد سفير الولايات المتحدة في العراق). وكان من أهم مجاميع العمل تلك "مجموعة الطاقة والنفط "، وضمت عدد من "الخبراء" الأجانب والعراقيين في الخارج. وأوصت المجموعة بـ "انفتاح العراق على الشركات النفطية العالمية بأقرب فرصة ممكنة" وتشجيع الاستثمار الأجنبي في النفط وفق عقود المشاركة بالإنتاج وبصيغ مرنة!

ولنلاحظ هنا أن التأكيد على ذكر نوع العقود التي يجب توقيعها مسبقاً، وقبل حتى لمس الواقع النفطي العراقي على الأرض، أمر غريب ويفضح مدى التآمر على العراق. وهو يفضح من الجهة الأخرى خطورة ذلك النوع من العقود الذي يختاره من يتآمر على العراق كاختيار افضل.

فعقود مشاركة الإنتاج ليست مناسبة أبداً للحقول العراقية، إنما هي طريقة متبعة في العقود ذات المخاطرة العالية فقط، (وتسمى أيضاً "عقود مخاطرة") وليس الرقع الاستكشافية عالية الاحتمال، دع عنك الحقول المنتجة، كما هو الحال في العراق، وبضمنها حقول كردستان!

وتعطي هذه العقود حصصاً ظالمة للشركات على حساب البلد. وهي شكل غير مباشر لخصخصة النفط، حيث يصبح جزء من نفط البلاد ملكاً للشركة العاملة. وكمثال فأن حصة الشركات الأجنبية في عقود حكومة إقليم كردستان، تبلغ في ادنى العقود، 15% من الإنتاج.

"مشاركة الإنتاج" تعني إضافة إلى التحكم بالإمدادات النفطية، التحكم بدرجة أو بأخرى، بأسعار النفط وكمية ما يطرح منه في السوق، وإمكانية ممارسة الضغط على دول الأوبك لزيادة المطروح او تقليله، لتخفيض السعر أو رفعه. لقد كانت أميركا تسيطر دائما على السعودية وتوجهها بالطريقة التي تتماشى مع مخططاتها، كما يحدث هذه الأيام حيث اجبرتها على زيادة الضخ وانخفضت الأسعار بشكل كبير، وكل ذلك بصراحة وقحة لا يخفيها ترمب. وتسعى الولايات المتحدة بجد أن تضم العراق إلى السعودية في هذه المهمة المكلفة وغير المشرفة. ومازالت المؤامرة قائمة على قدم وساق وفي غاية النشاط، وتأخذ اليوم عنوان "شركة النفط الوطنية العراقية" والتي تم تمرير قانونها الغريب خلسة، في نهاية الفصل النيابي السابق، بعد تغيير القانون المقدم لمجلس النواب بشكل تام وجذري، وبدون علم خبراء النفط.

ولكي نفهم الحماس الأمريكي لعقود "مشاركة الإنتاج"، علينا ان نفهم تلك العقود ومقارنتها بعقود الخدمة.

عقود مشاركة الإنتاج وعقود الخدمة

 إن سمحنا لأنفسنا بالكثير من التبسيط، تقسم العقود النفطية الحالية إلى نوعين، هما عقود الخدمة وعقود مشاركة الإنتاج. وعقود الخدمة هي عبارة عن استئجار الدولة لـ "خدمات" شركة نفطية تقوم بالعمليات النفطية لحساب الدولة، مقابل مبالغ متفق عليها. وهذه هي العقود الطبيعية المعتادة، والتي تتطلب من الدولة أن تتكلف بكل المصاريف وتتحمل الاحتمالات المختلفة (المخاطر)، إلا أنها تحفظ للدولة حرية التصرف بنفطها، وتحقق لها اعلى الأرباح عادة.

عقد مشاركة الإنتاج يحرم الدولة من كمية أكبر من عائد النفط، وإضافة إلى ذلك فهو يقيد حريتها في التصرف بنفطها. فجزء من هذا النفط، حسب العقد، يعود قانونيا إلى الشركة. ولذلك فأن الحكومة تضطر إلى التفاهم مع الشركة على كمية النفط المستخرج وكيفية التصرف به. بينما تكون الحكومة حرة في التصرف بنفطها في حالة عقود الخدمة. ولهذه الأسباب كلها فأن الحكومات الوطنية لا توقع أية عقود مشاركة مع الشركات، إلا إذا كانت مضطرة لها، ولم تكن تملك خياراً غيرها.

ويعود تاريخ هذه العقود إلى نهاية مرحلة "الامتيازات" الشديدة الظلم، وتم اختراعها كطريقة اكثر ارضاءاً للدول مع احتفاظ الشركات بحصة في النفط وقدرة على التأثير على السياسة النفطية للدولة. وفي تلك المرحلة كانت تلك الدول مضطرة لقبول مثل هذه العقود لأنها كانت لا تمتلك ابسط الاستثمارات اللازمة، ولا الخبرات الفنية اللازمة لبناء مؤسساتها النفطية المستقلة. وتركت هذه العقود مع تغير توازن القوة لصالح الحكومات، ولم تبق تستعمل إلا في حالات خاصة تضطر فيها الحكومة لقبول تلك العقود، أو تكون ذات علاقة مصالح مشبوهة مع الشركات، وعلى حساب شعبها، كما هو الحال في كردستان.

 

عقود مشاركة الإنتاج لا تمنح جزءاً من النفط في باطن الأرض للشركات، وإنما بعد استخراجه. وتستخدم هذه الحقيقة بين المدافعين عن تلك العقود لتبريرها. لكن الحقيقة الأولى هي ان النفط لن يباع إلا بعد استخراجه. والثانية هي أن الشركات تتصرف بالفعل كمالك لذلك النفط وهو تحت الأرض، حيث ان الشركات تستخدم مثل هذا "الحق" لتنشر أن "لديها" حجم مخزون معين، كلما ازداد كلما ارتفعت أسهمها في البورصة. ومن المتوقع ان تدافع الشركات بكل الوسائل عن ذلك "الحق" إذا ما تجرأت الحكومة وتصرفت بشكل ينتقص منه.

متى تكون الدولة مضطرة لعقود "مشاركة الإنتاج"؟ في حالة التنقيب في مساحات استكشافية جديدة، تكون هناك مخاطرة أن تفشل الشركة باكتشاف النفط، او ان يكون قليلا غير اقتصادي او لا يكفي لتسديد الكلفة. ولا تريد الحكومات عادة، تحمل مخاطرة دفع أموال ضخمة بدون ضمان. لذلك تتقدم الشركات المستعدة للمخاطرة بعرض للحكومة، تتحمل به المخاطرة في حالة الفشل، مقابل حصة من النفط المكتشف في حالة النجاح. فإن لم يكتشف أي نفط، فأن الدولة لا تخسر شيئا. ولكن إن اكتشف النفط، فستكون حصة الشركة منه أكبر، وأرباح الدولة منه أقل مما هي في "عقود الخدمة". فعقود المشاركة أمر مقبول في حالة وجود مخاطرة كبيرة بالفشل، أو العجز التام عن توفير الاستثمار الحكومي لاستخراجه، باعتبار أن النفط كان سيترك تحت الأرض لأن الحكومة لم تكن تريد المخاطرة بأموالها.

إذن، إن كان الحديث عن استغلال حقول منتجة او مناطق تم اكتشاف النفط فيها أو كانت هناك مؤشرات قوية بأن النفط موجود بصورة شبه مؤكدة، فأن الطبيعي هو أن تتعاقد الحكومة بشكل عقد "خدمة"، لأنه لا توجد هناك مخاطرة كبيرة، ولا مبرر لدفع مبالغ اكبر للشركات او خسارة سيادة الدولة على نفطها.

تبنى رئيس الوزراء الأول الذي اختارته سلطة الاحتلال، الدكتور إياد علاوي السياسة التي أوصى بها "مشروع مستقبل العراق" ونشرت في "الميدل إيست إيكونومكس سيرفي MEES"، وقام الأستاذ فؤاد الأمير بترجمتها ونشرها في "الغد" البغدادية في أيلول 2004 بعنوان "علاوي يضع الخطوط العامة للسياسة النفطية الجديدة"(2) والتي أكد فيها على عقود مشاركة الإنتاج.

ويقول الأمير: انتظرت أسبوعا لأتيح لعلاوي الرد وتكذيب ما جاء في المقالة إن أراد، فلما لم يفعل، قمت بالرد عليها.

كانت المؤامرة مخططة بالتفصيل إذن، إلا أن خبراء نفط عراقيون وأجانب، وصحفيون ناشطون، تصدوا لتلك المؤامرة بهمة، فأفلت العراق (ولم تفلت كردستان) من المرحلة الأولى من مؤامرة عقود المشاركة على نفطه، تمكنت بغداد من انقاذ نفطها من عقود "مشاركة الإنتاج".

بالنتيجة، فان جميع العقود التي ابرمتها بغداد مع الشركات، كانت "عقود خدمة" بينما العقود التي ابرمتها كردستان، كانت "عقود مشاركة انتاج".

ويحاجج المدافعون عن عقود الخدمة، بأن عقود المشاركة محرمة في الدستور العراقي الذي يؤكد أن النفط العراقي ملك لكل الشعب العراقي. ووجدت حكومة كردستان لذلك صعوبة كبيرة في شرعنة عقودها. وحاولت اقناع الشركات ان تسعى بأي شكل الى توقيع ولو عقد بسيط واحد مع بغداد، بشكل عقد مشاركة، لكي تتمكن من استخدامه ذريعة للضغط لشرعنة عقودها. إلا ان بغداد، التي استبدلت المسؤولين عن النفط بشخوص اقل اخلاصاً للبلد مثل عادل عبد المهدي وجبار لعيبي، وجدوا صعوبة كبيرة في تمرير عقد مشاركة صريح واحد، لأن فؤاد الأمير ورفاقه قد تمكنوا في هذه الأثناء من توعية الناس بخطورة تلك العقود. لقد فاتت الشركات فرصة تمرير تلك العقود حين كان أياد علاوي رئيساً للحكومة، ولم يكن احد يعي تلك المصطلحات. لكن المحاولات مازالت مستمرة ومازالت الخطورة كبيرة بوصول عبد المهدي الى رئاسة الحكومة.

 

***********

الجولات

 

في جولة التراخيص الأولى، قامت وزارة النفط بدراسة الشركات، وقامت بترشيح (35) شركة مؤهلة لتقديم العروض لجولة التراخيص الأولى، فقدمت (22) منها عروضاً. وحين فتحت العروض في مناقصة عامة مفتوحة وشفافة لم تربح أية شركة أي عرض من العروض! لأنها جميعها قدمت أرقاماً للحوافز تتجاوز الرقم المحدد من الوزارة، إلا ائتلاف بريتيش بتروليوم وبتروجاينا الصينية الذي وافق لاحقاً، ورفض الشهرستاني الضغوط لزيادة مبلغ الحوافز، ثم عادت الشركات ووافقت على الرقم المقدم من الوزارة.

وسارت بقية الجولات بطريقها بشكل أو بآخر وانتهت آخرها (الرابعة) عام 2012. وبينما خصصت دورتي التراخيص الأولى والثانية لحقول نفطية عملاقة جداً وأخرى أصغر في وسط وجنوب العراق، كما خصصت الدورة الثالثة لتوقيع العقود الغازية. وقد اعتمدت جميع الدورات ما يسمى بـ "عقود الخدمة الفنية Technical Services Contracts TSC"، مقارنة بعقود المشاركة بالإنتاج التي كانت الشركات تطمح لها. وخصصت دورة التراخيص الرابعة لرقع استكشافية (وليست حقول مكتشفة ومثبتة)، ذات احتمالات كربوهيدراتية عالية، ومعظمها في الصحراء الغربية.

وقال وزير النفط في وقته، د. حسين الشهرستاني في أواخر 2007 متحدثاً عن عقود الجولة الأولى: "إن الوزارة تتبنى حالياً الاتفاق على عقود خدمية بصدد إبرامها مع شركات عالمية رصينة لتطوير الحقول النفطية بحيث تخضع إلى السيطرة الوطنية، وأن البرنامج والخطط الموضوعة في هذا الجانب من شأنها زيادة الإنتاج اليومي بواقع (500) ألف برميل كل ستة أشهر، وصولاً إلى مستوى إنتاج (4) ملايين برميل يومياً، صعوداً إلى ما يناسب احتياطي العراق من النفط بحيث يبلغ الإنتاج اليومي (6) ملايين برميل يومياً".

بدا على الجولة الأولى انها عبرت بالعراق مرحلة الخطر، واصبح بإمكانه أن يحصل على الدخل اللازم لمصروفاته وتطوير نفسه. وكان يمكن، ويجب، على العراق الاكتفاء بتلك الجولة من العقود، والاحتفاظ ببقية الحقول للتطوير الذاتي، أو إلى ان يتمكن العراق من ترتيب اموره بلا عجل، فما تقدمه الجولة الأولى أكثر من كاف لتمويل الموازنة، وليس هناك أي مبرر للعجلة في توقيع المزيد.

ويؤكد الأمير " أؤكد وعن قناعة تامة بأن جميع الإحالات كانت نظيفة ونزيهة ومن خلال منافسات مكشوفة واضحة، ولم يثر أحد كما لم أقرأ أو أسمع من أحد شكوكاً في نزاهتها. وهذا الأمر يبدو "غريباً" في جو العراق المتخم بالفساد!!، خصوصاً ونحن نتحدث عن حقول نفطية عملاقة، ومبالغ هائلة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات في الاستثمارات، وتريليونات الدولارات للقيمة الفعلية للنفط والغاز."

لكن الدورة الثانية من العقود فاجأت الجميع باستهداف العراق لـ "انتاج" رقم غريب يتجاوز (12) مليون برميل/اليوم! وتعني هذه الزيادة ضمن ما تعنيه انخفاض كبير في عمر النفط العراقي.

ومن ناحية أخرى، فأنها تعني ضرورة اقتراض العراق أكثر من (150) مليار دولار، وبفوائد تزيد 5% على الفائدة المصرفية (نظام فوائد لايبر)، اي ما يزيد عن عشرة أضعاف الفائدة المصرفية في ذلك الوقت. نصف هذه المبالغ مخصص للمشاريع الخاصة برفع الانتاج إلى الحدود القصوى الجديدة التي يرى الخبير فؤاد الأمير " أن لا فائدة (..منها)، بل بالعكس كلها ضرر". وأنها "ستكون كارثة على العراق سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية." وهو ما يذكر بكتاب جون بيركنز الشهير: "اعترافات قاتل اقتصادي Confessions of Economic Hit Man" (3) والذي يشرح فيه اساليب السيطرة على الدول من خلال إغراقها بالديون في أمور لا تحتاج إليها.

 )ملاحظة: لدي تحفظ شديد على تسمية استخراج النفط وبيعه، انتاجاً. فلو صح ذلك لكان يمكن لنا ان نسمي بيع ما نملكه من الجبن في الثلاجة، انتاجاً للجبن، لكن المشكلة ان الاسم مستخدم وشائع تماما، لذلك استعمله هنا واضعه بين اقواس اقتباس- صائب خليل(.

بقيت عقود التراخيص سرية ولم يعرف محتواها بالكامل لفترة من الزمن. ومما زاد القلق من هذا التصرف هو ان الشركات التي تم التعامل معها كانت معروفة بقلة الشفافية في تعاملها. وقد تكون تلك السرية من شروط او طلبات تلك الشركات نفسها. لكن ما تم كشفه يبين أن في نصوص العقود مواداً تحدد طريقة تعامل الحكومة العراقية مع الشركات ومرجعية تحكيمها، وهو ما جعل صحيفة الغارديان البريطانية تنشر تقريراً قالت فيه أن شركة النفط البريطانية بريتيش بتروليوم BP قد أحكمت قبضتها على الاقتصاد العراقي عقب موافقة الحكومة العراقية على دفع تعويضات للشركة حتى في حال توقف إنتاج النفط في حقل الرميلة العراقي، وأن تعديلات جرت على العقود تجعلها تؤثر في القرارات السياسية التي تتخذها الحكومة العراقية فيما يتعلق بمنظمة أوبك.

 

وحوت العقود الجديدة، على نصوص (الفقرة 12) تلزم العراق باستمرار استخراج أقصى طاقة ممكنة من حقوله، وأنه إن أراد خفضها، أو فشل في توفير مستلزماتها، فعليه تعويض الفرق في أسرع وقت ممكن بزيادة لاحقة في استخراج النفط عن المقرر، وإلا فهو ملزم بدفع تعويضات عن كل ما "تخسره" الشركات من جراء ذلك النقص.

وقد تم بالفعل إعادة التفاوض مع الشركات لاحقاً، وخفض الحد الأعلى إلى 9 ملايين برميل في اليوم، وهو رقم كبير أيضاً، مقابل تنازلات عراقية تتمثل في زيادة طول مدة العقود وتنازل العراق عن بعض حصته في الشركات التي تنفذ عقود الخدمة (وليس النفط، فهو بأكمله ملك العراق(.

نقطة الخلل الثانية في تلك العقود هي طول مدتها، والتي زادت بسبب محاولة العراق التراجع في قضية الحد الاقصى اعلاه. والفترة الطويلة للعقود تقلل من افضلية عقود الخدمة ومرونتها في قدرتها على استبدال من يقدم لها الخدمات بآخر أفضل أو أقل كلفة منه.

كذلك يشار الى ان تكاليف حفر بعض الآبار كان مبالغاً بها، أحيانا إلى أربع مرات بقدر أسعار الحفر لنفس العمق في دول الخليج. وقد تكون تفاصيل الحفر موجبة لذلك، من حيث طبيعة الأرض، لكنها تبقى نقطة تستحق التحقيق.

وعن موقف كردستان، نجد أنه في كل مراحل المؤامرة على نفط العراق، كانت حكومة الإقليم لا تكتفي ببذل كل جهدها لمساعدة الشركات لفرض "عقود مشاركة الإنتاج" على العراق، اسوة بما وقعته حكومة الإقليم، ومحاولة تقديم نسخ سيئة لـ "قانون النفط" يتيح او يجبر بغداد على قبول تلك العقود، وإنما كانت تعمل صراحة على إضعاف القرار المركزي قدر الإمكان، وتعتبره تهديداً لها. إضافة لذلك فقد كان موقف حكومة الإقليم من تقديم عروض باذخة وفاسدة للشركات إغراء لها في ترك تعاقدات بغداد، حيث ان بغداد كانت تشترط على الشركات المتعاملة معها الا توقع عقوداً غير شرعية مع كردستان، وإن لم تطبق ذلك بشكل حقيقي.

مناقشة العقود

 في أواخر 2011 كتبت مهاجماً عقود التراخيص بمقالة عنوانها "هل تم تكليف العراق بتحطيم أوبك؟"(4)، أشرت فيها الى "الخلل الكبير" في سياسة العراق النفطية. فالمسؤولون لا يملكون خطة اقتصادية استراتيجية مقنعة، بل يكتفون بالمفاخرة ببلادة مثيرة للدهشة، بخطط لرفع "الإنتاج" بلا حدود، وكأنه هدف مقدس. وتشرح عناوين الصحف توجه الحكومة وترويج بلادتها، مثل: "بغداد تتطلع إلى منافسة الرياض في إنتاج النفط الخام."

كانت عقود جولات التراخيص توقع بسرعة جنونية تنافس سرعة توقيع هوارمي لعقود كردستان، قد وضعت أيضاً أهدافاً جنونية لما يسمى "انتاج" النفط، بتأثير الفقرة 12 سيئة الصيت التي اشرنا اليها.

رغم كل هذه الانتقادات، فإني في السنوات التالية ركزت على الدفاع عن عقود التراخيص بوجه الحملة الإعلامية في، وليس نقاط ضعفها، لأن هجوماً إعلامياً شرساً، شن على تلك العقود، تضمن أكاذيب ومغالطات لم تكن دائماً بريئة، وكان الهجوم الإعلامي ضمن حملة تستهدف كما بدا واضحاً، استبدال تلك العقود، باعتبارها عقود خدمة، بعقود "مشاركة الإنتاج" الأسوأ.

نلاحظ أن التضليل الإعلامي بشأن عقود التراخيص كان مركزاً بشكل خاص على بضعة نقاط، أهمها المبالغة في حساب كلفة البرميل الواحد في تلك العقود (إضافة الى نقاط أخرى سأقوم بإيرادها باختصار في نهاية المقالة). ورغم ان الكثير من الذين نشروا الأرقام الخاطئة حول كلفة الإنتاج تلك، كانوا من الأبرياء الذين تم اقناعهم بها خطأً، فان اصل الخطأ ليس بريئاً في تقديري.

لماذا هذه الحسابات الخاطئة؟ ما هو الهدف من المبالغة بكلفة استخراج برميل النفط وفق العقود، ومن يمكن ان يستفيد منه؟

الهدف في تقديري هو خداع المواطن بضرورة تبديل عقود التراخيص بعقود جديدة تحقق "ارباحاً أكبر". وبما ان سعر البرميل في سوق النفط ثابت في الحالتين، فالربح يعتمد على كلفة "الإنتاج". لذلك يجب ان نقوم بحساباتنا لتبدو تلك الكلفة اكبر من حقيقتها، فتبدو الأرباح ضئيلة في عقود التراخيص، وهذه المراوغة تتيح لنا ان نوقع عقوداً سيئة ونحن بأمان.

فلو فرضنا ان كلفة "انتاج" البرميل من النفط وفق عقود التراخيص يبلغ بالحساب الصحيح 6 دولار. فإذا تم استبدالها بعقود جديدة تكون فيها كلفة البرميل 15 دولاراً مثلا، فستكون فضيحة كبيرة لمن يريد توقيع العقود الجديدة. أما إن تم اقناع الناس قبل ذلك بأن كلفة "الإنتاج" لعقود التراخيص هي 20 دولاراً للبرميل الواحد، فسيبدو الـ 15 دولار أفضل، لأنه يوفر 5 دولارات للبرميل الواحد!

لذلك يتم التركيز في المراوغات الحسابية على حساب كلفة "انتاج" البرميل الواحد، ولنفس السبب يتوجب علينا أن نوجه اهتمامنا أولاً للطريقة الصحيحة لحساب تلك الكلفة، ثم نوضح كيف تمت المراوغة في حسابها. ودعونا نبدأ من البداية لكي تشمل الفائدة غير المتخصصين في النفط، وحتى غير المتابعين لملفه، فنبدأ بشرح مبسط للمفاهيم الأساسية لحساب الأرباح كما تطبق على الصناعة النفطية وتجارتها، وتوضيح بعض مفاهيمها مثل كلفة الإنتاج وكلفة رأس المال والكلفة التشغيلية والاندثار، فبدون معرفة هذه المصطلحات ولو بالحد الأدنى، لا يمكن للمواطن غير المتخصص او المتابع فهم ملف النفط.

فيكاد النفط يمثل كل الاقتصاد العراقي وبالتالي مصير البلاد. ولكثرة الأموال في هذا الحقل، فأن الدافع للخداع كبير جداً. ومن المهم أن يفهم المواطن الاعتيادي الأمر بشكل صحيح، خاصة وأنه يتعلق بمستقبله، وفي ظرف انعدمت فيه الثقة بشكل شبه تام.

 

 *************

 

أسس حساب التكاليف والأرباح في النفط

 

 

تحسب أرباح برميل النفط من السعر الذي يباع به البرميل، مطروحاً منه كلفة "انتاج" البرميل. وتحسب أرباح النفط الكلية بضرب أرباح البرميل الواحد بعدد البراميل "المنتجة". ونلاحظ أن سعر البرميل محدد في أية لحظة زمنية من قبل السوق. كما أن عدد البراميل أيضاً معروف في اية فترة من الفترات، لكن كيف نحسب كلفة البرميل الواحد من النفط؟ هذا ليس بنفس بساطة الرقمين السابقين. فعلينا ان نحسب ليس فقط ما يصرف على "انتاج" كل برميل من تكاليف أدوات ورواتب وغيرها، إنما أيضاً يجب ان تحسب التكاليف التي تمثل الاندثار في المنشآت، و"كلفة رأس المال" الخ.

فتقسم كلفة الإنتاج النفطي إلى جزئين، الجزء الأول هو ما يسمى كلفة التشغيل، وتشمل رواتب العمال والموظفين والوقود، وغيرها من الأمور المتغيرة التي تعتمد بشكل تقريبي على عدد البراميل المنتجة. أما الجزء الثاني فيمثل المال المستثمر (المندثر بشكل آلات ومنشآت)* (* حساب الاندثار معقد إذ يعتمد على عوامل مختلفة يصعب تقديرها، بعضها "متغير" له علاقة بالتشغيل وعدد براميل النفط "المنتجة"، وبعضه ثابت كما يعتمد على عوامل لا يمكن تقديرها مسبقا، مثل عمر المشروع، الخ) مضافاً إليه "كلفة رأس المال". فرأس المال (في النظام الرأسمالي) يتوقع مردوداً لا يقل عن حد معين لاستثماره. ويشمل الرأسمال الذي يجب حساب كلفته، ثمن المكائن والانابيب والأبنية وغيرها من الأشياء الثابتة. ففي نهاية المشروع، يجب ان يعيد النفط جميع ما صرف عليه من كلفة تشغيلية وما استثمر فيه من أموال، إضافة الى ما لا يقل عن الحد الأدنى من أرباح راس المال لو انه استعمل في مشروع آخر (كلفة رأس المال). وما يبقى من ثمن النفط بعد ذلك يمثل أرباح ذلك المشروع. ولكي نحسب ما يتحمله كل برميل من تلك المبالغ، علينا ان نقسم المبالغ على عدد البراميل التي تمكنا من "انتاجها".

بالنسبة لما يصرف من "كلفة تشغيلية" ليس الأمر صعباً لأنها تتناسب مع عدد البراميل المنتجة. يمكننا ان نقسم الكلفة التشغيلية لليوم الواحد على عدد البراميل المنتجة في اليوم الواحد. فإن كلفنا تشغيل حقل 50 الاف دولار في اليوم الواحد وكان انتاجه 100 ألف برميل في اليوم، فأن الكلفة التشغيلية للبرميل الواحد هي نصف دولار. أما حساب التكاليف الثابتة للبرميل الواحد، فهو أصعب واعقد. فالمبلغ الاستثماري، أي "رأس المال"، قد صرف في البداية ولمرة واحدة، ولا ندري كم ستستمر الانابيب والآلات بالعمل (الاندثار) إلا بشكل تقريبي. لذلك يتم تقدير الفترة التي يجب ان يسترد بها المبلغ بعشرين سنة مثلا. وتسمى هذه الفترة بفترة "الاندثار".

ولحساب الكلفة الثابتة لكل برميل، يجب أن نقسم "رأس المال" المستثمر (او المندثر) على عدد البراميل المنتجة المتوقعة خلال عشرين سنة (عمر المشروع)، محسوباً مع كلفة رأس المال. فإذا صرفنا على الحقل ما يعادل بكليته 8 مليار دولار من استكشاف وآلات حفر ومضخات وانابيب وغيرها وكلفة رأسمال، وكان المقدر له ان ينتج لنا ملياري برميل خلال عشرين سنة، فان الكلفة الثابتة للبرميل الواحد هي قسمة 8 على 2، وتساوي 4 دولارات.

وبجمعها مع النصف دولار الخاص بالكلفة التشغيلية، يكون لدينا الكلفة الكلية للبرميل الواحد = 4,5 (أربعة ونصف) دولار.

وطبيعي فأن هذه الكلفة تختلف من حقل لآخر، حسب عمق البئر وطبيعة أرضه وكمية تدفق النفط الخ. وبشكل عام كلما كانت الحقول أكبر وأقل عمقاً، كلما كانت الكلفة الكلية لبرميل النفط اقل. ويعتبر العراق من المناطق الأقل كلفة في استخراج النفط في العالم.

 

****

 

الحسابات الخاطئة والهجوم على جولات التراخيص

 

 

جاء في "دراسة" ألقيت في تركيا(5)، ما يلي: "وكحساب بسيط فإن العراق من المتوقع أن ينتج مليار برميل خلال عام 2015، بما يعادل 3,3 مليون برميل/اليوم، ستكلفه حوالي 20 مليار دولار كلفة الشركات 18 ملياراً والجهد الوطني ملياران، أي ما معدله 20 دولاراً لكل برميل فهل هذه كلف نفط العراق أم كلف نفوط بحر الشمال والصخر الزيتي الأميركي؟!".

رد الأستاذ فؤاد الأمير في كتاب " النفط الصخري و أسعار النفط  و الموازنة العراقية العامة " متسائلاً: إن كانت كلفة انتاج برميل النفط 20 دولاراً وسعر بيعه اقل من 40 دولاراً، كما كان الحال عام 2015، فيجب ان تمثل تخصيصات وزارة النفط اكثر من 50% من ميزانية الدولة، فهل هي كذلك؟ لا!.

كم هي كلفة البرميل الواحد إذن؟ يقول فؤاد الأمير: "هناك حسابات كلفة للاستخراج في وزارة النفط، تصل بمعدلها حوالي إلى (68) دولارات للبرميل (بضمنها "الحافز") ... وقد تصل إلى (9) دولارات للبرميل في الحقول الصغيرة، والتي لا تمثل أكثر من (5%) من الإنتاج، وتنخفض إلى (5) دولارات للبرميل في بعض الحقول الكبيرة."

 

وبما ان انتاج الحقول الكبيرة هو الأكثر، فأن معدل كلفة الاستخراج سيكون قريبا من الـ 5 دولار للبرميل الواحد، وقد تكون 6 دولار او أكثر قليلا،(6) وليس 20 أو 22 دولارا، بالتأكيد!

وشرح الأمير: "إن الغالبية العظمى من الدفوعات... هي استثمارات لمعدات وإنشاءات وحفر آبار وأعمال مدنية ونصب معدات ومد أنابيب وفتح طرق حقلية وشراء ونصب خزانات ومضخات ضخمة وغيرها". وتبقى هذه المعدات تستخدم لسنوات عديدة قبل ان تستهلك. ولحساب (مبسط لـ) تأثير هذه المدفوعات على كلفة البرميل الواحد، يجب تقسيم مبالغها على عدد البراميل المستخرجة خلال سنوات استهلاكها. وطبيعي ان لكل نوع منها "عمراً" مختلفاً، يتراوح بين (520) سنة وكمعدل يجب تقسيم مبلغها على ذلك العمر. ويذهب الأستاذ حمزة الجواهري ابعد من ذلك فيقدر عمرها الافتراضي ب 30 أو 40 سنة وربما 50 سنة من بدء التشغيل، ...(و) حتى آخر قطرة نفط في الحقل."

كيف إذن وصل البعض إلى حساب كلفة أكثر من عشرين دولاراً للبرميل؟ ما فعله هؤلاء هو انهم قسموا التكاليف الثابتة الاستثمارية، على عدد البراميل التي تم استخراجها بالفعل خلال السنوات الماضية، وليس على طول حياة المشروع أو المعدات! لقد حسبوها هكذا: دفعنا كذا مليار دولار، واستخرجنا كذا مليار برميل خلال الفترة الماضية. إذن نحسب كلفة البرميل بقسمة الكلفة الكلية على عدد البراميل الكلية التي استخرجناها. وقد يبدو هذا منطقياً جداً، لكنه خاطئٌ تماماً. لأننا لم ندفع ما دفعناه من أموال من اجل براميل النفط التي استخرجناها بالفعل فقط، بل أيضا دفعنا كلفة بنية تحتية مازالت صالحة للاستخدام لسنوات طويلة. والحساب الصحيح يفترض تقسيم تلك الكلفة على ما سيتم استخراجه من براميل في المستقبل ايضاً، فبذلك نحصل على الكلفة الحقيقية للبرميل، وهي اقل بالتأكيد مما يحسب في الحالة الأولى الخطأ.

ان موضوع الاندثار موضوع معروف اقتصادياً ولا يمكن لشخص يريد ان يحسب كلفة انتاج شيء ان يكون جاهلا به. كما ان هناك جداول اندثارات لكل المواد المختلفة في الصناعة، فكيف يمكن تجاهل كل ذلك دون اثارة علامات استفهام على من يفعل؟

لم يكن هذا هو التلاعب الوحيد بالأرقام، فمن الأرقام الخاطئة الأخرى التي اشاعها بعض "متابعي النفط" المحسوبين على خندق الشركات، هي الادعاء بأن العراق "خسر" بسبب سوء التدبير، من ثروة النفط للفترة من 2011 إلى 2014، ما قيمته 14 مليار دولار (وذهب البعض الى اكثر من ذلك بكثير). وكان من المروجين لهذه الدعاية الكاذبة رئيس لجنة الطاقة البرلمانية السابق عدنان الجنابي وكذلك عادل عبد المهدي (قبل ان يتراجع متحججاً بسوء فهم كلامه) وهما من عرابي مشروع شركة النفط الوطنية الحالي المشبوه. وهذه المراوغة تم حسابها بالشكل التالي: كانت الخطة الأصلية للاستخراج تهدف إلى الوصول إلى 9 مليون برميل في اليوم الواحد، ثم 12 مليون. لكن هذا السقف لم يتحقق. ما تحقق هو بحدود الـ 3 ملايين فقط. فيقوم من يحسب "الخسارة" بحساب الفرق بين عدد البراميل المخططة وتلك المتحققة لتلك الفترة، ويضرب هذا الفرق بقيمة برميل النفط حينها، ليحصل على ارقام "خسائر العراق"!

ما المشكلة في هذا الحساب الذي يبدو منطقياً ايضاً؟ هناك ثلاث مغالطات وليس واحدة في الحقيقة.

المغالطة الأولى هي أن العراق، حتى لو استخرج 9 ملايين او 12 مليون برميل في اليوم الواحد لما كان بإمكانه ان يسوقها دون ان يحطم الأوبك وحصصها، وكان سيكون لهذا أثر مدمر على مردودات النفط للدول المصدرة كلها مستقبلا حتى إن زادت مردودات الحاضر.

والمغالطة الثانية في هذا الحساب هي انه إن تم تسويق هذه الزيادات، فسوف تتسبب في انخفاض فوري كبير في سعر البرميل، بسبب امتلاء السوق النفطية وفيضانها عن الحاجة أصلا.

فلحساب الفارق أو ما يسمى "خسارة العراق" لعدم استخراجه وتصديره تلك الكمية من النفط، يتوجب علينا استعمال السعر المنخفض المتوقع لبرميل النفط في حالة اغراق السوق بهذه الزيادة، وليس السعر القديم للنفط قبل الإغراق. وهكذا فالزيادة في المردود لا يصح ان تحسب بهذا الشكل ولن تكون ابداً بهذا الحجم. بل قد لا تكون هناك اية زيادة في المردود إن انخفضت الأسعار كثيراً، بل ليس مستحيلا ان الانخفاض في السعر قد يكون تأثيره أكبر من تأثير زيادة الاستخراج، فيكون المردود أقل مما قبل الزيادة! وقد حدثت هذه الحالة الغريبة للسعودية في الماضي بالفعل، حيث كانت تسخر نفطها لتحطيم الدول لحساب الولايات المتحدة حتى لو كانت على حساب مواردها!

ففي دراسة للدكتور اياد القحطاني (7) من جامعة كولورادو لكمية تصدير النفط السعودي لعام 2004، تبين أن زيادة استخراج النفط بنسبة 2.5% تسببت في انخفاض في اسعاره بنسبة 3.8%، اي أن الكمية الاكبر من النفط، كان لها عائد أقل!

يمكننا ان نأخذ مثالا من الحاضر. فبفضل خنوع السعودية لأوامر ترامب وزيادة "انتاجها" من النفط قليلا إلى 12 مليون برميل في اليوم، انخفض السعر العالمي لنفط برنت من 84 دولار للبرميل إلى 61..! وهي نسبة أعلى بكثير من نسبة ما رفعت به السعودية "انتاجها"، أي انها هي ذاتها خسرت، وصارت تبيع الكمية الأكبر بسعر أقل! فكيف إذا ارتفع "انتاج" نفط العراق من 3 ملايين إلى 12 مليون؟

هذه الحقائق التي يحفظها كل من يعرف شيئا عن سوق النفط عن ظهر قلب، ليست ضمن اهتمامات من كان مكلفاً بتشويه سمعة عقود التراخيص مثل عدنان الجنابي وعادل عبد المهدي.

 

 

 

واخيراً المغالطة الثالثة في حسابات هذه "الخسائر"، هي أننا في الحقيقة لم "نخسر" تلك المبالغ! فكل ما حدث اننا لم نستخرج نفطنا ونبيعه بشكل جنوني كما تفعل المملكة العربية السعودية مثلا. وما زال النفط موجودا داخل الأرض، فلماذا يحتسب ثمنه كخسارة وكأن بقاءه في باطن الأرض للأجيال المقبلة، ليس له اية قيمة؟

المشكلة الحقيقية في عقود التراخيص: التبذير غير المبرر في طموحات الاستخراج!

قلنا في بداية هذه المقالة ان الحكومة، ربما بسبب الضغوط السياسية والفنية في ظروف الاحتلال لم تقدم خطة اقتصادية إستراتيجية مقنعة لاستغلال ثروة العراق النفطية. وأنها بدلا من ذلك رضخت لدوافع مختلفة دفعت بها الى تبني طموح غير عقلاني لما يسمى "إنتاج النفط". وبدلا من اللجوء الى خطة عقلانية فأن العراق دفع إلى منافسة السعودية في هذا الجنون.

لكن الحقيقة هي أن جنون تلك الخطة أكبر من الجنون السعودي في "الإنتاج". فعدا الحقائق التي تبين الفارق بين العراق والسعودية التي وصلت إلى هذه المرحلة بعد 70 عاماً، من التطوير الذي شمل البنية التحتية وبناء المصافي وشراء الناقلات لتصل إلى ما وصلت اليه في "انتاجها" وهو ما لم يتح للعراق ولا حتى جزئياً، فإننا نتساءل: ما الذي كسبته السعودية من هذا "الإنتاج" البالغ لكي يقتدى بتلك السياسة؟ وأين ذهبت أموال تلك الثروات الهائلة التي تم ضخها؟  لقد ذهبت لدعم بنوك أميركا وإنكلترا في أزماتها، وشراء ترسانة هائلة من الأسلحة لهدف غير واضح، إضافة إلى تمويل مشاريع اسقاط الدول والحكومات والإرهاب بتوجيه امريكي، فلماذا يريد العراق السير في طريق هذه نتائجه؟

نبه الأستاذ فؤاد الأمير الى أن "الحكومة المركزية صارت مثل كردستان، "تركض" لتوقيع العقود النفطية والغازية. حيث أن عدد العقود التي وقعتها الحكومة المركزية قد بلغت (15) عقدا خلال أقل من عامين (في دورات التراخيص الثلاث الأولى)(8(

وبدا واضحاً ان وزارة النفط تشعر أن هناك تآمراً على النفط العراقي، وانها كانت تسعى الى المسارعة بتوقيع العقود خشية الوصول الى وضع اصعب، يتيح للشركات الامريكية استغلاله لتوقيع عقود (مشاركة) سيئة كما في كردستان.

لكن هذا لا يمنع الضرر. فقد شرح الأستاذ منير الجلبي في مقالته "النفط العراقي: ما المخفي داخل عقود دورات التراخيص الأولى والثانية" أضرار المادة (12) التي تخص الزام العراق بـ "الإنتاج" الأقصى، وكذلك عن المادة (37)، والتي تعطي "غرفة التجارة العالمية"، التحكيم القطعي وأن يكون مقر التحكيم باريس. ويبدو أن هذه المادة الأخيرة ما كان بالإمكان تجنبها في ظروف العالم الحالية، وحيث ان الشركات لا تثق بالتحكيم الوطني للبلد.

 

ويشرح الأستاذ فؤاد الأمير في دراسته نظرة في دورات التراخيص النفطية والغازية ونشرها في كتاب "الجديد في القضية النفطية العراقية"، أن تلك المادة في العقود، تفقد العراق بعض حريته في تحديد كمية انتاجه وتوزيعها بين الآبار والحقول كما يرى في صالحه، وفي هذا بعض المساس بالسيادة، إضافة الى تكاليفها المالية الباهظة.

فالعراق لن يمكن ابداً ان يحصل من أوبك على السماح بهذا الحجم من "الإنتاج". لقد كانت حصة أوبك من النفط الخام في 2010 (29,3) مليون برميل/اليوم، ولديها فائض مقداره ما بين (6-7) مب/ي. وبسبب حساسية سوق النفط فأن أية زيادة إضافية قد تسبب انهيارا في الاسعار. حتى عام 2020 ستزداد حصة أوبك بمقدار 3,9 مب/ي عن 2010. ولو أعطيت كلها للعراق، (وهو أمر مستبعد) لأصبحت حصته حينها (6,2) مب/ي، وهو رقم بعيد عن خطته للوصول إلى (13,5(

الحل الثاني لدى العراق، هو الخروج من أوبك (والذي قد ينتج عنه تفكيكها أو حلها بالكامل)، وهو ما تسعى إليه الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة وتعمل جاهدة على تنفيذه. فقد كانت تحطيم الأوبك دائماً هدفاً سعت الولايات المتحدة إلى تحقيقه منذ زمن، وكان آخر ما كشف عنه، ما نشره "كريك بالاست Greg Palast" من (323) صفحة من الوثائق السرية عام 2005  حول مقترح للمحافظين الجدد للرئيس بوش الابن لدفع العراق لتتجاوز حصته في أوبك كثيرا، بأمل الوصول إلى انهيار الأسعار وتفكيك أوبك من خلال العراق الذي كان من مؤسسيها! (فؤاد الأمير(.

هذا الخيار خيار خاسر، سياسياً ومادياً اذن، لأنه سيؤدي في النهاية الى انهيار الأسعار وخسارة الكثير. فلا يبقى إلا أن يقبل العراق بدفع "حوافز الشركات" عن البراميل التي لم تنتج. وقد حسب فؤاد الأمير ان العراق لو اكتفى بـ "انتاج" 6 مب\يوم بدلا من الـ 12 القصوى، فأن مقدار ما سيدفعه سيكون 1,71 مليار دولار في العام للشركات (بفرض ان الشركات لن تطالب بغير الحوافز). والآن وقد خفض العراق السقف الأقصى الى 9 مب\ اليوم، (مقابل تمديد أطوال العقود و تخفيض حصة الجانب العراقي من تجمع الشركات من 25% إلى 10%) يمكننا ان نقدر الحد الأقصى لما قد يدفعه العراق بنفس النسبة، بأنه بحدود 850 مليون دولار في العام.

الحل؟ يرى الأمير: " التفاوض مع الشركات لإلغاء أو تعديل هذه المادة بالصورة التي تخدم العراق، ويمكن العمل بها. ويفضل أن يتم ذلك من الآن، إذ أن هذا التخفيض يعني أيضاً تقليل الاستثمارات الأولية (إذ سنقلص الإنتاج)"، وبالتالي فهو يخفف ضغط القروض على البلاد. وكتب "إن إعادة النظر بهذه الفقرة ليس أمراً مستحيلاً، حيث أن هناك مجال للمناورة والمساومة في فقرات أخرى من العقود، كمسألة هامش الربح وغيرها."

 

اعتراضات شائعة على عقود التراخيص واجوبتها

 وردت الكثير من الاعتراضات المنطقية وغير المنطقية على عقود التراخيص في مقالات ومقابلات تلفزيونية ودراسات اقتصادية مختلفة (9).  وقد ناقشنا اهم تلك الاعتراضات، ونكمل القائمة بالاعتراضات التالية والرد عليها.

1-ندفع في عقود الخدمة أرباحاً ثابتة للشركات حتى لو انخفضت أسعار النفط، فكيف تكون في صالحنا؟

هذا صحيح، لكن هذه طبيعة عقود الخدمة. الدولة تحصل على كل أرباح زيادة الأسعار، وتتحمل خسائر انخفاض الأسعار من الجهة الأخرى. ولكن جب ان تنخفض الأسعار بشكل شديد جداً قبل ان يتساوى ما يمنحه عقد المشاركة مع عقد الخدمة.

مادامت أسعار النفط عالية، فأن عقود الخدمة هي التي تعطي الدولة حصة اكبر مما تعطيها إياها عقود الشراكة. وكلما انخفض سعر النفط، كلما اقتربت النتائج المالية لعقود الخدمة مع عقود المشاركة، أي أن الفرق بين ما تربحه الدولة بين نوعي العقود سيكون أقل، وسيقترب النوعان من بعضهما. لكن الانخفاض يجب ان يكون شديداً قبل ان يتساوى النوعان من العقود. وصحيح أنه اذا هبطت الأسعار اكثر، فستكون عقود الشراكة أجدى للدولة من ناحية المردود المالي. لكن في أي سعر للنفط يكون هذا؟

لقد حسب الأستاذ أحمد موسى جياد ذلك فوصل إلى أن عقود الخدمة أجدى ماليا للدولة إلى ان ينخفض النفط تحت 10 دولار للبرميل الواحد! فما دامت أسعار النفط لم تهبط هذا الهبوط الشديد، فأن عقود الخدمة التي وقعتها بغداد، اكثر مردوداً من عقود المشاركة التي وقعتها كردستان.

إضافة إلى ذلك فهناك السلطة السيادية على النفط، وهي مهمة جداً، وهي افضل دائما وبكثير في عقود الخدمة، حيث لا تستطيع الشركات ان تفرض رأيها إلا في حالات خاصة جدا وبطرق الاحتيال والرشاوي. لذلك فأن عقود الخدمة هي الأنسب في الغالبية الساحقة من الحالات.

2-هناك تكاليف إضافية مثل تكاليف حماية خبراء الشركات وموظفيها! وهناك رواتب خبراء الشركات وموظفيها، بعضها يبلغ 60000 دولار شهريا لصغار المدراء، وأنه "لا يحق لاحد الاستفهام من الشركة المتعاقدة عن أرقامها الخيالية"

من الطبيعي ان تتكفل الحكومة بالحماية وتكاليفها في مثل هذه العقود. وهذا أفضل من ترك الأمر للشركات، لتحسبها بنفسها وتتصرف بها، وتأتي بمن تشاء للحماية مثل "بلاك ووتر" وأمثالها من العصابات إلى العراق. أما تكاليف ورواتب الموظفين فهي ليست جزء من العقود. التكاليف تحدد من خلال تقديم الشركة 3 عروض تختار الحكومة الأنسب منها، وتستطيع الحكومة الضغط وتقديم بدائل بنفسها إن كان هناك ارادة. أما ان لم يكن هناك إرادة فالعقود لا تستطيع حل المشكلة، مهما كانت نصوصها مناسبة.

 

3-لا يوجد نص يحدد استخدام الكوادر العراقية في العقود

في الحقيقة هناك نص يقول (ان الشركات المتعاقدة، تقوم بتشغيل الكوادر العراقية، قدر الإمكان)

وعبارة "بقدر الإمكان" تتيح لفريق الحكومة اجبار الشركة على تشغيل الكوادر العراقية المتوفرة وتستطيع محاججتها بها متى توفرت تلك العناصر.

4-في العقود نص يقول: لا تسري القوانين الجديدة بما فيها الضريبة على الشركات الاجنبية العاملة في البلد.

هذا شيء طبيعي، فليس من المعقول أن تسري قوانين ضريبية جديدة على الشركات بعد توقيع العقد. فلا تستطيع ان توقع عقدا مع شركة وتبلغها بأن الضريبة ستكون 30% على أرباحها، على سبيل المثال، ثم تغير نسبة الضريبة وتجعلها 50% بعد توقيع العقد.

5-لا يتم التحكيم على الخلافات بالمحاكم الوطنية بل في المحاكم الدولية ومنها محكمة غرفة التجارة الدولية في باريس.

هذا صحيح وهو في غير صالح الدولة المضيفة لكن للأسف لا مفر من ذلك، وهو من مكاسب الضغط الرأسمالي الذي تم تثبيته في قوانين التجارة العالمية لإعطاء الشركات الأفضلية على الحكومات.

6-في عقود الخدمة تتحكم الشركات النفطية بالتكاليف والتكنولوجيا

في عقود الخدمة عقود تأتي الشركات بخبراتها التكنولوجية لخدمة العقد، وتقدم قائمة بتكاليف تلك التكنولوجيا. لكن هذا لا يعني أن الدولة المضيفة ليس لها رأي في ذلك، بل يمكنها ان تجادل وتفاوض على كل من التكنولوجيا وكلفتها في كل مراحل تنفيذ العقد، وتسعى إن استطاعت ان تبين ان التكنولوجيا غير مناسبة او ان تكاليفها مبالغ بها وتشتكي إن اضطرت إلى المحكمة التي قد لا تستطيع ان تقف بجانب الشركة دائماً. ويعتمد هذا طبعا على قدرة الدولة وكادرها من ناحية المعرفة التكنولوجية والمتابعة، ومن ناحية النزاهة والإرادة السياسية.

7-طول فترات العقود غير المعتاد، تفرغ عقود الخدمة من استقلاليتها.

صحيح الى حد ما. المفروض بعقود الخدمة انها تضع على الشركات خدمات محددة تنفذها وتترك المكان، أما ان يكون العقد طويلا جدا ليغطي عمر البئر مثلا، فهو يسلط ضغطا على حرية التصرف الحكومي والقدرة على المناورة للخيارات الجديدة الأنسب وربما الأقل كلفة، وإن لم يكن يسلط ضغطا فيما يتعلق بالسياسة النفطية.

 

8-إن كانت عقود التراخيص جيدة، فلماذا كلفة "انتاج" البرميل فيها اكبر بكثير من تلك التي قبل الاحتلال؟

يجب ان نذكر بداية، أنه في الفترة التي سبقت الاحتلال الأمريكي في 2003، كانت التخصيصات لتطوير القطاع النفطي قد توقفت من زمن طويل، لذلك لم تكن هناك "كلف استثمار" ثابتة، وكانت "الكلفة التشغيلية" وحدها، هي الكلفة الكلية. ولهذا كانت كلفة إنتاج برميل النفط العراقي واطئة جدا وتبلغ (1,62) دولاراً. (فؤاد الأمير) ولكن بعد عام 2003 والعمل على زيادة الإنتاج، تم إدخال استثمارات كبيرة جديدة، لذا توجب إضافة مبالغ اندثاراتها و "كلفة رأس المال" إلى الكلف التشغيلية، من اجل حساب الكلفة النهائية لاستخراج برميل النفط"(2) وهو ما زاد كلفة انتاج البرميل الواحد، ولا علاقة لذلك بسوء عقود التراخيص.

خاتمة:

تحدثنا في الجزء الأول عن تاريخ التآمر عن النفط العراقي بشكل خاص بعد الاحتلال الأمريكي، والدور الخطير الذي مارسه ساسة كردستان فيه.

وفي الجزء الثاني بينا بشكل مبسط الفروق الأساسية بين عقود مشاركة الإنتاج وعقود الخدمة، ولماذا تفضل الشركات الأولى وتفضل الدول الثانية، ولا يتم اللجوء إلى الأولى إلا في حالات التنقيب في أماكن تتحمل مخاطرة كبيرة لعدم وجود النفط فيها. ولذا تجد رئيس الحكومة المنصب بشكل غير دستوري، عادل عبد المهدي او الهادي، يؤكد حين كان وزيرا للنفط عزمه على توقيع عقود مشاركة في الإنتاج للمناطق غير المستكشفة باعتبار ان فيها مخاطرة عالية.

والحقيقة انها كذبة كبيرة. فأولا ليس العراق بحاجة إلى اية عقود إضافية، فهو اضطر الى دفع المبالغ للشركات من أجل تغيير العقود لخفض الحد الأقصى للاستخراج لأنه لا يملك البنية التحتية لاستيعابها أولا، ولأن سوق النفط مشبعة بشكل لا يتيح المزيد من التصدير دون تحطيم الأسعار.

ويذكرنا تصريح عبد المهدي المذكور بالاحتيال الذي مارسه اشتي هورامي بوضع حقول منتجة في قائمة "الرقع الاستكشافية" من اجل ان يتمكن من إعطائها للشركات بعقود مشاركة انتاج! ولذلك لا يمكننا ان نصنف مقولة عبد المهدي إلا ضمن استمرار تآمر الشركات على النفط العراقي وسعيها لفرض عقود مشاركة الإنتاج بأي شكل كان.

خصصت الجزء الثالث للحديث عن عقود التراخيص وبعض الأحداث المرتبطة بها والضرورية لتوضيح الصورة لدى المواطن. وفي الجزء الرابع قدمنا مناقشة سريعة لبعض تفاصيل تلك العقود. وعدت في الجزء الخامس لإعطاء فكرة عن طريقة حساب كلفة برميل النفط، وهو موضوع أساسي تمت ممارسة الاحتيال كثيرا في حساباته، للهجوم على التراخيص. هذا الهجوم الإعلامي نوضح تفاصيله الأساسية في الجزء السادس.

وبعد تحديد نقاط الخلل الحقيقية التي لا تنكر في عقود التراخيص، في الجزء السابع، وأهمها تحديد سقف انتاج عال جداً، وكلفة ذلك على العراق، نعود للرد على اهم نقاط الحملة الإعلامية التي هاجمت العقود في الجزء التالي، أي الثامن، واخيراً ها نحن نلملم ما سبق طرحه في هذه الخاتمة.

المؤامرة لتحويل عقود التراخيص الى عقود مشاركة انتاج او أي شكل اخر، مازالت مستمرة وشرسة، وقد بدأت قبل الاحتلال ونشطت في أول حكومة عينها الاحتلال متمثلة بالدكتور اياد علاوي، ولم تتوقف يوماً، بل تأخذ اشكالا مختلفة آخرها كان قانون "شركة النفط الوطنية" الذي مرر خلسة. ومن الجدير بالذكر ان الدكتور اياد علاوي تحدث في مقاله المذكور أعلاه(3) عن ضرورة انشاء "شركة نفط وطنية" وخصخصتها! وطبيعي ان د. علاوي لا يعرف من النفط أكثر مما يعرفه عادل عبد المهدي: صفر! لكن المهمة التي كلفا بها لا تتطلب اكثر من تمشية سياسة معدة لهما مسبقا، ووضع التواقيع عليها.

ولكي نفهم حجم المؤامرة، نذكر ان الشهرستاني اخبر فؤاد الأمير بأن أحد خبراء النفط العراقيين المعروفين، تجرأ ان يقترح عليه إعطاء نفط كركوك والرميلة بشكل "عقود مشاركة"، وهي حقول منتجة!! وهذا وامثاله نبه الشهرستاني الى الخطر الذي يتعرض له النفط مستقبلا، وهو ما قال انه جعله يستعجل توقيع العقود لكل الحقول والرقع الاستكشافية، لكي يفوت الفرصة على من يريد ما هو أسوأ.

إن عقود التراخيص، رغم كل ما عليها من سلبيات تم ذكرها، كانت في تقديري "مقبولة"، خاصة ان اخذنا ينظر الاعتبار حجم الفساد المهول وسيطرته على البلاد وعلى الحكومة، وعودة الجيوش الامريكية ودور السفارة العملاقة بكل مؤسساتها المجهولة، في تحديد الحكومات وسياساتها. ولعل المؤشر الأهم على ذلك هو انسحاب العديد من الشركات من العقود التي حصلت عليها مثل أكسون موبايل وشيل وشيفرون، وهو ما يدل على ان ارباحها كانت على الحافة واقل من طموحاتها كثيرا، أي انها كانت مناسبة للعراق. لقد صمد النفط بفضل من دافع عنه، لكن المعركة دائرة، والسنوات القليلة القادمة ستكون بلا شك حاسمة في ملف النفط العراقي، وبالتالي مصير الشعب العراقي ككل.

ينشر المقال بشكل حلقات: (الحلقات التي لا تتوفر روابط لها، يمكن ايجادها بواسطة كوكل، إن كان قد تم نشرها)

 (*) صائب خليل - حكاية عقود التراخيص في حلقات 1 الحكاية والمؤامرة على النفط

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2315219915201731

 (**) صائب خليل حكاية عقود التراخيص 2 عقود مشاركة الإنتاج وعقود الخدمة

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2317057748351281

 (***) حكاية عقود التراخيص 3 جولات التراخيص كما حدثت

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2319067224817000

 (****) حكاية عقود التراخيص 4 مناقشة العقود

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2321985824525140

 (*****) حكاية عقود التراخيص 5- أساس مبسط لحساب كلفة البرميل

 (******) حكاية عقود التراخيص 6 الحسابات الخاطئة والهجوم على جولات التراخيص

 (*******) حكاية عقود التراخيص 7- مشكلة عقود التراخيص: التبذير في طموحات الاستخراج!

 (********) حكاية عقود التراخيص 8 اعتراضات شائعة على عقود التراخيص واجوبتها

 (********) حكاية عقود التراخيص 9 خاتمة

 (1)  Future of Iraq Project - SourceWatch

https://www.sourcewatch.org/index.php/Future_of_Iraq_Project

(2) علاوي يضع الخطوط العامة للسياسة النفطية الجديدة

ترجم المقال ونشر في صحيفة الغد (منبر اليسار الديمقراطي) العراقية في 22/11/2004، ونشر الأستاذ فؤاد الأمير مقالة لمناقشة هذه السياسة في العدد الصادر في 9/1/2005. وكلا المقالين موجودين في كتاب: مقالات سياسية اقتصادية في عراق ما بعد الاحتلال. فؤاد قاسم الأمير، نيسان 2005، دار الغد.

 (3) John Perkins - Confessions of an Economic Hit Man - Part I

http://www.youtube.com/watch?v=yTbdnNgqfs8

(4) "هل تم تكليف العراق بتحطيم أوبك؟"

المقالة في صحيفة "الأخبار" اللبنانية،

 (5) - "دور الشركات النفطية العالمية في تنمية القطاع النفطي الإستراتيجيتقييم وتحليل" د. فالح حسن الخياط، محاضرة في "الندوة الصناعية للمندى العراقي للنخب والكفاءات"، 2122/5/2015 في إستنبول/تركبا.

 (6) وضع ديوان الرقابة المالية التقدير بين 9 إلى 10 دولارات

 (7) دراسة الدكتور اياد القحطاني حول تأثير زيادة ضخ النفط في السوق على اسعاره

http://www.iaee.org/en/students/best_papers/Al-Qahtani.pdf

(8) كتاب الأستاذ فؤاد الأمير "نظرة في دورات التراخيص النفطية والغازية".

http://www.albadeeliraq.com/article16756.html

(9) د. نبيل جعفر عبد الرضا: التراخيص النفطيةقيود جديدة على الاقتصاد العراقي

goo.gl/aaz1ZZ

 (10) لاحظ حمزة الجواهري ان معظم الكلفة التشغيلية هي مبالغ سوق يعاد تدويرها في الاقتصاد العراقي، مثل رواتب الموظفين.