هل كانت تظاهرات 9 و10 يونيو تمثيلية؟

عبدالله السناوي

 

 

عند هزيمة (5) يونيو/حزيران (1967) تقوضت الشرعية وسقط النظام.

كان رأي «جمال عبدالناصر»، أن النظام الذي يفشل في صيانة التراب الوطني لا يحق له البقاء، غير أنه تبدت في تظاهرات (9) و(10) يونيو شرعية مستأنفة رفضت تنحّيه وفوّضت إليه إزالة آثار العدوان.

لم يسبق لأمة مهزومة ومجروحة في كبريائها الوطني أن راهنت على قائدها المهزوم، باعتباره أملها في تحرير أراضيها التي احتلت.

بأي قياس تاريخي فإنه حدث استثنائي.

المفاجأة أخذت «عبد الناصر»، الذي كان يتصور أن تُنصب له المشانق في ميدان التحرير.. لا أن تخرج الملايين تعرض المقاومة وتطالبه بالبقاء.

هناك من شكّك في تظاهرات (9) و(10) يونيو ك «تمثيلية» دبرها «عبدالناصر» للبقاء في السلطة، والإفلات من مسؤولية الهزيمة، أو نسبها لتدبير من الاتحاد الاشتراكي.

بعض الذين طرحوا شكوكهم استندوا إلى وقائع حقيقية لدعوات من مسؤولين في الاتحاد الاشتراكي للخروج، أو التحريض عليه، غير أن الفعل التاريخي نفسه كان عفوياً ومباشراً لم ينتظر توجيهاً من أحد، ولا كان في طاقة أي تنظيم أن يدفع الملايين إلى الشوارع في لحظة واحدة.

قيل إن الناس لم يكونوا مطلعين على حجم الهزيمة، وإنهم لم يجدوا غير «عبدالناصر» أمامهم، غير أنه عندما تبدت الهزيمة أمام الناس وأمام العرب في كامل حجمها المروع خرجت العاصمة السودانية الخرطوم بكامل أهلها، حتى خلت المنازل من سكانها، لاستقبال القائد المهزوم الذي وصل إليها دون سابق إعلان لحضور القمة العربية.. كان ذلك حدثاً تاريخياً مشهوداً لا مثيل له.

في مذكرات أمين عام الجامعة العربية الأسبق «عمرو موسى»، إشارة إلى أنه كان هناك «ترتيب» لتلك المظاهرات، مستنداً إلى أنه استمع، كما استمع كثيرون لأصوات انفجارات في القاهرة قيل إنها لطائرات «إسرائيلية» تحلق وتقصف، ثم ثبت أنها طلقات مدفعية مصرية. الحقيقة لم يكن ذلك من ضمن أي ترتيبات لخروج مظاهرات. العكس كان صحيجاً، فقد استهدف منع أي ردات فعل شعبية متوقعة على تنحي «عبد الناصر» بإثارة مشاعر الذعر والخوف من تدهور أمني كبير في العاصمة.

أثبتت تحقيقات رسمية أن وزير الحربية في ذلك الوقت «شمس بدران»، كان وراء ما جرى بأمل أن يتولى هو رئاسة الجمهورية، دون أن يكون بوسع أحد أن يوقفه.

حسب ما رواه «عبدالناصر» بنفسه أمام اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي يوم (٣) أغسطس/ آب (١٩٦٧) فإنه: «بعد ظهر يوم ٩ يونيو اتصلت بعبد الحكيم عامر تليفونياً قبل إذاعة بيان التنحي، وأبلغته أني فكرت جيداً، ووجدت أن زكريا محيي الدين هو أصلح شخصية تتولى رئاسة الجمهورية بعدي. هنا بدأت مشكلة شمس بدران؛ لأنه اعتبر نفسه رئيساً للجمهورية من الساعة الحادية عشرة مساء يوم الخميس لغاية ما أذاعت بيان التنحي بعد ظهر الجمعة ٩ يونيو، كما اعتبر أني بترشيح زكريا محيي الدين رئيساً للجمهورية قد اعتديت على منصبه الشرعي وعزلته».

«وقد حدث أثناء إلقائي البيان في مكتب بقصر القبة أن طلب شمس بدران سكرتيري محمد أحمد طالباً أن يبلغني فوراً بضرورة عدم استمرار إلقائي باقي البيان.. كان ذلك أمرًا خيالياً».

من أدوار «محمد حسنين هيكل»، التي تستحق اعترافاً بفضله، امتناعه عن تسمية «شمس بدران» في خطاب التنحي رئيساً مؤقتاً للبلاد. لم يكن مقتنعاً أنه الرجل المناسب، حتى لو كان الرئيس والمشير اتفقا عليه ريثما يتم ترتيب الأمور في البلاد وداخل القوات المسلحة باعتباره وزيراً للحربية.

اقترح «هيكل» اسم «زكريا محيي الدين» رئيساً، واقتنع «عبدالناصر» بأنه الخيار الأفضل فأصاب الجنون تصرفات وزير الحربية في ذلك الوقت.

تلك أسباب طلقات المدفعية وصفارات الإنذار، التي دوت في القاهرة، وأثارت تأويلات عن أسبابها ودواعيها.

في أعقاب الهزيمة جرى اكتشاف تنظيم سري داخل القوات المسلحة، أغلبيته من خريجي دفعة «شمس» في الكلية الحربية عام (١٩٤٨)، دون أن يكون الرئيس على أدنى علم به. اعتقل أعضاء التنظيم وواجهه «عبدالناصر» قائلًا: «لقد خنت ثقتي، ولم تكن جديراً بها».

بعد أن دارت الأيام عقوداً بعد أخرى كتب «شمس بدران» مذكرات تضمنت إساءات متعمدة ل«عبدالناصر»، وقصصاً موتورة لا يمكن تصديقها، كأنه لم ينسَ أنه كان على بعد خطوة واحدة من مقعد رئيس الجمهورية. كانت شهوة الحكم بغير استحقاق فوق آلام بلد تلقى هزيمة لا يستحقها. السؤال الأولى بالإجابة عنه: لماذا خرجت الملايين تطالب ببقاء القائد المهزوم؟

إنه قوة المشروع وما حققه من تحولات جوهرية في بنية المجتمع، وما خاضه من معارك أضفت على مصر هيبة القيادة، وما أطلقه من أحلام كبرى لم يكن يسيراً التنكر لها. ثم إنها الوطنية المصرية التي أدركت في لحظة السقوط أنها مقصودة بذاتها.

أثبتت الأحداث فيما بعد أن الرهان على «عبدالناصر» كان في محله. أعاد بناء القوات المسلحة من تحت الصفر، وامتلكت مصر أقوى جيش لها في التاريخ الحديث، تجاوز حجمه المليون جندي، أغلبه من خريجي الجامعات المصرية.

جيش حديث يأخذ بالعلم وفنونه وقواعد الضبط الصارمة تحكمه، والفضل في ذلك يعود أساساً لقائده العام بعد الهزيمة الفريق أول «محمد فوزي»: تدريبات قاسية، وبروفات جادة في ميادين القتال أثناء حرب الاستنزاف قبل أن نذهب إلى حرب أكتوبر/ تشرين الأول. أعطت مصر أقصى ما لديها من إرادة القتال.

ماذا كان يمكن أن يحدث إذا انقضى شأن «عبدالناصر» يوم التنحي؟

التاريخ لا يعرف الأسئلة الافتراضية غير أن الهزيمة تبدأ في «الإرادة».