هل يحق لعبد المهدي تسليم رواتب موظفي كردستان عند عدم تسليمها النفط؟ ج1

 

صائب خليل

 

 

قال عادل عبد المهدي في مؤتمره الصحفي الأسبوعي، إن "كردستان لم تسلم الحكومة الاتحادية برميل نفط واحد" لكن "الحكومة الاتحادية لن تقطع رواتب موظفي إقليم كردستان" ولا بيشمركتها طبعاً. وسمى سرقة كردستان العلنية والصريحة للنفط بأنها "خلافات سياسية"!، ثم دافع عادل عبد المهدي عن موقفه من تسليم رواتب كردستان بأنه يفعل ذلك لكي لا تصير تلك الخلافات "مصدرا لتهديد السلم المجتمعي".!!(1)

هذه الصلافة في التلاعب بالكلمات تدق جرس الإنذار بأن هناك خللاً خطيراً في فهم الناس لما يجري، يتيح للساسة المحتالين أن يتلاعبوا بالكلمات بهذا الشكل المفضوح، وهذا الخلل خطر ويجب تعديله.

عبد المهدي (إن صح الإسم) يستند في موقفه إلى مادة في الموازنة. وفي الموازنة عشرات الألغام التي قام البايعين بلادهم من جهة وبليدي العقول من الجهة الأخرى (وهي كل مكونات البرلمان الحالي والحكومة) بتثبيتها. لكن اللغم الأكبر والأخطر والخنجر الأعمق هو خنجر المادة الخاصة بتسليم موظفي كردستان رواتبهم حتى في حالة عدم تسليم الإقليم لنفطه. فما المشكلة في تلك المادة حقيقة الأمر؟ اليست الحكومة العراقية مسؤولة عن موظفي كردستان مثل غيرهم من الموظفين العراقيين، بغض النظر عن علاقتها بحكومة كردستان و "الخلافات السياسية" (كما يقول عبد المهدي)؟ ما المشكلة إذن في أن تدفع الحكومة رواتب الموظفين في كردستان؟

الحقيقة ان هذا السؤال أو الخطاب، قد تم نشره من قبل ساسة كردستان بشكل كبير وكثيف جدا في الإعلام، حتى اقتنع بصحته نسبة كبيرة من أبناء الشعب العراقي، أو على الأقل اعتبروا أن "فيه وجهة نظر". وكان الفضل في اقناع الناس بهذا الاحتيال يعود للإعلاميين "العراقيين" الذين ادوا دورهم التشويشي بامتياز من خلال "الصمت" عن كشف الحيلة والمراوغة المنطقية.

أسهل طريقة لاكتشاف المراوغة وخللها هو ان نحاول تطبيق نفس المنطق على الجميع، وفق مبدأ المساواة الأساسي في الدستور. لنفرض أن البصرة وذي قار وكل المحافظات، "اختلفت مع الحكومة سياسيا"، كما يقول عبد المهدي، وامتنعت عن تقديم أي من ثرواتها أو مدخولاتها الى الحكومة، واشترطت وفق مبدأ المساواة، ان تستمر الحكومة بدفع رواتب موظفيها، فماذا ستفعل الحكومة؟ من أين ستأتي بالرواتب؟ إذن هذا المنطق يقودنا الى تناقض وإلى حالة مستحيلة، فهو منطق مختل، لكن أين الخلل؟ وكيف وصلنا إلى العلاقة المختلة مع كردستان إذن؟

الامر بدأ منذ ان صار العراق تحت سلطة أمريكا منذ خيمة صفوان. فمنذ ذلك الحين فأن "حكومات إسرائيل المختارة" مثل حكومة الأردن، تحظى من العراق بما لا تحظى به بقية الدول المماثلة الأردن مثالا. كذلك فأن كردستان كانت "إقليم إسرائيل المختار" وكان لها من "الحقوق" ما ليس لغيرها من مناطق العراق. وقد تم تنفيذ هذا الأمر بالضغط على الحكومات العراقية حتى اليوم، فلا يوجد لدى صدام او المالكي أو العبادي أي سبب لإحراج نفسه وخسارة ثروة تحت تصرفه لكردستان، ما لم يكن الضغط الأمريكي الإسرائيلي هو السبب مستفيداً من فساد الحاكم واستماتته من اجل الكرسي. وحين وصل عبد المهدي، اختلف الامر، فهو من "آل البيت الإسرائيلي" وليس بحاجة إلى الضغط لكي يتصرف كما يراد له ان يتصرف.

منذ البداية، سارعت حكومة اياد علاوي، وباقتراح من عادل عبد المهدي، الذي نصب وزيراً للمالية حينها، إلى تخصيص حصة من الثروة ومقاعد مجلس النواب تبلغ مرة ونصف بقدر نسبة كردستان الحقيقية التي عبرت عنها الاحصائيات السابقة والبالغة بحدود 10,5 %، إضافة الى رئاسة الجمهورية ومنصب وزاري سيادي أو اكثر، واشياء أخرى كثيرة. إضافة الى موارد الحدود والضرائب وغيرها. وفوق ذلك كله اكتشف ان عشرات المليارات قد تم تسليمها لكردستان فوق حصتها المغشوشة أصلا، وبطرق لم يعلن عنها، ولن تعود تلك المبالغ ابداً فقد تم دفنها في النسيان ولا يذكرها أحد.

إضافة الى استخدام الضغط الأمريكي على الحكام الفاسدين، حققت كردستان ابتزازها المتزايد باتباعها نصيحة السفير الأمريكي غالبريث، بسياسة تتخلص في "السعي الى اثارة المشاكل، ثم السعي الى حلها بطريقة تجبر الحكومة على تقديم المزيد من التنازلات." وقد كتبنا الكثير جدا من المقالات حول هذه النقطة ولا ننوي إعادة طرح الأمثلة على تطبيقها هنا، ويمكن مراجعة هذه المقالة لأخذ فكرة جيدة عنها لمن يحب: (2)

استنادا الى هذه السياسة، ثبتت كردستان الحصة الرسمية التي تبلغ مرة ونصف من حقها، ثم بدأت تحفر آبارها وتعطي المقاولات للشركات بطريقة "مشاركة الإنتاج" وقامت بنقل بعض الحقول المنتجة وسلمتها للشركات كمناطق استكشافية في عقود لم تطلع الحكومة العراقية عليها ولا حتى برلمان كردستان. وحاول المالكي والشهرستاني وقف هذه العملية دون جدوى وتحولا الى شيطانين بفضل الإعلام الأمريكي الشديد القوة في العراق، وكذلك الامر بالنسبة لحنان الفتلاوي وعالية نصيف.

ومع الانتقال الى العقود المباشرة دخلت عملية الغش الكردستاني مرحلة خطيرة، لا تكتفي بإفقار البلاد فقط، بل تهدد كيانها ووحدتها. لم يعد الأمر مجرد سرقة 50% من قيمة حصتها، لأن "حق" التعاقد مع الشركات، يمكن ان يدمر البلاد لو طالبت بقية المحافظات بشيء مماثل.

ثم توالت تلك الأفضليات المدمرة. فبعد تثبيت "حقها" في توقيع العقود السرية، وكأنها دولة أخرى، وتصديرها النفط سراً من خلال تركيا، طالبت كردستان بكل وقاحة، تنفيذا لاستراتيجية غالبريث أعلاه، من حكومة العراق ان تدفع لها "مستحقات" الشركات حسب العقود التي وقعت بدون موافقة أو علم بغداد! وبعد صمود لفترة من الزمن وافق المالكي حفاظاً على كرسيه، وطالبهم فقط بالوصولات ليدفع على أساسها. لكن كردستان، وقد تحقق لها ما أرادت، رفعت مطالبها وفق الاستراتيجية المذكورة، فطالبت بدفع مبالغ المستحقات الأولى أولا، قبل تقديم الوصولات! رفض المالكي وقاوم لفترة من الزمن، ثم رضخ ودفع القسط الأول على ان تقدم الوصولات بعد الدفع، فكانت خطوة كردستان التالية أن لا تقدم الوصولات وتطالب بقسط ثان! ووافق على دفع القسط الثاني في انتظار الوصولات، ولم تقدم الوصولات، وحسب علمي فلم تقدم اية وصولات حتى اليوم! وتخيلوا كم مشينا في هذا الخلل، لو طالبت بقية المحافظات المعاملة بالمثل!

لم تكتف كردستان طبعا بهذه الانتصارات فحاولت ان تبيع النفط المستخرج سرقة، في سوق النفط العالمية. وهنا واجهت كردستان مشكلة عويصة حيث ان المالكي قدم شكوى إلى جهات عالمية لم تستطع كردستان رشوتها او تهديدها فبقيت شاحنات النفط الكردستاني المسروق تجوب البحار خشية مصادرتها لصالح العراق. وأخيرا استقر بها الحال الى بيع النفط الى الكيان المارق عن كل القوانين، إسرائيل. وبلغ البيع كمية غطت ثلاثة ارباع حاجة اسرائيل.

كطريقة للتعايش مع الحال الأعوج المفروض بالقوة، تم في اثناء حكم المالكي تحديد "حصة" يتوجب على كردستان لتقديمها للحكومة، وهو تنازل مدمر آخر، لأن النفط كله يجب ان يمر من خلال المركز وليس بعضه. بعد تحقيق هذا الإنجاز، كانت الخطوة التالية لكردستان ان امتنعت تدريجيا عن تقديم حصتها من النفط وكانت تستلم حصتها من الموازنة بلا اشكال، ثم حولها المالكي الى شكل قرض لحين تسليم النفط، الذي لم يسلم ابداً. قرض كان المالكي يعلم ان العراق لن يستعيده ابداً. ثم توقف المالكي عن الدفع لاستمرار حكومة كردستان بالامتناع عن تقديم النفط. واثيرت ضد المالكي الذي كان قد قدم لكردستان تنازلات هائلة، حملة إعلامية عجيبة جعلت منه شيطانا رجيما وشوفينيا عربياً لا رحمة في قلبه لموظفي كردستان "الأبرياء" الذين لم يستلموا رواتبهم. وطبيعي أن كردستان كانت تصدر نفطا اكثر من حصتها لكنه مخصص لجيوب اشتي هورامي وعائلة البرزاني والطالباني وغيرهم فقط. اما "الموظفين الأبرياء" فالقوا بهم على المالكي. على حكومة بغداد "الشوفينية" التي يبدو انها ارحم من قادتهم!

تفاقمت الابتزازات، وصار المالكي بين ضغط كردستان وتهمة التخاذل لها من قبل حزبه والناس، فلم يعد قادرا أو راغبا في تقديم التنازلات اكثر، فتمت ازاحته ليؤتى بالعبادي الذي كان من ضمن صفقة الكرسي ان يوقع لكردستان على مليار دولار مسبقاً في اتفاق في غاية الغرابة، وان يسحب دعوى المالكي التي تمنع كردستان من بيع نفطها في سوق النقط وأن يعين هوشيار زيباري وزيرا للمالية وعبد المهدي وزيرا للنفط لإحكام كردستان السيطرة على الموارد، وشروط أخرى كثيرة خارج هذا السياق. فعل العبادي ذلك ودفع ثمن الكرسي وارسل وزير نفطه عبد المهدي الذي لم يكن يعرف أي شيء عن النفط الى كردستان لتوقيع شروط كردستان على بياض وبدون اية مفاوضات ودون ان يصحب معه أي خبير من وزارة النفط، وعاد في اليوم نفسه.

لكن العبادي نفسه ورغم توقيعه على دفع ثمن الكرسي لكردستان، لم يكن مدركاً (كما افترض، لغبائه المعروف) استراتيجية كردستان بالابتزاز المتصاعد رغم قربه من الصراع في زمن المالكي، واضطر ان يصطدم معها في النهاية.

وأخيراً تمكنوا من تحقيق الحلم الكبير بوضع عبد المهدي على رئاسة الحكومة، وكذلك تم تزوير الانتخابات بأجهزة تزوير جديدة، واحراق الصناديق وتهديد الناخبين، لكي يحصلوا على مجلس نواب يكاد يخلو إلا من المبيوعين والحمقى بأكثر من السابق. وهكذا تم تمرير هذا الشرط العجيب بدفع رواتب موظفي كردستان دون تسليم النفط!

إنها ببساطة "دعوة لكردستان لنهب العراق" بكل حرية! دعوة وجهها كل أعضاء مجلس النواب المتآمر على بلده وحكومة عبد المهدي التي ولدت سفاحاً ضد الدستور، لكردستان لكي لا تسلم نفطها ابداً، وقد تحقق ذلك بالحرف الواحد. إن من يتظاهر بالدهشة والغضب من هؤلاء الساسة جميعاً، إنما يمارس النصب، وخاصة عبد المهدي. فما وصلنا اليه كان نتيجة حتمية مخططة ومعلومة الخاتمة بكل تفاصيلها، ويحتاج كل من يدعي من السياسيين والإعلاميين البراءة وعدم إدراك الأمر، أن يأتي بوثيقة طبية تثبت تخلفه العقلي لكي نصدقه. فلا يوجد في الطيف السياسي الحالي شرفاء ولو بالحد الأدنى، سوى من كان بليداً!

الجزء الثاني سيكون بعنوان: " تسليم الإقليم أموال العراق لكردستان بلا مقابل كيف يتم تغطيته إعلامياً وسياسياً؟ ج2" وسيكون عن تفكيك المراوغة الإعلامية التي تم نشرها، وتفكيك السياسات المتبعة لتوزيع مسؤولية الجريمة وإبقاء الشعب مشوشاً وأخيراً الخيارات التي يفرضها الحال المستحيل أمام الحكومة.

 

(1) عبد المهدي: كردستان العراق لم تسلم بغداد أي برميل نفط لكن سندفع رواتب الموظفين.

https://arabic.rt.com/middle_east/1023310-

 (2) حل المشاكل مع كردستان - موسم قطاف الابتزاز

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/1640