حوار مع القيادي الشيوعي اللبناني السابق كريم مروة

سعد ناجي جواد

 

 

الحديث مع الأخ الكبير و القيادي الشيوعي اللبناني السابق الاستاذ كريم مروه يبقى له طعم خاص لعدة أسباب، لعل أهمها علاقة الصداقة الأخوية التي ربطته بوالدي المرحوم ناجي جواد الساعاتي منذ أربعينيات القرن الماضي، عندما قدم مروه الى بغداد عام 1947 طالبا في مدارسها. وامتدت هذه العلاقة حتى بعد وفاة والدي، وأصبحت احرص على لقاءه في بيروت كلما وجدت فرصة لذلك. السبب الاخر فهو يتعلق بالمعلومات التاريخية التي يمتلكها الرجل عن العراق واهله بسبب اختلاطه بهم. فهو يعترف ان حياته في بغداد آنذاك وهو في بداية شبابه، والتي إمتدت لسنتين متتاليتين، كان لها الأثر الأكبر في صقل شخصيته ومسار حيلته فيما بعد. فعندما وصل الى بغداد عام لكي يلتحق بالمدرسة  الجعفرية ثم بعد ذلك بالثانوية المركزية اعتمد بالأساس على العلاقة العائلية التي كانت تربطه بالشهيد المفكر الكبير حسين مروه، الذي سبقه في الوصول والسكن  والعمل لسنين كمدرس حتى حصل على الجنسية العراقية [والتي سحبت منه عام 1949، و رُحِّلَ الى لبنان  بعد الحملة على الحزب الشيوعي العراقي وإعدام بعض اهم  قياداته].

في تلك الفترة كانت بغداد تموج بالاحداث، فقضية فلسطين وقرار التقسيم الجائر كانا على كل لسان، وفِي عام 1948 شهد العراق حدثين مهمين الاول تمثل في إرسال الجيش العراقي الى فلسطين والثاني الوثبة ضد معاهدة بورتسموث الجائرة التي وقعتها حكومة صالح جبر مع بريطانيا، على رغم من دور الاخيرة في نكبة فلسطين. واستطاعت هذه الوثبة ان تسقط المعاهدة بعد ان دفعت الجماهير الغاضبة عددا من الشهداء. ووجد الشاب كريم نفسه منخرطا في هذه الوثبة والتظاهرات التي عمَّت بغداد. ثم تفاجأ شانه شان كل الشباب الواعي ان الحرب في فلسطين انتهت بهزيمة غير مبررة، حسب تعبيره، وبتقسيم هذا البلد العربي بين الصهاينة والدول العربية وارسال الشعب الفلسطيني الى الملاجىء والمخيمات. يقول مروه ان هذا الحدث مثل له هزَّة وجدانية كبيرة وهو الذي كان لحد تلك اللحظة كما يصف نفسه آنذاك (الشاب القومي العربي الرومانسي)، ولم يكن شيوعيا بعد. منذ تلك اللحظة بدأت الأفكار الشيوعية تراود فكره وتبناها بصورة غير تنظيمية، ثم انتظر أكثر من سنتين أخريين لكي ينخرط في الحزب الشيوعي اللبناني بعد عودته الى بيروت. ويضيف الاستاذ كريم انه في فترة إقامته في بغداد كان محظوظا لانه كان يرتبط بمفكرين أثنين يصفهما (لبنانين- عراقيين)، هما الشهيد حسين مروة والمرحوم محمد شرارة [شخصية وطنية لبنانية محترمة، اعتبرالعراق بلده الثاني وعاش فيه طوال حياته حتى وفاته، وارتبط شانه شان حسين مروه بعلاقات متينة مع عوائل وشخصيات وطنية وثقافية وفكرية عراقية كثيرة، وسجن اكثر من مرة هناك بسبب مواقفه الوطنية وكانت تربطه بوالدي علاقة صداقة قوية]. الأمر الملفت للنظر ان المفكرين حسين مروة و محمد شرارة كانا قد قدما معممين لكي يدرسا الفقه الأسلامي في النجف الأشرف ثم تحولا الى يساريين ماركسيين ). ويقول كريم مروه بانه من خلال هاتين الشخصيتين المحترمتين عراقيا تعرف على على كبار شعراء ومثقفي وأدباء العراق آنذاك، أمثال محمد مهدي الجواهري ومحمد صالح بحر العلوم وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري و نازك الملائكة، و عبد القادر البراك، وجلس مع محمد رضا الشبيبي وسعد صالح جريو، وغيرهم كثر. كما كان له من الأصدقاء الشخصيين من عمره من الطلاب عدد كبير اخر، ولكنه يقول ان صديقين اثنين كانا الأقرب الى قلبه ويعتبرهم بحق صحبة العمر ويعتز لحد اللحظة بذكريات علاقته معهما هما المرحومين ناجي جواد الساعاتي وَعَبَد العزيز ابو التمن ( نجل القائد الوطني العراقي الشهير جعفر ابو التمن)، حيث انهم كانوا نادرا ما يفترقون اثناء إقامته في بغداد، وامتدت العلاقة بعد ذلك حتى انتقل ابو التمن وبعده الساعاتي الى رحمة الله. ومن الأحداث الطريفة والتاريخية التي يرويها عن هذه العلاقة يقول، في عام 1949 علمنا انا وَعَبَد العزيز  وناجي ان هناك حفلا سيقام لتكريم الدكتور هاشم الوتري، عميد كلية الطب في بغداد، وان الجواهري قد دُعيَ لكي يلقي قصيدة بهذه المناسبة . ويقول بان الأصدقاء الثلاثة، الذين كانت تربطهم علاقة صداقة حميمة مع الجواهري، ذهبوا بسيارة ابو التمن الى بيت الجواهري واصطحبوه للاحتفالية، وجلسوا معه على نفس الطاولة. ثم دُعيَ الجواهري لالقاء قصيدته التي أراد منظمي الاحتفالية منها ان تكون لذكر مآثر المحتفى به، واذا بالجواهري، وبعد ابيات المطلع تتعلق بالوتري، بدأ يصدح بأبيات سياسية هاجم فيها النظام السياسي في العراق و أركانه هجوما عنيفا وصريحا، في الوقت الذي كان فيه اركان من الحكومة، مثل الوصي على العرش و رئيس الوزراء ووزراء من بين الحضور. وبعد أنهى قصيدته عاد وهو في قمة انفعاله الى حيث يجلس أصدقائه الثلاثة، وجلس معهم ثم قام بتمزيق الأوراق التي كتب عليها القصيدة و رماها تحت الطاولة. وما كان من كريم مروة الا ان جمع الأوراق الممزقة و دسها في جيبه دون ان ينتبه احد. ثم قاموا بعد نهاية الاحتفالية بمرافقة الجواهري الى بيته في سيارة ابو التمن وكما قدموا. وبعد يوم من الحادثة علموا بإلقاء القبض على الجواهري وتم إيداعه السجن. ومن خلال ابو التمن تمكن الثلاثة من الحصول على موافقة لزيارة الجواهري في السجن، الذي لم يبق فيه سوى يومين او ثلاثة بسبب عدم عثور السلطات على نسخة من القصيدة لكي تدين الجواهري. في تلك الأيام شنت السلطات حملة على الحزب الشيوعي وعلى الشخصيات اليسارية المتضامنة معه، كان من نتيجتها ان أسقطت الجنسية عن حسين مروه وأُبعِدَ عن العراق، وسجن محمد شراره ومعه السياب واخرون. ويقول كريم مروة انه في الوقت الذي كان فيه الجواهري قد احتُجِزَ في عرفة منفصلة لوحده، فان شرارة والسياب واخرون تجاوز عددهم الأربعون معتقلا حشروا في غرفة واحدة قرب دورات المياه وكانت الرائحة الكريهة تزكم الأنوف. المهم فانه بعد ايام من هذه الحادثة، وبسبب التضييقات التي بدأت تشمله غادر مروه عائدا الى بيروت، وبمجرد ان وصل هناك قام بمساعدة نجل حسين مروة بإعادة ترتيب الأوراق الممزقة ونشرها في احدى الصحف اللبنانية. فما كان من السلطات العراقية الا ان تعيد القبض على الجواهري بعد ان اصبح في يدها الدليل المادي. يضيف مروه انه حزن كثيرا عندما قرأ مذكرات الجواهري التي تطرق فيها للحادثة بصورة مغايرة تماما، وأنكر دور ووجود أصدقاءه الثلاثة، كريم مروة وعبد العزيز أبو التمن و ناجي جواد، ومرافقتهم له حتى أوصلوه الى داره بسلام. وكتب مروه رده حول ما ورد في مذكرات الجواهري بهذا الشأن، وذكر الحقيقة كما حصلت. ويضيف انه في اخر لقاء له مع الجواهري، وبحضور صهره جمال الجواهري، في دمشق عام 1994 ذكره بالحادثة واعترف له الجواهري بانه لم يذكر الحادثة بصورة دقيقة وكما وقعت واعتذر له عن ذلك. ويعزو مروه هذا الامر آلى شخصية وطبع الجواهري الذي الذي لم يكن يحب ان ينسب اي شي يخصه لغيره حتى وان كان أمرا بسيطا.

اما عن بداياته الشيوعية فيقول مروه بانه بعد الأحداث الجسام التي حصلت في عام 1948، قام هو و سبعة من زملائه من طلاب الثانوية المركزية في بغداد بتشكيل خلية شيوعية غير مرتبطة بالحزب الشيوعي، وكان من أفرادها باسل الجادرجي، نجل الزعيم الوطني كامل الجادرجي، الذي عرض على المجموعة ان تجتمع مرة في الأسبوع في غرفته في دار والده، وهذا ما حصل. وعندما سمع عمه حسين مروه بالأمر انبه وطلب منه ان يُنهي هذا التنظيم لانه اذا ما كُشِف فسوف يكون له تأثيرا سلبيا عليه ( حسين مروه)  وعلى كامل الجادرجي ايضا. وهذا ما حصل. ثم يتذكر انه في نفس الفترة اثار استغرابه ان احد أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي آنذاك التقاه وعرض عليه ان يشكلان خلية شيوعية ثنائية، وان يلتقون مرة في الأسبوع يتجولون خلالها في احد شوارع بغداد ويتحدثون عن الفكر الشيوعي وهو مستعد للإجابة على كل استفسارات مروه. هذه الحادثة، و التي قربته اكثر الى الفكر الشيوعي، عزاها مروه الى حقيقة انه آنذاك وعلى الرغم من صغر سنه اصبح اسمه متداولا بين أوساط المثقفين والاُدباء بعد ان نجح في نشر عدد من المقالات في الصحف العراقية. المهم انه غادر مباشرة بعد اللقاء الى لبنان لكي ينضم الى الجامعة اللبنانية ولكي ينظم بعد حوالي سنتين رسميا الى الحزب الشيوعي اللبناني.

عودة الى التجربة الشيوعية في العراق ذَكَّرتُه بحادثة حدثت وانا صغير السن في بغداد عندما زارنا في عام 1962. حيث حضر الى دار والدي وهو متجهم الوجه على غير عادته. وطلب مني ومن شقيقتي التي تكبرني هيفاء ان نوفر له عود كبريت وبعض النفط الأبيض. وعلى الرغم من غرابة الطلب جهزنا له ذلك، ثم طلب منا ان نصحبه الى حديقة الدار، حيث قام بسكب النفط على مجموعة من الأوراق اخرجها من جيبه وأشعل فيها النيران. وعندما كبرت علمت ان الأوراق التي اقدم على إحراقها كانت تمثل بيانا صادرا عن الحزب الشيوعي العراقي ، الذي كان يمر في في تلك الفترة بمرحلة صعبة من العلاقة مع حكومة الفريق عبد الكريم قاسم اول رئيس وزراء  جمهوري. وان هذا البيان تسبب في سجن بل وحتى اغتيال بعض الكوادر الشيوعية العراقية. وكان الحزب قد تبنى شعار ( السلم في كردستان)، هذا الشعار أغضب قاسم الذي كان مصرا على الاستمرار في الحرب ضد الحركة الكردية المسلحة التي اندلعت في عام 1961، وتبناها المُلا مصطفى البرزاني ومن ثم الحزب الديمقراطي الكردستاني واعتبروها ثورة للمطالبة بالحقوق القومية الكردية ضد نظام قاسم الذي كان قد اعترف بحقوقهم وأجاز حزبهم ونقاباتهم وصحفهم لأول مرة في تاريخ العراق. وطلبت منه ان يحدثني عن تلك الفترة، فقال: لقد ارتكب الحزب الشيوعي العراقي أخطاءا كثيرة بعد قيام الجمهورية، لعل أبشعها هي عملية (السحل بالحبال) في الشوارع للمناوئين له من الأموات ثم حتى الأحياء. ثم ازداد خطأهم عندما اخافوا قاسم من توجهاتهم عن طريق المظاهرات المليونية التي ملأت شوارع بغداد تطالب بإشراك الحزب الشيوعي في الحكم. في عام 1960 عُقِد مؤتمرا لاتحاد الطلاب العالمي، وذهبت للمؤتمر ممثلا للحزب الشيوعي اللبناني، وحضر ايضاً موفدان من العراق احدهم كان عضوا في المكتب السياسي للحزب. بعد ان سألتهم عن العراق بداءوا بالحديث وكأنهم يتحدثون عن حكومة شيوعية وبلد شيوعي، لا بل وصل الامر بعضو المكتب السياسي الى يقول لي ان العراق اكثر تقدمية وشيوعيا من تجربة فيديل كاسترو. قلت له ان هذا الامر غير صحيح وحاولت ان انبههما على خطورة هذا التفكير لكن دون جدوى. عندما ذهبت الى بغداد في عام 1962 بدعوة رسمية لحضور احتفالات ألفية بغداد والفيلسوف الكندي وجدت ان ملاحظاتي السابقة كانت صحيحة. ثم التقيت بأصدقاء أمثال ناجي جواد ومحمد شرارة أكدوا لي دقة الوضع وخطورته، وفي الحقيقة أن شرارة، وبحكم ميوله السياسية وعلاقاته بأطراف الحركة الوطنية وتماسه مع قادتها، كان حزينا للاحوال التي يمر بها العراق، الخطر الأكبر من وجهة نظره كان يتمثل في الشرخ الحاصل بين اطراف الحركة الوطنية العراقية (جبهة الأتحاد الوطني)، و حملات الإعتقالات وسجن لكوادر شيوعية. ومع ذلك ظل الأتحاد السوفيتي يدعم عبد الكريم قاسم على حساب الحزب الشيوعي. وهنا سالت السيد مروه عن هذه الظاهرة المحيرة و التي تتمثل في إصرار الأتحاد السوفيتي على التعاون مع الأنظمة التي تضطهد الحركة والأحزاب الشيوعية. يقول مروه: هذا الأمر يعود الى سببين، الأول أن هناك نظرية أطلقها المفكرين السوفيت في الخمسينيات و الستينيات تقول، أن هناك دورا أساسيا للديمقراطيين الثوريين في الحركات الوطنية، أذا استرجعت التفكير بهؤلاء (الديمقراطيين الثوريين) تجد ان الذين صنفوا هكذا هم قادة إنقلابات عسكرية، في العراق وسوريا ومصر والسودان.

ثم أضاف مروة بأن وراء الدور الذي أعطي للديمقراطيين الثوريين نظرة سوفيتية تقول بالتطور اللارأسمالي في بلدان العالم الثالث. وهي نظرية بائسة لاتمت بصلة الى فكر ماركس. يقول مروه أعطيك أمثلة غير التي ذكرتها. في عام عام 1970 دعيت أنا وكمال جنبلاط الى مؤتمر في الخرطوم- السودان، لعدد من الأحزاب السياسية. ولما طُلِبَ مني أن أترأس جلسة تحدثت ضد تدخل الجيش في السياسة وقلت أن الجيش عندما يتدخل نصبح أمام دكتاتورية وأنظمة إستبدادية، والوطن العربي مليء بهذه الأمثلة. وكان جعفر النميري موجودا ويجلس الى جانبه أركان نظامه وبعض القيادات الشيوعية السودانية. و على الرغم من الشعور بعدم الأرتياح الذي ظهر على وجوه من يمثلون السلطة، تمثل في محاولة أحد الوزراء الرد عليَّ، إلا أن أحد قادة الحزب الشيوعي السوداني (محمد إبراهيم نقد)  رد عليه بإسهاب ودافع عن وجهة نظري. في تلك الفترة كان الحزب الشيوعي السوداني قد إنقسم الى قسمين، قسم متعاون مع نظام النميري وقسم رافض للحكم العسكري. الملفت للنظر أن وفد الأتحاد السوفيتي الرسمي الذي حضر الى السودان، الذي ضم أعضاءا من قيادة الحزب كان يجلس مع النميري والقيادات الشيوعية المتعاونة معه. السبب الثاني هو أن القيادة السوفيتية ظلت تشعر أن الأحزاب الشيوعية في العالم الثالث لا تستطيع أن تتسلم السلطة إنطلاقا من الأعتقاد بأن كلمة شيوعية وشيوعيين كانت لا تزال غير مقبولة في العالم الثالث، وأن الشيوعيين سوف لن يستطيعوا أن يحكموا طويلا، وسيكون من السهل تجميع قوى معادية لهم وتنقلب عليهم. و من المفارقات أن هذا الشعور كان متواجدا أيضا لدى القيادات الشيوعية في العالم الثالث. على سبيل المثال عندما فكر فؤاد شمالي في تاسيس حزب شيوعي لبناني في عام 1924، أسمى هذا التنظيم في عام 1925 بإسم حزب الشعب. ولما سُئِل عن السبب قال (إن كلمة شيوعي غير مقبولة في مجتمعاتنا، خلونه نحكي بلغة شعوبنا، وبإسم الشعب و النضال من أجل الشعب)، المفارقة الأهم أنه بعد سنتين أرسلت قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي ممثلا عنها الى لبنان الذي أخبر قيادة حزب الشعب إذا أردتم أن تكونوا أعضاء في (الأممية الشيوعية)، (الكومنتيرن) يجب أن يكون أسم حزبكم الحزب الشيوعي اللبناني، وتم تغيير الأسم. ومع ذلك ظلت القيادة السوفيتية تعتمد على ما أسمتهم (الديمقراطيون الثوريون). ثم سالته هل صحيح أن خلافا حصل بين قيادة الحزب الشيوعي العراقي في أثناء حكم عبد الكريم قاسم حول مسالة السيطرة على الحكم و إزاحة قاسم، فهناك من كان يدفع بإتجاه هذا الخيار، و هناك من رفضه. وأن الطرفين أرسلوا رسولا الى موسكو لإستطلاع راي القيادة السوفيتية، التي رفضت الفكرة تماما ونصحت بالتعاون مع قاسم؟ يجيب السيد مروه أنه ليس  لديه معلومات مؤكدة حول هذا الموضوع الذي سمع أحاديث عنه لا يستطيع أن يؤكدها او ينفيهأ. وإذا حقيقة كان هذا رد فعل السوفيت آنذاك فأنه يمكن تفسيره بموجب السببين الذين تم ذكرهما سابقا. ويضيف مروة أن لديه و الحزب الشيوعي اللبناني ذكريات أكثر حول هذا الأمر فيقول أن في عام 1976 كان الحزب الشيوعي اللبناني في طليعة الأطراف الرافضة للأجتياح السوري، وأعتمد المقاومة المسلحة ضده، خاصة أن من طلب من سوريا حافظ الأسد آنذاك أن تتدخل في لبنان ثلاث زعماء مسيحين (سليمان فرنجية و بيير الجميل و كميل شمعون)، ذهبوا الى سوريا طالبين قمع تحالف الحركة الوطنية اللبنانية مع المقاومة الفلسطينية، وحافظ أسد إتصل بالعالم كله ليأخذ موافقة على الدخول، ومن الذين وافقوا أسرائيل، لأن هدفهم كان قمع الحركة الوطنية اللبنانية و الفلسطينية. المفارقة أنه في عشية الأجتياح كان رئيس وزراء الأتحاد السوفيتي كوسجين في زيارة لدمشق ولم يخبره حافظ الأسد بالأمر، ومع ذلك أيد السوفيت الخطوة السورية، وعندما إخترنا نهج المقاومة إتصل بي القائم بالأعمال السوفيتي في السفارة في بيروت وذهبت لمقابلته، وقال لي كيف تقومون بهذا العمل ضد القوات السورية؟ فسالته لماذا قاومتم أنتم الغزو النازي؟ قال بعصبية لا أسمح لك بالمقارنة. قلت لا أريد المقارنة ولكني من موقفي كوطني لبناني وليس كشيوعي لا أقبل دخول أية قوات أجنبية حتى و إن كانت من دولة شقيقة كسوريا، علما بان القوات السورية دخلت لمقاتلتنا وعملها كان موجها ضدنا كجزب شيوعي و كحركة وطنية، ولكنه رفض أن يقبل بوجهة نظري فقلت له هذا قرارنا و خرجت. في نفس السنة ذهبت الى باريس و إتصلت بالسفارة الفيتنامية طالبا موعد مع السفير، ولما علموا أنني مسؤول شيوعي لبناني حددوا لي موعدا. ولما ذهبت وجدت أن من يستقبلني سكرتير ثالث، وقال لي بفجاجة و خشونة ماذا تريد، قلت نريد أن نذهب وفدا من حزبنا الى فيتنام، فقال لا مقام لكم في فيتنام، أنتم تقاتلون الجيش السوري، ثم نهض وقال إنتهى اللقاء.

ثم تحدثنا أنا و الأستاذ مروه عن حوادث مشابهة مثل ما حدث في العراق عام 1978 بين حزب البعث و الحزب الشيوعي وموقف السوفيت المؤيد للسلطة التي كانت تقمع الشيوعيين، وكذلك مع الملا مصطفى البرزاني و جلال طالباني، اللذين مارسا نفس الأسلوب مع الشيوعيين العراقيين ومع ذلك لم يتخذ السوفيت موقفا واضحا الى جانب الحزب. في مجال التجربة العراقية طلبت من السيد مروه أن يحدثني أكثر عن تجربة الجبهة مع حزب البعث في عام 1972. يقول بعد الأعلان عن الجبهة ذهبنا أنا والرفيق نقولا شاوي الأمين العام للحزب في لبنان الى العراق لتهنئة الحزب الشيوعي العراقي بمناسبة قيام (الجبهة الوطنية التقدمية) مع حزب البعث. و التقينا بالمكتب السياسي للحزب في العراق، وسألناهم بعد التهنئة ما هو دوركم القادم، قالوا ممنوع علينا أن نعمل في المنظمات الطلابية والنقابية والجيش، نحن شركاء في السلطة (الحكومة) فقط. قلنا لهم ولكن هذا أمر خطير، قالوا ليس لدينا أي خيار آخر، قلنا لهم إذاً ليس أمامكم سوى تعزيز مكانتكم في السلطة. ثم ذهبنا لزيارة رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر الذي حاول ان يطمننا بإسلوبه البدوي على مستقبل العلاقة بين الحزبين. في عام 1978 ذهبت مع وفد من الحزب في زيارة أخرى للعراق، وكانت لدينا علاقة جيدة مع حزب البعث و السلطة العراقية وصدام حسين لأنهم كانوا يدعموننا بالمال و السلاح أثناء الحرب الأهلية، وكنا نشعر بأن هناك بوادر تغيير محتمل في العلاقة بين حزب البعث والحزب الشيوعي، وبدات عمليات تصفية لكوادر شيوعية عراقية. وعندما التقينا منيف الرزاز الذي كان أمينا عاما مساعدا لحزب البعث طلبت منه أن أتحدث اليه بصورة إنفرادية بعد اللقاء، وبالفعل خرج الوفد وبقيت معه، وقلت له مباشرة أريدك أن تتدخل لحل الإشكال داخل الجبهة بين الحزبين. فقال لي (أرجوك أرجوك أرجوك إبعد عني هذا الكاس)، قلت له ولكنك أمين عام مساعد، ضحك وقال اتركنا من هذه الصفة و أبعد عني هذا الكاس. فقلت طيب وما هو الحل قال اذهب و تحدث مع طارق عزيز. ذهبت للقاء طارق عزيز الذي كانت تربطني به علاقة صداقة طيبة، بعد الترحيب الودود بي قلت له (في مشكلة بدنا نجد لها حل) فجأءة انقلب الرجل الى شخص آخر وقال لي (تذهب وتقول لهم [ألقيادة الشيوعية العراقية] إذا أرادوا أن يستمروا في تآمرهم على حزبنا سنبيدهم عن بكرة أبيهم)، قلت له (شوي شوي هدي شوي خلينا نتحدث بهدوء أعصاب)، هدأ قليلا و قال لي يارفيق كريم هم يتامرون علينا معقول هذا؟ نحن شركاء وهم عاملين تنظيم في الجيش. و طبعا النتيجة كانت أن إستمرت السلطة آنذاك بملاحقة الشيوعيين الذين هرب أغلبهم الى كردستان العراق.

هذا الكلام جَرَّ الحديث بيني و بين الأستاذ مروه الى مواقف الحزب الشيوعي بعد ذلك التي و صلت الى حد التعاون مع الولايات المتحدة و بريطانيا اللتان كانتا تعملان على إحتلال العراق. لا بل الأدهى من ذلك أن قيادة الحزب تعاونت مع سلطة الأحتلال بعد عام 2003 و شاركت في مجلس الحكم المؤقت والوزارة الأولى، ثم عندما وجدت كوادر شيوعية أنها لا تمتلك التاييد المطلوب للفوز بالأنتخابات النيابية (البرلمانية) قامت بالترشيح مع قوائم دينية طائفية، و مؤخرا تحالف الحزب مع تيار ديني محافظ هو التيار الصدري. و سالته كيف يمكن أن يفسر هذا التوجه والنهج، وكيف يفسر أن الحزب الشيوعي الذي ناضل طوال تأريخيه ضد الأستعمار و الأمبريالية العالمية ينقلب هذا الأنقلاب. بخصوص هذه المسألة وجدت عند الأستاذ مروه نوع من التضارب في التحليل، فمن ناحية هو يقول أن الأحزاب الشيوعية بل و الحركة الشيوعية التي كنا نعرفها في السابق قد إنتهت تقريبا بعد إنهيار الأتحاد السوفيتي، ليس في الوطن العربي فقط وإنما في العالم وفي أوربا بالتحديد، في الماضي (1968) حصل المرشح الشيوعي في فرنسا جاك ديكلو وضد شارل ديغول على 23.5% من الا صوات، الآن صفر، بكلمة أخرى فأن الأحزاب الشيوعية في كل العالم في حالة تراجع إن لم نقل إنهيار. ومن الناحية الأخرى وفي ظل هذا الوضع حاول أن يبرر لقيادات الحزب الشيوعي العراقي ما فعلته قبل الأحتلال وبعده، وحتى الآن. يقول مروه أن الحزب الشيوعي كان في حالة صعبة، فكوادره في المنافي وفي كردستان العراق، وليس لديهم حرية العمل في العراق، صدام حسين حاكم مستبد و مطلق و لايقبل بوجهات نظر مختلفة، وسياسته ادت الى أن يُحتل العراق. الشيوعيون العراقيون كانوا بين خيارين أما أن يبقوا بعيدين او أن يتعاونوا مع الجهات المعارضة الأخرى. عندما حصل الأحتلال و برزت فكرة مجلس الحكم المؤقت، كان الأمر صعبا بالنسبة للحزب، إتصل بي أمين عام الحزب الشيوعي العراقي آنذاك حميد مجيد موسى وقال لي (نحن نتشاور مع رفاقنا حول ماذا علينا أن نفعل، ليس لدينا قوة وقدرة على مقاومة الأحتلال، و الأحتلال لن يذهب بسهولة ولن يذهب بالمقاومة)، و في الحقيقة أن هذا التفكير كان موجودا لدى عدد كبير من التنظيمات و الشخصيات الوطنية العربية التي كانت تقول بعد احتلال الكويت لا حل إلا مع الأمريكان، ومثال ذلك الشخصية العربية الوطنية الكويتية المرحوم أحمد الخطيب، وكنت أقول له أنت قومي عربي، صحيح بلدك محتل لكن أن تعطي الأميركان دور في أن يحرروك هذا خطأ، لأ نك ستصبح عبدا للأميركان، لكنه كان يصر على أن لا حل إلا مع الأميركان. و بالمناسبة فعندما عقد مؤتمر المعارضة في بيروت قبل الأحتلال كان جميع المشاركين فيه مع التعاون مع الأميركان بإستثناء محمد مهدي الجواهري الذي رفض الفكرة رفضا باتا. المهم أن حميد مجيد سالني ما الحل؟ البلاد احُتُلت ونحن إما أن نبقى بعيدين أو أن نشارك، إما أن نلعب دور من الداخل أو أن نبقى بعيدين ونبقى ننظر الى ما يجري بدون أن يكون لنا أي دور. قلت له أذا كان هذا هو خياركم فشاركوا بشروط، بحيث لا يصدر عنكم او منكم أية كلمة أو فعل يُشَم منه رائحة التاييد للأميركان. أذا كنتم مضطرين لذلك يجب أن لا يصدر منكم أي نص يشير الى قبولكم بالأحتلال. وقلت له عليكم تحمل تبعات ونتائج عملكم مع الاميركان، وبنفس الوقت ان تتهيأوا للتخلص من ألاحتلال. وهذه كانت مسالة صعبة ومعقدة.

كان ردي على ما قاله الأستاذ مروه أن المسألة لا يمكن أن تقبل بهذه السهولة والتبسيط، حميد مجيد موسى تعاون مع الأميركان قبل الأحتلال اولا، ولم يظهر منه أي تصريح أو نشاط يدلل على عدم قبوله بالأحتلال، على العكس كان هو وكل من عمل معه في مجلس الحكم يطلقون على ما جرى في عام 2003 تحريرا وليس إحتلالا. الأدهى من ذلك إن السيد حميد مجيد قبل أن يعين في مجلس الحكم بصفته الطائفيىة وليس بصفته الحزبية بدليل أن أمر التعيين صدر كما قلت على أساس أنه (شيعي) كما ورد في امر التعيين، وليس لكونه أمين عام حزب عريق وجماهيري، وهذا العمل مثَّلَ صدمة لكل الوطنيين والذين كانوا يكنون نوعا من الأحترام للحزب الشيوعي وتاريخه و نضاله. ومع الأسف فأن قيادة الحزب الجديدة إرتكبت خطاءا مماثلا عندما دخلت في تحالف مع التيار الصدري، وهو تيار على الرغم من جماهيريته إلا أنه يبقى تيارا دينيا وأفكاره لا يمكن أن تنسجم مع الأفكار و المباديء الشيوعية. ثم أن هناك أعتراضات كثيرة على ممارسات التيار مثل التصفيات الجسدية والتطهير الطائفي لبعض المناطق والفساد الكبير، صحيح أن السيد مقتدى الصدر قد تَبرَأ من بعض أجنحة تياره التي اتُهِمت بالقيام بمثل هذه الجرائم إلا أن هذا لم يغير من حقيقة وقوعها. وأخيرا فأن هذا التحالف غير متكافيء ويمثل عجز و تندي شعبية الحزب. وكان رد السيد مروه على هذا الرأي أن الوضع الآن مختلف. لما عرفت ان الحزب الشيوعي كان يريد ان يتحالف مع الصدر اعتبرت هذا ذكاء مهم جدا ومطلوب في السياسة. لأن ذلك بفتح افاقا للحركة المدنية لكي تصل الى ما تريده. لذلك انا اعتبرت ما قام به رائد فهمي مغامرة سياسية ذكية تحمل الشيء و نقيضه، وقلت لهم يجب ان تاخذوا بعين الاعتبار اما ان تحققوا ما تصبون اليه وما قمتم بالمغامرة من اجله او تخسروا. ليس المهم عدد النواب الذين نجح الحزب في إيصالهم للبرلمان، المهم أن الحزب ذهب للصدر ببرنامج اصلاحي ممتاز و وافق عليه الصدر. بالمقابل الصدر ايضا قام بمغامرة عندما وافق على التحالف والاتفاق مع حزب شيوعي. فهي مغامرة من الطرفين. في مثل هذا الظرف يمكن أن تنجح المغامرة. ومن وجهة نظري، و الكلام لا يزال للاستاذ مروه، ان لكل لحظة ظروف واتجاهات وعلى السياسي الذكي ان يعرف كيف يتعامل معها. إلا أن إختلافنا أستمر حول هذه النقطة.

إنتقل الحديث بعد ذلك عن الحركة الشيوعية وحالها بصورة عامة، ولقد أبدى السيد مروة بعض الملاحظات المهمة، أنقلها كما تحدث بها.

سؤال: هل بقي شيء من الحركة الشيوعية في الوطن العربي؟

مروة: ليس فقط في الوطن العربي، و إنما لم يبق منها شيء مهم في كل العالم. ضربت لك مثل فرنسا، وبالتالي فأن قيمتها عالميا الأن صفر. في عام 1993 عملت محاضرة عددت فيها 15 خللا بنيويا في الحركة الشيوعية في كل العالم أدت فيما بعد الى إنهياره. ولحد الأن الحزب السوفيتي لم يعمل مراجعة لأسباب إنهياره وإنهيار الحركة الشيوعية. علما بأني أعتقد أنه هناك فهم قاصر للأفكار الماركسية و اللينيىة بصورة عامة و لدى الشيوعيين بصورة خاصة. من خلال جولاتي الكثيرة حول العالم و لقاءاتي مع قادة دول وأحزاب استطيع ان اقول باني لم ابق شيوعيا كما كنت، ولم أبق إشتراكيا. لكني بقيت بعد تفكير عميق مع ماركس ومع تقييمه للانسان بانه القيمة الحقيقية في الوجود، الأنسان الفرد و الأنسان المجتمع، و قوله أن الفكر هو تاريخي ولا يوجد فكر ثابت. ولذلك له قول مشهور يدعو فيه الأشتراكيين أن لا يحولوا الأفكار الى عقيدة جامدة. وفي تقديري وبعد تجربتي أن الأشتراكية كما عشناها كانت نقيض الفكر الماركسي ألأساسي. ولذلك أنا أصبحت اليوم مختلف إختلافا جذريا وكبيرا من ناحية الأشتراكية التي أنتمي اليها، ومع ما كنت عليه وعشته و مررت به خلال ثلاثة أرباع القرن. الأشتراكية التي أنتمي اليها لها علاقة بالعصر. على سبيل المثال قرأت منذ سنوات وصية المفكر الروسي بليخانوف في عام 1918 عام وفاته التي توجه بها الى أفكارماركس ويقول له (يا أستاذي في زمنك كنت تقول أن الطبقة العاملة هي حامل راية و مشروع التغيير، إسمح لي أن أقول لك أن الزمن الذي نحن فيه اليوم مختلف عن زمنك، الأنتليجنسيا هي الأساس الآن. طبعا لا ألغي دور الطبقة العاملة، لكنه لم يعد الدور الذي أنت تمنيته).  ثم قرات كتابات لينين بعمق و لدي المجموعة الكاملة (54 مجلدا). وفي أحد المجلدات لفت نظري نص له يتحدث فيه في عام 1923 الى المجموعة التي كانت مسؤولة عن التثقيف في الحزب. قال لهم (نحن الآن سلطة العمال و الفلاحين، أمامنا روسيا دولتنا المدمرة بالحرب العالمية وبالحرب الداخلية الأهلية، كيف نبني روسيا، نحن العمال و الفلاحين لا نملك القدرة والمال، إذا لا مفر أمامنا من أن نستعين بالمال الذي كنا نعتقده ونعتبره في السابق عدونا و خصمنا الذي يجب أن نقضي عليه. لا بديل لنا من أن نستعين و نستفيد من رأس المال الروسي و الأوربي و ألأمريكي)، وقال لهم (إستدعينا رأس المال لكي يبني روسيا بشروطه و ليس بشروطنا، لأن بشروطنا سوف لن يأتي راس المال، عندما ياتي بشروطه يجب أن يحقق أرباحا، و الأهم هو (رأس المال) من سيحدد طريقة عمله مع العمال و علينا أن نقبل بذلك. هذا سيخلق نوعا من التناقض، عملية مشتركة لكن فيها تناقض، نحن السلطة و هو يبني، هذه الفترة التي أطلق عليها رأسمالية الدولة). و أضاف (لاتعودوا الى ماركس، أنا من أطلق اسم رأسمالية الدولة على نظامنا ليجمع سلطة العمال و الفلاحين مع رأس المال). وسألهم (خلال هذه الفترة ، نحن في السلطة ورأس المال يعمل ويبني هناك إحتمال أن يتغلب علينا رأس المال، ينتصر علينا و نحن ننهزم، هو يأخذ السلطة و نحن نخرج منها، فما رأيكم ماذا سيكون موقفنا؟) و لم ينتظر منهم جوابا وقال لهم (أنا أعطيكم الجواب، لا خيار لنا سوى أن نتقبل ذلك بدم بارد). هذه يعني أن لينين في الأعوام الأخيرة من عمره عمل مراجعة نقدية بالغة الأهمية لم يقرأها لا الشيوعيون ولا الماركسيون. هذا النص و غيره وضعته في  أحد كتبي و قرر الشيوعيون أن يقاطعوا هذا الكتاب لأنه أحتوى على نصوص لا تتفق مع تفكيرهم الذي تعودوا عليه. لهذا أنا أعتبر إشتراكيتي إشتراكية معاصرة، تأخذ بعين الأعتبار كل تلك التجربة. ومن هذا المنطلق إنصرفت للتاليف و الكتابة، وبادرت الى طرح أفكار جديدة كالتي أطلقت عليها (حوار آيديولوجيات بين أفكار ماركسية و أفكار دينية)، و كتبت ثلاث مقالات في جريدة الأهرام حول القومية والماركسية والدين و التراث إجتذبت ردودا من أربعين مثقفا عربيا ومن بينهم رجال دين. وكان تعليقي النهائي أن هناك أزمة في الماركسيات و أزمة في الأشتراكية على الصعيد العالمي. و ربما أكون من اوآئل من طرحوا فكرة الأزمة في الحركة الأشتراكية قبل الأنهيار، لأني كنت في الفترة 1987-1988 ضيفا على اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي و تجلى أمامي الأنهيار القادم، وقررت أن أترك الحزب، وأمام إصرار الرفاق جعلته على مراحل. ومن يومها أصدرت حوالي أربعين كتابا. لقد أدركت في تلك الفترة أن الحزب لم يعد الحزب الذي إنتميت اليه وناضلت من أجله، و الأهم أنه لم يعد صالحا للمرحلة الحالية. وهكذا عدت من جديد لكي أكون قوميا عربيا ماركسيا و على طريقتي الخاصة.

وأخيرا توجهت للأستاذ مروه بسؤال حول مسألة تحدث بها أحد المثقفين العراقيين في جلسة حوار قبل أكثر من أربعين سنة، حاول المتحدث أن يسندها بالوقائع التاريخية، مفادها أن الأحزاب الشيوعية اُسِست في الغالب من قبل يهود متعاطفين مع الحركة الصهيونية، و أورد المتحدث مثلا لذلك الحزب الشيوعي الفلسطيني، فقال أن مجموعة من عرب فلسطين ذهبوا الى الأتحاد السوفيتي لكي يشكلوا حزبا شيوعيا، إلا أن القيادة السوفيتية رفضت إستقبالهم و إنتظرت حتى وصل مجموعة من اليهود من فلسطين و منحتهم حق تشكيل حزبا شيوعيا فلسطينيا. طبعا أنا أعلم أن هذا الأمر لا ينطبق على العراق بالذات، و لكن أردت أن أستفسر عن مدى دقة هذا القول بالنسبة للحزب الشيوعي الفلسطيني. وكان جواب السيد مروه إن هذا الكلام غير صحيح تماما. في تاسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني لعب اليهود القادمين من أوربا الشرقية دورا اساسيا، ولكن ليس لأنهم يهود بل لأنهم مؤمنون بألأفكار الشيوعية. ألبلاشفة كانوا يهود وحتى زوجة لينين كانت يهودية، لكن أن نعتبر هذا الأمر تهمة هذا غير صحيح. في العراق أعدم يهود شيوعيون، و في المغرب و الجزائر و تونس ومصر هناك يهود شيوعيون كثر حوربوا وسجنوا بسبب معتقدهم. الذي أتى الى لبنان عام 1927 موفدا من اللجنة المركزية للحزب في الأتحاد السوفيتي وغير أسم الحزب من حزب الشعب الى الحزب الشيوعي اللبناني كان يهوديا، لكنه لم يحضر كي يتصرف كيهودي و أنما تصرف كشيوعي أممي.

شكرت الصديق مروة على هذا التوضيح وودعته متمنيا له طول العمر و الكثير من الكتابات التي يحتاجها الجيل الجديد من الشباب.