الصفقة التائهة بين عنصرية ترامب وصبيانية كوشنر

 

محمد عبد الحكم دياب

 

 

 

يبدو أن الرئيس الأمريكي ورهطه تصور ورشة البحرين عصا موسى، التي التهمت أفاعي السحرة، وقصر مهمتها على الشق الاقتصادي، ومع القضايا الكبرى والمصيرية المؤرقة للضمير الإنساني، لا تؤخذ بالخفة التي يتعامل بها ترامب مع قضايا العالم، وخفة التناول تعبر عن سطحية الفهم، وقصور الاستيعاب، وضحالة المعرفة، ومن أجل فهم طبيعة صفقة القرن التي تتناولها الورشة يجب التعرف على من أعدوها ووقفوا وراءها، وهذا ما بينته صحيفة ديلي إكسبرس البريطانية الاثنين الماضي (24/ 06/ 2019) عن صفقة زواج إيفانكا ترامب منجاريد كوشنر

وأشارت الديلي إكسبرس لذلك الزواج بإنه تم بصفقة ضمن عملية كبرى رتبها وكيل ومطور عقارات هو تشارلز كوشنر والد جاريد، وتشارلز يهودي أرثوذكسي، أسبغت عليه الصحيفة صفة مطور مباني وعقارات ناجح، لكنه وقع في مخالفات، ورشاوى دُفعت لشخصيات عامة، وأدت إلى ملاحقته في بداية الألفية الثالثة، وانكشفت نشاطاته.. واعترف بما نُسب إليه عن 18 تهمة في 2005، تتعلق بإقرارات ضريبية غير سليمة، وادعاءات غير صحيحة للجنة الانتخابات الفيدرالية، وترتب عليها دخوله السجن لمدة سنتين..

وبعد الإفراج عنه سعى لتبييض سمعته، بمساعده خبير علاقات عامة ومحام معروف، هو من قام بتقديمه لدونالد ترامب الرئيس الأمريكي الحالي، وكان وقتها يعمل في التطوير العقاري بـنيويورك. وبنى شارلز كوشنر خطته على شراء أحد عقارات مانهاتن، ونَقْل مركز نشاطه من نيوجيرسي إلى نيويورك، وشراء مطبوعة أو صحيفة، يملكها الابن جاريد ظاهريا، طالبا منه استغلال وسامته والارتباط بفتاة من أسرة معروفة، وتم ترتيب لقاء، بدا عفويا، بين جاريد كوشنر و إيفانكا ترامب عام 2005، وتكللت العلاقة بالزواج عام 2009، وتغيرت ديانة إيفانكا من المسيحية إلى اليهودية، ديانة عائلة الزوج، وكان ذلك سهلا، فترامب نفسه من المنتمين لـالصهيونية المسيحية. ويبلغ أتباعها في الولايات المتحدة 70 مليونا، من بينهم الرئيس رونالد ريغان، والرئيس جورج بوش الابن، ويؤمنون بنبوءات التوراة، الخاصة بالعودة الثانية للسيد المسيح ليحكم العالم لألف عام من السلام. وعودة السيد المسيح حسب ذلك الاعتقاد مشروطة بقيام الدولة اليهودية في فلسطين، وان تكون القدس عاصمتها، ويُقام فيها الهيكل الثالث!!..

وطبيعة صراعات الوجود والإرادات، كالصراع العربي الصهيوني تضرب بجذورها في عمق التاريخ والوجدان العربي والإسلامي، وما كان لها أن تؤخذ بخفة من شخص عنصري لا تؤهله خبرته في مجال تطوير المباني للتعامل مع ملف على درجة عالية من الخطورة، المهددة للسلام والأمن الدوليين، وتصور أن نجاح خطة صناعة عدو بديل تمكنه من عزل القضية الفلسطينية، والعمل على تصفيتها نهائيا، مع استمرار توجيه الأنظار وتصويب قوة النيران صوب إيران، ومهما كان الخلاف مع إيران فإن الغالبية العظمى من دول العالم تعتمد الحوار والمفاوضات، وتتجنب الاشتباك العسكري ما استطاعت..

أما السياسات الرسمية العربية والإسلامية فحالها شديد التردي، بسبب سيطرة الذهنيات الانعزالية والطائفية والمذهبية، وانتقلت إليها عدوى الصهينة، وانتشرت كالوباء في أرجاء القارة العربية، ساعد على ذلك التفريط في الاستقلال الوطني، وتوطين الحروب الساخنة، التي لم تتوقف منذ الحرب العراقية الإيرانية، وتبعها غزو الكويت، والغزو الأمريكي للعراق والخليج، غزو العراق تم بالعمل العسكري، والخليج استقرت فيه القواعد العسكرية الأمريكية وغير الأمريكية بالطلب المباشر، حتى تدمير سوريا وليبيا واليمن، ثم تفجير أوضاع الجزائر والسودان والحبل على الجرار. وتورط الحكّام العرب في دورات التدمير الذاتي، كل على طريقته، إلى وصول الأوضاع لمحطة التصفية الكاملة للقضية الفلسطينية، كمرحلة مهمة في استهداف الوجود العربي ذاته، وتمثل صفقة القرن المرحلة الأخطر نحو ذلك الهدف..

وعكست ورشة البحرين نشوة الصهينة المهيمنة على تصرفات ممثلي السعودية والخليج، واندفاعهم نحو الفخر بـالمشروع الصهيوني، وجذبه إلى أقصى مشرق القارة العربية، على تخوم إيران وامتدادها الإسلامي الآسيوي، وعلى مستوى حضور الورشة ونوعه، فقد أحاطه الفشل، حيث اقتصرت مشاركة الولايات المتحدة بصفتها صاحبة الدعوة، وهي التي أعدتها على مدى سنتين، وأخرجتها بصورة هزلية، كانت واضحة في تصرفات المستوطنين الصهاينة، الذين وفدوا من داخل فلسطين المغتصبة..

وحضرت البحرين، الدولة المضيفة، حيث أقر أعضاء في وفدها الرسمي بأن الدولة الصهيونية هنا وستبقى.. وحضرت السعودية، وكانت مرشحة لاستضافة لورشة باعتبارها الدولة الخليجية الأكبر. وكانت حتى وقت قريب الأكثر ثراء ونفوذاً، وحالياً تعاني إعاقة سياسية، بسبب احتجاز أمراء وشخصيات عامة ورجال أعمال في فندق ريتز بالرياض، ونتيجة مقتل الصحافي جمال خاشقجي، وما لحقها من إهانات مستمرة من ترامب الحليف الأرعن،المتنمر بالسعودية وينتظر فرصة لتوجيه ضربة لها، بعد الحصول على نصيبه من ثروتها الطائلة، وترامب لا يضع اعتبارا لمصلحة أو منطق أو حياء أو خلق.

وحضرت الإمارات العربية المتحدة كذلك، رغم انشغالها بالتدخل في شئون دول شقيقة عدة، وتخليها عن دورها في المساعى الحميدة والتهدئة، وكانت سياسة ثابتة للشيخ المؤسس زايد بن سلطان آل نهيان.. وجاءت مشاركة مصر باهتة، بسبب، التهافت الرسمي، والشكاوى المستمرة من ضيق ذات اليد، وشدة ضيق أفق أصحاب القرار، ونظرتهم المتدنية لأبناء الشعب، كمتسولين وفقرا قوي، وفقرههم متعمد، وبفعل فاعل، وكانت معالجته سهلة إذا ما تم تصحيح الخلل في توزيع الثروة، ووقف التبديد والسفه، وعدم وضع أولويات مزاجية وشخصية غير مجدية، والبعد عن طَرْق أبواب مشروعة أو غير مشروعة بحثا عن جنيه هنا ودولار هناك، وإغراق البلد في الديون، والإمعان في التأديب والانتقام والتضييق في إدارة البلد، وفي التعامل اليومي مع المواطنين، أما الأردن كان الله في عونه، ويبدو أنه حضر الورشة مضطرا.. والمغرب قد ينطبق عليه ما ينطبق على الأردن، أما باقي العرب فقد غابوا..

وانتهت ورشة الازدهار من أجل السلام، بعبارات مرسلة، وغموض شديد، بعد يومين من الحفاوة والعواطف والغزل الزاعق في التطبيع والصهينة، وظهرت الورشة في صورة مهرجان غاب عنه نجومه وأهمهم نجم فلسطين الساطع، والملهم لأحرار العالم.. وجاء الحضور العربي الهزيل تأكيداً لانتصار الوعي، وهزيمة قوى الدمار والفوضى والعدوان والعنصرية.

وأوفدت الأمم المتحدة نائب منسقها لعملية السلام في الشرق الأوسط، ونوّه أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة الثلاثاء الماضي (25/ 06/ 2019)، إلى أهمية مواصلة جهود السلام من أجل تحقيق رؤية حل الدولتين، (إسرائيلية) وفلسطينية، تعيشان جنبا إلى جنب بسلام وأمن. وجاء تنويه غوتيريش أثناء مؤتمر في نيويورك لجمع أموال لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا، بينما كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشغولة بإعداد خطتها الاقتصادية البائسة؛ المعروفة بـصفقة القرن، وقد فشلت فشلاً ذريعاً..