الصهاينة الجدد في العواصم العربية

كاظم الموسوي

 

 

زمن عربي رديء فعلا.. كان هذا القول يقال بغصة في وقت مبكر من الآن، وللأسف أو بدونه، أصبح واقعا مترديا أكثر مما يخجل القول عنه في هذا الشأن خصوصا.

تسجل وسائل إعلام كثيرة ناطقة باللغة العربية وأحيانا بلهجاتها المحلية، بقصد أو بغيره، مشاهد مقززة وتصريحات أردأ من لسانها، لتقول بما نجح أعداء الأمة والوطن العربي الكبير من شراء ذمم كتاب وصحفيين وأدباء أو سياسيين عرب، ومن بينهم معارضون لحكوماتهم الوطنية، وألسنتهم أطول من قاماتهم، أو يحملون جنسيات عربية، وتجدهم يصرحون علنا دون خجل أو وجل بزياراتهم للكيان الصهيوني وتبريرهم لها بدعوتهم إلى السلام والصلح والهدنة، متناسين عمدا كل ما اقترفه الكيان من جرائم إبادة واستيطان وتهجير وظلم و..و.. و.. هؤلاء جزء من خطط ومشاريع صهيو ـ غربية، تجدد الاستعمار والاستيطان، وتعيد هيمنة الإمبريالية العدوانية. وبمجموعها تصب في خدمة تلك الأهداف الإجرامية التي تنتهك الحقوق والقيم والقوانين وتخالف القواعد والاتفاقيات والأصول والأعراف.

وكما يبدو أن الصمت على أقوال وأفعال المتصهينين العرب الجدد يقدم لهم تشجيعا أو تمريرا لها ويفتح لهم فرص التكرار والاستمرار دون خوف من عقاب أو سؤال. وحتى هذا الصمت دخل مراحل ودرجات، لا تتبين إلا إذا اختبرته وألححت على هزه. فهناك من يصمت لأسبابه، ولكن ما تفسير من يدعي خلافه؟!

بعد ظهور مسؤول أمني خليجي في زيارة للكيان الإسرائيلي ومرت زيارته وتصريحاته واتفاقاته دون غضب أو حتى بيان احتجاج، كرت المسبحة وتسابقت أبواق وفيديوهات خليجية، حيث تطول القائمة ويغدو العدد متزايدا.. كل يوم أو مرة يبرز منهم من لم تسمع باسمه أو لا تعرف له موقفا معروفا وإذا به يتشدق بمدح الكيان الإسرائيلي ووجوده وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته. إنهم ينشرون سمومهم في ما توفر لهم من غالبية وسائل التواصل والنشر الإعلامي ويتسابقون فيها وكأنهم أبطال عصر .. لا يدركون أنهم عنوان الخنوع والمذلة. وتتيسر لهم طبعا كل الإمكانات، مقابل حجبها عن المعارضين لهذه السياسات والمواقف، إذا لم يزجوا في السجون والظلمات.

تنوعت هذه الأصوات، في الفترة الأخيرة، وانتشرت حالاتهم في أكثر من عاصمة عربية، من بينها صوت عضو برلمان سابق من العراق، كان قد زار الكيان بدعوة منه وأنكر أولا ثم أخذ يعلن جريمته، بافتخار وزهو، وما قاله بلسانه في فيديو لمقابلة تلفزيونية انتشر مؤخرا، إذ تجرأ في المقابلة بكلماته التطبيعية متغزلا بالعدو الصهيوني ومبهرجا زياراته له مع دعوة التطبيع، والرد على أسئلة مقدم البرنامج الحادة برغبته ودوره في إنكار جرائم الكيان واغتصاب أرض فلسطين وتشريد شعبها والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة التي أقرتها القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومواثيق كل المنظمات السياسية الإقليمية والدولية والحقوقية.

بالتأكيد، تصريحات البرلماني السابق تمثله وحده وتدينه، كما هي تصريحات أمثاله المتصهينين الجدد، فقط مفرداته الهزيلة والمضحكة تسيء إلى دماء الشهداء العراقيين في أرض فلسطين المحتلة، والتي ما زالت شواهدهم ماثلة وناطقة.. ولم يخرج هذا البرلماني بهذه الصورة لو عرف عواقب ومحاكمة له بعدها، ولو أدرك أن حماته قد يبيعونه بأرخص الأسعار حين تنتهي ورقته الحالية وتسقط رسالته المشينة. وهو يتبجح بما يخالف القانون والعرف ويحاول ركوب موجة تائهة مهما صفق لنفسه أو بعض أصحابه.

الحكومة العراقية، كما غيرها من الحكومات التي تؤكد استمرار موقفها من العدو والقضية، مطالبة بجدية تنفيذ قوانينها الرادعة له وأمثاله عليها، إذ ما زال الكيان الإسرائيلي عدوا للعراق ولدول عربية، وفي حالة حرب، ومهددا لاستقلالها وسيادتها. وهنا يصبح الاستنكار الصريح والواضح وبشدة والدعوة إلى فضح هذه الدعوات العارية من كل مثال أخلاقي وقانوني وإنساني، واجبا ومهمة لا خيار آخر إزاء ما ارتكب أو نفذ بهذه الوقاحة والإساءة للقيم والمواثيق الإنسانية. بل لا تكفي أبدا الإدانة لكل الأصوات المشبوهة والنكرة، والتي بالتأكيد لن تغيّب قضية الشعب الفلسطيني وعدالتها ومشروعيتها، إذ ستظل فلسطين عنوان النضال الوطني والتحرر القومي رغم كل المطبعين والمهرولين لخدمة العدو والارتهان به، وسيسجل التاريخ هذه الأقوال والأفعال وصمة عار على جبين أصحابها ومن يصمت عن فضحهم أو يروّج لهم، بأي أسلوب أو استفراد بالقرارات.

التطبيع مع الكيان الاستيطاني العنصري إسهام في انتهاك القانون الدولي والإنساني، وإنكار الحقوق التاريخية المشروعة ودعم الخطط والبرامج والمشاريع العدوانية الإجرامية، وتعاون خياني ضد العدل والإنسانية وكرامة البشر. وحتى التطبيع قد يأخذ أشكالا وأنواعا، فمن صرح أو زار أو شارك بات معروفا ومعلوما ومرفوضا، ولكن هناك من يلبس طاقيات التخفي ويزعم ما يصعب مخالفته فيه، وفي كل الأحوال، أن كل أنواع التطبيع مع العدو، بكل تسمياته أو تلوناته أو تبريراته، لا يمكن أن يحدث أو يمر أو يتستر عليه، ودماء الشهداء ما زالت تضرج الأرض وتصرخ وتنادي بحقوقها وعدالة قضيتها وانتظار ساعة النصر. يتوهم من يتصور أنه قادر على القفز على الحقوق التاريخية المشروعة ويتجاوز على مطالبها العادلة ووعي أهلها بها وقابليتهم على التضحية في سبيلها. بل ويصبح شريكا في الجريمة إذا ما حاول التغافل أو التراهن على ضعف الذاكرة وتداخل الضغوط والعوامل المؤثرة، الذاتية أو الموضوعية. بل يصبح في دائرة العدو واستمرار وجوده حين يسعى لإقناع ذاته أو غيره بضرورة الأمر الواقع والإعلان عنه كحالة طبيعية وجدت وبقيت وإهمال ما ارتكب وما فعل وما حصل وجرى إلى اليوم الراهن. إن مجرد التفكير بهذه الصورة تبعد حقيقة القضية وأبعادها وصراع الوجود وتداعياته وحتمية التاريخ المجربة. وهنا يتبين الجوهر في حركة التحرر الوطني واستراتيجيات الكفاح القومي والتطلعات التقدمية.