ثورة 14 تموز 1958 ...ثورة الامل المغدور !

عارف معروف

 

 

 

بعد ستين عاما على ثورة 14 تموز 1958 ، ثمة جدلٌ ، مستثارٌ عن قصد ودراية في جوهره ، واتبّاع وعماء في حجمه والكثير من العازفين على منواله . له مضمونه الاجتماعي العميق ومراميه السياسية الهادفة ، رغم انه يبدو ، للبعض ، سطحيا وبلا فائدة ، يتمحور حول إعادة طرح السؤال بل والالحاف في طرحه : هل كان ما حصل صبيحة ذلك اليوم التموزي البعيد ، ثورة شعبية ام انقلاب عسكري ، ام انه حتى مجرد حركة او تمرد على الشرعية واكتسب مضمونه مما تبعه من تداعيات عشوائية ؟

وإذ يتمسك البعض ، من الذين اضحوا يتناقصون على نحو مطّرد ، ولذلك أسبابه الموضوعية ، بانها ثورة عبّرت فيها الفئة المنظمة من الشعب والقادرة على حسم الأمور عن تطلعات وإرادة الشعب نفسه ، يذهب آخرون ، اخذوا يزدادون ، على نحو مطّرد أيضا ، بفعل " دين الملوك " الذي تعبر عنه سطوة قوى اجتماعية وفئات سياسية وثقافة معينة واعلام محلي وعالمي موّجه ، والناس على دين ملوكها كما يقول المثل الدارج ، الى انها كانت انقلابا عسكريا فتح على العراق أبواب الجحيم بل وان قادته لم يكونوا سوى طلاب زعامة وعسكريين طامحين سرعان ما اغرقوا البلد والشعب في دوامة من الانقسامات و الانقلابات والتقلبات والدماء لاتزال تلقي ببعض ظلالها الحالكة على العراق، وطنا وشعبا ، الى اليوم .

ان " نقد " ثورة تموز والتشكيك بجدواها والحاجة اليها بل والقول انها انطوت على ضرر بليغ صرنا نعيش تداعياته اليوم وانها كانت فاتحة الاستهانة بالدماء والنفوس من خلال ال" العنف البالغ " الذي رافق لحظاتها الأولى يترافق أيضا بحنين جارف الى عصر ذهبي مكذوب او موهوم كان عليه العراق والعراقيين خلال العقود التي سبقتها حيث كان العراق ينعم بالسلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي والاقتصاد المتين المبني على بعد نظر وتحّسب ، والرقي الاجتماعي والثقافي المتصاعد والملموس حتى بدأ البعض يدبج الصفحات عن " العراق الملكي الجميل " ....العراق الواعد ولكن المغدور كما غُدرت عائلته المالكة ! لكن هذه الادعاءات لا تستند الى شواهد موّثقة او ارقام واحصاءات يمكن ان يستعان بها في مقارنة منصفة او حتى بيّنات وشهادات شخصية للكثرة الكاثرة ممن عاشوا تلك المرحله ، وانما يجري اطلاقها كأحكام نهائية يتعيّن علينا التسليم بها والنظر الى واقع ذلك الزمان من خلالها دون وجه حق . وغالبا ما يستعان بذكريات شخصية ، فرديه ، عن هذه الواقعة او تلك ، او تركيز على وقائع معزولة مثل جمالية هذا المبنى او نظافة ذاك الشارع او حتى سفاسف وقشور ووقائع سطحية مثل عروض محدودة للازياء او انتخاب ملكة جمال اوقول " سديد وحكيم " لنوري السعيد بشأن العراقيين ...الخ لمقارنتها بواقع اليوم المزري وافرازاته السياسية والاجتماعية والفكرية وكأن ثورة تموز مسؤولة عنه وليس العكس تماما ، فاعداء ثورة تموز ومناهضوها القدامى والجدد ...اعداءها التاريخيون والاجتماعيون هم المسؤولين مسؤولية مباشرة ومكشوفة عن كل ما غرقت به البلاد سابقا وتغرق به حاليا من معاناة تبدو ، حتى اليوم مدلهمة الأفق ومسدودة السبيل !

فمن كان الحامل للوعد الاجتماعي الذي ينطوي على ارهاصات مؤكدة بالرقي والتقدم ومن كان الممثل للحلم والامل المغدور حقا .... النظام الملكي ام ثورة 14 تموز 1958 ؟!

في خطاب موجه الى الشباب ويبغي استغفالهم واستغلال فجوة الذاكرة التاريخية للأجيال والتي عملت عقود ٌ من الكبت والاضطهاد وتزييف الحقائق والتاريخ على ابعاد الشقة بينها وبين حقيقة الوقائع وتوسعة الفواصل بين الوعي ومجريات الحياة لذلك العهد ، وكذلك معاناتهم الجحيمية الحاضرة ، يجري طمس معظم ما قدمته ثورة تموز وخلال فترة قصيرة جدا من عمرها من إيجابيات لا يزال العراق والعراقيون يعيشون عليها الى اليوم في جوانب مختلفه من حياتهم ! والتعتيم على ، بل ودفن ، ما حملته ووعد به برنامجها من إمكانات ووعود كان يمكن ان نعيش عراقا آخرا بالفعل ومختلفا كل الاختلاف لو أتيح لها ان تنعم بعشرة أعوام فقط من القدرة على تنفيذها وان تتجاوز ما اغرقت به من إشكالات وصراعات ، غير منطقية في معظمها ، عكست استنفارا معاديا ، مثابرا ودؤوبا ، بفعل استشعار الخطر والتحسب غير المشروع للقوى التقليدية والمرتبطة بقوى الهيمنه والاستعمار في المنطقة ( وهي، بالمناسبة ، ذاتها اليوم ، دولا وأنظمة ، والتي استهدفت وتستهدف امال ومطامح شعوب المنطقة باستثناء الحليف الشاهنشاهي ) وتحالفها غير المعقول والشائن حقا مع قوى وأنظمة كان مكانها الطبيعي ودورها الواجب هو ان تسند هذه الثورة وجمهوريتها الفتية وان تعزز برنامجها الاجتماعي والسياسي من جهة ، وعدم نضج وضعف وعي اجنحة الحركة الوطنية وانجرارها الى صراعات صبيانية وممارسة سياسية غوغائية امتثلت فيها قيادات شابة لم يحنكها تاريخ او تنضجها تجربة سياسية يعتد بها لعواطف عابرة واملاءات جماهيرية غُلبّ فيها الثانوى تماما على الاولّي ، وغير المُلّح على الملّح والعاجل ، واهدرت طاقات ونزفت دماء حيث كان يجب ان لا تهدر طاقة ولاتنزف قطرة دم واحدة ، إضافة الى افتقار قيادة الثورة نفسها الى الوحدة والحنكة والخبرة والمنظورالواسع والحسم والحزم مما كان يقتضيه امر قيادة ثورة بناءة في بلد يمور بالاختلافات والصراعات والمشاكل المتعددة البواعث والاشكال مثل العراق !

تمرعلينا اليوم ذكرى تلك الثورة التي آزرها معظم العراقيين منذ ساعاتها الأولى متلمسين فيها وفي برنامجها المعلن وخطواتها السريعة ولكن الواضحة والمدروسة ، ولا شك ، قدرة مؤكدة على تطمين احتياجاتهم الحيوية وتلبية آمالهم وطموحاتهم في حياة حرة كريمة ووطن مستقل وحاني على ابناءه . قدرات ووعود تمثلت في اطلاق الحريات وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين عبرت عنه الثورة في قوانينها التي ارست بها الأساس لبناء قانوني سليم ما يزال معتمدا حتى الان في الكثير من اسسه رغم محاولات لم يرتضيها الناس وعبروا عن رفضهم لها للارتداد على بعضها . وتغيير وجه بغداد الذي كان مجدورا بأحزمة الفقروالمهانة والمعاناة الإنسانية البغيضة جراء تفاقم ازمة الهجرة الفلاحية الى المدن منذ ثلاثينات القرن العشرين بسبب فشل السياسات الزراعية والاروائية للعهد الملكي الذي ترك فيها الحبل على الغارب للقوى الاقطاعية المتخلفة في تخريب الريف وتدمير الزراعة ، من خلال حلول عاجلة ومدروسة لاسكان مئات الألوف ممن كانوا يفتقرون الى ابسط شروط الحياة الإنسانية المقبولة في مدن تختلف كليا عن واقع احزمة الطين والصفيح وانعدام المياه النظيفة والصرف الصحي التي كانت تتناثرلتشمل كل مناطق بغداد ، بل ان معظم مناطق بغداد الحديثة و" الراقية " اليوم كانت من ضمن حلول تلك الثورة لمشكلة السكن للموظفين من عسكريين ومعلمين وصغار تجار وعمال وغيرهم ، ناهيك عن تغيير وجه وواقع العراق كله فيما شهده التعليم في مختلف مستوياته وعرفته الزراعة والري وكذلك الصناعة والتجارة الداخلية والخارجية والسياسات المالية من استقلال واعتماد ذاتي وازدهار ...

انني ادعو، في هذه المناسبة ، الشابات والشباب الى تفحص تلك المرحلة بعناية وقراءاتها من خلال الوثائق والشواهد والشهادات لا الاحكام المبتسرة المتحاملة والمواقف المسبقة ، للتوصل الى حكم موضوعي بحقها ومعرفة ما كانت تنطوي عليه من وعود وإمكانات مستقبليه وفيما اذا كانت تلك الثورة ، ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ، صفحة سوداء ينبغي ادانتها او تجاهلها ونسيانها ، كما يزعم البعض من اعداءها ومن يتبعهم عن جهل وغوغائية ام انها كانت صفحة وضاءة وتجربة جديرة بالتقدير ومفخرة وطنية تتطلب الاعتزاز والاشادة !

وللتوضيح فقط ولإلقاء ضوء كاشف على الصورة المثالية الزائفة التي يحاول البعض ترويجها عن " العراق الملكي الجميل " ، مع الإقرار، الذي تقتضيه الأمانة ويحتمه الانصاف ، من ان لذلك العهد ،أيضا ، إنجازاته وايجابياته التي لا ينبغي لاحد انكارها ، خصوصا في اول عهد بناء الدولة على يد المغفور له فيصل الأول ، وبصورة مبتسرة يقتضيها حجم المقال ، أقول ، خصوصا لمن يتغنى عن جهل بإنسانية العهد الملكي ودستوريته ومستوى الحريات فيه ، ان الدستور الأساسي للمملكة العراقية ، الذي وضع عام 1925 وتعديلاته حتى نهاية العهد الملكي ، والذي شيد على أساسه النظام السياسي لذلك العهد ، كان دستورا محدودا من ناحية الحقوق والحريات ومقيدا من ناحية إمكانيات التعديل والتغيير من جهة وموسعا وفضفاضا من ناحية صلاحيات الملك والحكومة ، وفق مواده ذاتها ، وعلى من يشكك في قولي هذا مراجعة ذلك الدستور ومقارنته بغيره من الدساتير أولا وتناول الممارسة السياسية الفعليه التي تمت في ظله ثانيا . وأقول أيضا ، ان معظم ما شهده العراق من انتهاكات للحقوق والحريات وممارسات بشعة ولا إنسانية مما عرفنا وشهدنا خلال الفترة من تموز 1958وحتى 2003 ، وجدت أساسها في ممارسات العهد الملكي واستمرت كعرف وممارسة لأنظمة الحكم اللاحقة ، رغم انها كانت تتوسع أحيانا وتضيق أحيانا أخرى تبعا لعوامل عديدة ، فإبعاد المواطنين واسقاط الجنسية العراقية عنهم والفصل من الوظيفة لاسباب سياسية كان اول من مارسها واقرها كسابقة وعرفٍ هو العهد الملكي وكذلك انتزاع البراءات من السياسيين واستخدام التعذيب والعنف الممنهج ضدهم بل ان معظم سجون العراق المعروفة مثل سجن بغداد المركزي وسجن الحلة وسجن الكوت والقلاع التي كانت تضم السياسيين في طول البلاد وعرضها وسجن نقرة السلمان الصحراوي الشهير كانت قد بنيت في ذلك العهد ، كجزء من بنية ضرورية كان يراها لا دامة نظامه السياسي وتأمينه ضد " المخاطر " المحتملة " . كذلك فان سياسة الاعدامات العلنية وتعليق الجثث في الشوارع والساحات العامة ، والتي انكرها واستنكرها الناس حينما مارسها النظام البعثي عام 1969 كانت في حقيقتها عودة الى ممارسة ملكية معروفة لارهاب الناس ، حينما اعدم قادة الحزب الشيوعي وعلقت جثثهم في الساحات العامة وكذلك فان سحل والتمثيل بجثث نوري السعيد والوصي عبد الاله الذي جعل منه البعض " فاجعة إنسانية اليمة " خص بها ثورة تموز ووسمها بالعنف وسفك الدماء ، و رغم رفضنا الشديد واستنكارنا له ، كان محاكاة وانتقاما لتعليق جثث بعض قادة ثورة مايس 1941 والتمثيل بها من قبل الوصي نفسه ومشاركة نوري السعيد ذاته ، رغم معرفة ماكانوا يحظون به من حب وتقدير في نفوس الكثيرين من أبناء الشعب !

اما اضطهاد القوميات والأقليات العرقية والدينية فان العهد الملكي هو اول من شرع بقمع الاكراد بالقوة العسكرية المسلحة وكذلك الأقليات الدينية والقومية الأخرى ، بل انه سجل سابقة مبكرة في علاقة استخدام العنف المفرط في العلاقة بالشعب من خلال تجريد حملات عسكرية كان يتم فيها القصف بالمدفعية والطائرات ضد العشائر المنتفضة في الفرات الأوسط وغيره ، اما ضرب المتضاهرين بالنار وقتل اعداد منهم فقد كان ممارسة روتينية شهدتها كل التظاهرات والاحتجاجات التي عرفها ذلك العهد ، اما صورة التسامح الديني من خلال الحريات والمشاركة التي تميز العهد المذكور بتقديمها لليهود العراقيين والتي يطنب بها اليوم ، أصدقاء " اليهودي العراقي المظلوم " ، عن خبث مقصود وغرض لا يخفى على نظر فاحص فقد كان ذلك العهد ، وليس عهد غيره ، مع حليفته بريطانيا قد نظم أوسع حملة لاضطهاد وتهجير اليهود من العراق عبر ما عرف ب فرهود اليهود خدمة لمصالحه ومصالح إسرائيل ، في حين بادرت ثورة تموز الى عكس ذلك كله وفي كل المجالات !

ان ما تقدم هو غيض من فيض لا اسعى فيه الى الدعاية الحماسية لعهد ولا انكار حسنات وايجابيات عهد آخر وانما ادعو الى النظرة الحيادية المتوازنة في دراسة ماضينا القريب وتشخيص عوامل القوة والنجاح ومواطن الزلل والفشل فيه مع التأكيد على ان الفرص التاريخية لا تعوض والامال المغدورة لا ترد ، لكن الاحلام المحفزة والطموحات البناءة دوافع إيجابية بناءة وانها لن تنتهي عند شعب يحب الحياة ويحترمها على أساس من الكرامة والإنسانية . شعب يقيّم ابناؤه ومثقفوه وشبابه وقادة الرأي والفكر فيه تاريخهم ووقائعه بموضوعية ودراية ويميزون فيها بين الغث والسمين ، بين الأصيل الذي ينطوي على امالهم ويلبي طموحاتهم وبين الزائف المفروض بقوة ترديد الأكاذيب وزيف الاعلام الموجه !