حل مشاكل الحاضر بتحطيم المستقبل

 

صائب خليل

 

 

العقوبات الأمريكية على أربعة عراقيين، هي واحدة من سلسلة إجراءات يمكن تصنيفها بأنها من نوع "تحطيم للمستقبل" بحجة حل مشكلة آنية في الحاضر، هذا ان كانت تحلها. فمثل بقية العقوبات الأمريكية، يحتوي هذا الإجراء على عنصر تقويض للقانون الدولي واصول التعامل بين الدول ومبدأ احترام سيادتها. وحتى لو كان من تعرضوا لتلك العقوبات يستحقونها فعلا، فأن هذا لا يخفف من تأثير تلك العقوبات على النظام العام والقانون، بوضع أميركا بديلا للمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والقانون الدولي. وحتى لو لم تتخذ اميركا إجراءات تتجاوز صلاحياتها داخل بلادها ومؤسساتها، فأن سعة سيطرتها على العالم سياسيا وعسكريا وماليا، يتيح لها تأثيراً قادراً على انتهاك القانون الدولي من الناحية الفعلية، حتى لو لم تصل الى انتهاكه من الناحية الشكلية أيضا.

إنها من نفس النوع الذي رأينا السيد مقتدى الصدر يحاسب به عدد من المحسوبين على تياره. فهو إجراء يضع السيد مقتدى مكان القانون والقضاء، فيقلل من مصداقيتهما واحترام الناس لهما. بل هو يضع نفسه في مواجهة القانون والقضاء لأن إجراءاته مخالفة للقانون. ولأنه يقوم بها بشكل علني ولا يتم اصدار أوامر بالقبض عليه خشية سطوته، فإنه يدعس بحذائه عملياً على القانون.

وليست هي المرة الأولى التي يتورط فيها السيد مقتدى بهذا الموقف، ولعل اشهر "حل للحاضر على حساب المستقبل" فعله السيد مقتدى بمشاركة زملائه في كتلة سائرون من شيوعيين وغيرهم، وكذلك كتلة الفتح بقيادة هادي العامري، وبمباركة مؤسفة للبرلمان العراقي والمحكمة الاتحادية، هي عندما تم اختيار عادل عبد المهدي بشكل مناقض للدستور بشكل صريح تماما، حيث تنص المادة 67 على ان اختيار رئيس الحكومة يجب ان يكون من خلال الكتلة الأكبر. وبدلاً من ذلك خرج لنا السيد مقتدى "بتخريجة" احتيالية لفظية هي ان "الشعب اكبر من الكتلة الأكبر"!! وصمت باقي حلفائه عن تلك الجريمة وهي جريمة بكل المقاييس- صمتوا صمت الشياطين الخرساء عن تحطيم دستور كان له الفضل في وصولهم الى الحكم، بكل من يحتمل ان يكون لذلك من نتائج كارثية على المستقبل، حيث لن يكون صعباً الدعس على الدستور لأي سبب كان وفي أية مادة كانت.

على مستوى الحروب، فأن قوى عظمى مثل اميركا والناتو، طالما قامت بشن حروبها لـ "حل مشكلة" ما، بدعس القيمة المعنوية للأمم المتحدة والقانون الدولي، مثل الحرب في يوغوسلافيا واحتلال العراق. وكذلك يقع ضمن تلك الإجراءات الحصار الاقتصادي على كوبا وكذلك على العراق والذي يمكن عده "حرب إبادة" ان اخذنا عدد ضحاياه كمقياس، إضافة الى عدد كبير جدا من الإجراءات المماثلة ضد دول أخرى مثل ايران وشيلي (من اجل اسقاط حكومة الندي المنتخبة).

هناك أيضا مثال شائع على المستوى الاجتماعي، حيث إعادة العشيرة لتتحكم بالمجتمع العراقي (وقد كان ذلك بشكل متعمد ومدروس من قبل سلطة الاحتلال)، وتقديم الحلول المتخلفة والآنية للمشاكل الاجتماعية، مثل الفصل والكوامة وغيرها.

وغني عن القول ان النظام العشائري غير قانوني وغير دستوري أيضا. فالدستور يضمن مساواة العراقيين، بينما يضمن نظام العشائر في حقيقة الأمر "عدم مساواتهم" لأنهم سيلجؤون الى عشائر مختلفة القوة، وستحدد تلك القوى غير المتساوية حقوق كل مواطن، بدلاً من القانون الذي يفترض فيه ان يدعم كل مواطن بشكلٍ متساوٍ.

لذلك فأن حل المشاكل بهذه الطريقة هو تحطيم للنظام والقانون والمستقبل معهما. وكان آخر ابداعات دعاة العشائر في العراق إقامة دوري لكرة القدم بين العشائر. وهنا لا تحل مشكلة محددة بالضبط، لكنها تخدم في تثبيت التقسيم العشائري في اذهان المجتمع العراقي، وهي دليل قوي على أن هناك من يسعى عن وعي وتخطيط إلى هذا الهدف. كذلك فأن اقتراح وإقرار قانون العشائر، وفي وقت مبكر من النظام البرلماني الجديد، دليل قوي بل قاطع على وجود تلك الجهة المنظمة وقوتها.

ويتحجج دعاة العشائر بأن القانون ضعيف ولا يستطيع حمايتهم ولا حل مشاكلهم بشكل مرضي. ويستعمل ذات الحجة المدافعين عن مقتدى الصدر. والمشكلة ان كل لجوء الى العشائر والتخلي عن القانون يزيد الطين بلة، فيضعف القانون ويقوي العشائر. ولكن ان كنا نتفهم لجوء الافراد العاديين الى العشيرة كملجأ أخير، فما لا نستطيع فهمه ان يلجأ الى ذلك شخص ذو سلطة عالية جداً في الحكومة وبين اتباعه، فلا يستغل تلك السلطة والفرصة لتقوية القانون والنظام، بل يسعى بدلا من ذلك الى حل المشاكل الآنية وتحطيم النظام.

وخطر قانون العشائر لا يقتصر على إعادة المجتمع قروناً الى الوراء الى أيام سلطة العشائر، فالمجتمع الحديث لا يستطيع العيش مع ذلك النظام حتى لو أراد. ولقد شهدنا قتالاً عشائريا يستخدم الأسلحة الثقيلة مؤخراً، بل ان هناك من تحدث عن استخدام الطائرات المسيرة أو التفكير باستخدامها!! ويمكننا ان نتخيل اذن كيف يمكن يكون الأمر، حين يسلح متخلف بقوة فتاكة.

هل كانت المشاكل التي تم "حلها" تستحق التضحية بالقانون والنظام؟

لو كان هذا صحيحاً لما كلف احد نفسه ان يؤسس نظاماً! فترك النظام وتسليم السلطة لجهة اعتباطية مثل مقتدى او اميركا أو العشائر، يعني ان المشكلة سينظر اليها من وجهة نظر تلك الجهة وان الحل سيكون أيضا من وجهة نظر تلك الجهة، وهذه لا تطابق بالضرورة الصالح العام الذي أسس عليه النظام والقانون. فإن كان السيد مقتدى يرى في عبد المهدي الرجل المناسب "المستقل المستقيل من الفساد" فهذه ليست وجهة نظر الناس كما هو واضح جداً اليوم! وهؤلاء، وهم الغالبية الساحقة من الشعب لا يرون فيه الا شخص مشبوه الماضي وخطر على المستقبل، وسيرون في موقف السيد مقتدى تحطيم للقانون والدستور فحسب، اكثر مما هي محطمة، وان تنصيبه كان مؤامرة على البلد، وليس حل لمشكلة ما. وما يؤكد ذلك ان تلك "المشكلة" تم حلها على غير المعتاد، خلال ساعة واحدة فقط، وبالتالي لم تعط الوسائل الدستورية لحلها، اية فرصة على الإطلاق.

لكن دعونا نفترض ان تلك الإجراءات كانت تحل مشاكل عامة بالفعل وباتجاه صحيح، أي لنفترض ان عقوبات مقتدى الصدر قد قللت الفساد وأن العقوبات الامريكية كانت توجه بالفعل ضد دول واشخاص فاسدين ومجرمين حتى من وجهة النظر الدولية والإنسانية (وهو افتراض غير صحيح على اية حال)، وان عبد المهدي ليس ما نعرفه عنه من حقائق، بل هو على العكس الشخص الأنسب، ولنفترض أن العشائر تتصرف بعدالة وأن حلولها كانت حكيمة. رغم كل هذه الفرضيات غير الواقعية في ايجابيتها، فإننا سنجد ان قيمة تلك "الحلول" اقل بكثير من الكلفة والخسارة التي تتسبب بها. إنها تحل مشكلة آنية مقابل تحطيم نظام تم تأسيسه بجهد كبير واموال كثيرة واحيانا تضحيات، ويحتاج الى كل هذا لإعادة بنائه إضافة الى الوقت الطويل لإعادة بناءه وتثبيت احترامه من جديد في رؤوس المواطنين. ففي حقيقة الأمر فأن تحطيم القانون والنظام والدستور هو تحطيم للدولة، وبالتالي تحطيم للشعب ككيان محدد.

إذن فالخطر من هذه الممارسة خطر كبير جداً، ومن الغريب ان لا تتصدى له الأحزاب والمؤسسات في العراق، بل نحن على ثقة ان هذا التحطيم مدعوم بشكل واع ومدروس، من قبل جهات وضعت تحطيم المجتمع العراقي وتجزئة العراق هدفاً لها.