هونك كونغ:  بلد واحد  بنظامين مختلفين ، أم بنظام واحد؟

صباح علي الشاهر

 

 

ما خلا سحنات الناس واللغة والكتابة فليس ثمة شيء في هونكونك صيني ، لا أعلام صينية حمراء ، ولا مطرقة ومنجل، ولا حزب شيوعي ، فقط المال والإعمال والتجارة والعمارات الفارهة والمولات ،  وعروض "الدزاين" من أرقى وأغلى الشركات العالمية . وغلاء يصل حد الفحش قياساً ببرها المجاور، ولكن مستوى معيشي ودخل فردي يقف في الصدارة في السلم العالمي للرفاهية . الوقوف على ميناء هونك الهائل يشعرك أنك أمام ميناء لدولة عظمى وليس لأدارة مدنية ملحقة بدولة لا تتجاوز مساحتها 1,104 كم مربع ، ونفوسها لا يتعدون السبعة ملايين ، مايقارب 94% منهم من قومية الهان الصينية . ومطارها الهائل المصنف كأفضل مطار في العالم يتباهى بكل شيء . أجزم أنك لو زرت هونك كونك كما زرتها أنا ستنبهر بها في يومك الأول، والثاني ، وربما الثالث ، لكنك ستقف في الأيام التالية متسائلاً عن حالها ومصيرها غير المستقر، وستشعر حتماً أن هذه البقعة الصغيرة المنزوعة الإسنان ، بمواجهة تنين جاثم عليها وحولها من كل الجهات ، وهو يزرع أسنانه بلا توقف ، ويمد قوته وجبروته إلى أبعد نقطة في هذه الأرض ، وربما أبعد نقطة في الفضاء مستقبلاً ، ستعرف أين سيكون مآلها ومصيرها الحتمي .

هونك كونك منذ القدم تابعة للصين كمدينة صغيرة قليلة الأهمية ، لكن إحتلالها من قبل البريطانيين في أعقاب حرب الإفيون 1839 1842 سيغير وجهها ووجهتها ، سيجعلها مركز التجارة العالمية ، جوار الصين التي سينشأها ماو ، الصين الشعبية الحمراء .

أعيدت هونك كونك إلى الصين الوطن الأم عام 1997 ، ولكن كإدارة خاصة تتمتع بالحكم الذاتي الواسع ، بإستثناء شيئين ، العلاقات الدبلوماسية ، والبنية العسكرية ، تطبيقاً لشعار ( بلد واحد ، نظامان مختلفان) ، الذي سمح لها بالإبقاء على نظامها الاقتصادي الرأسمالي لمدة 50 عاماً ، وهي مازالت لحد الآن تتبع النظام القانوني الإنكليزي ، ويرى البعض أن مشروع قانون تسليم المجرمين إلى الصين يتناقض كلياً مع هذا القانون ، وربما يكون بداية للتخلي عنه ، وإحلال القوانين الصينية مكانه ، وهذا ما يفسر درجة الغضب لدى المعارضين الذين يرون في إسقاط هذا المشروع قضية ترتقي إلى معادلة حياة أو موت ، وهم يرون أن هذا المشروع الذي قدمته الرئيسة الموالية للصين إن تم إقراره فإن أي معارض للصين سيكون حتماً تحت رحمة القوانين الصينية، وبالتالي فإن هونك كونك ستفقد فرادتها فبدل (بلد واحد ، نظامان مختلفان ) ستصبح المعادلة ( بلد واحد ، نظام واحد).

بعيداً عن المبالغات حول حجم التظاهرات فقد شارك فيها 150 ألف متظاهر وفق بيانات الشرطة ، و500 ألف متظاهر وفق بيانات المعارضة . يقابلهم ويعارضهم 300 ألف متظاهر وفق بيانات الشرطة ، و750 ألف وفق بيانات مؤيدي الصين ، فإذا أضيف لهذا أن الانتخابات التي جرت بإشراف دولي قد أتت برئيسه مؤيدة للصين ، يتبين لنا أن ليس كل سكان هونك كونك معادين للصين ولا حتى نصفهم ، فالصين لم تعد تلك الصين الفقيرة التي شكل إقتصاد هونك كونك 1997 أكثر من ربع إقتصادها ، أضحى إقتصاد هونك كونك الآن يشكل أقل من 1% من إقتصاد الصين المنطلق كصاروخ عابر للقارات ، وهذا يعني أن الصين حتى لو فقدت هونك كونك ، وهو أمر شبه مستحيل ، فإن تطورها الاقتصادي لن يتأثر ، سوى لبضعة أشهر في أسوء الإحتمالات إذا ظلت نسبة نمو الاقتصاد الصيني على ما هي عليه .

من المؤكد أن ما يجري في هونك كونك الآن هو جزء من الحرب التي تشنها أمريكا وحلفاؤها على الصين التي وقفت بوجه العقوبات بشن عقوبات موازية أفقدت الاقتصاد الأمريكي ما حصل عليه جراءها، لكن هذا الرد "الهونكوكي" يبدو أن الزمن قد تجاوزه ، فالصين التي تغلغلت في إقتصاد أمريكا ذاتها ، لا يعقل أنها لم تفعل الشيء ذاته، وأكثر منه في إقتصاد هونك كونك ، والصين التي إنتشر أتباعها ومؤيدوها في قارات العالم ، لا يمكن أن تعجز عن نشرهم في هونك كونك التي هي صينية ثقافة وأرضاً ولغة وروحاً وتأريخاً .

ليس ضربا بالودع القول بأن الصين ستتجاوز عقبة التظاهرات في هونك كونك ، وستعزز إرتباط هونك كونك بالبر الصيني ، ربما ليس الآن ولكن بعد حين ، وستتجه لإستئصال الوجود الأمريكي في هونك كونك، ولكن ليس الاقتصادي المطلوب من قبلها ولو إلى حين ، وإنما المخابراتي غير المرغوب به والمثير للفتن والعراقيل .

أمريكا تريد ، والصين تفعل ما تريد ، قد نصحو يوما على إلتحاق ( تايوان ) بالصين ، وقد يأتي هذا اليوم عبر انتخابات نزيهة بإشراف دولي ، فعندما تشرق شمسك يحل نهارك  ، وعندما تغرب شمسك ، يحل ظلامك .