رئيس الوزراء البريطاني الجديد والرهان المستحيل

محمد عبد الحكم دياب

 

 

 

 

 

فاز بوريس جونسون برئاسة وزراء بريطانيا لفترة قادمة؛ قد تطول وقد تقصر.. وهل لحسن حظه أم لسوئه تتم مقارنته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وجونسون في ذاته شخصية مثيرة للجدل منذ التحاقه بجامعة أكسفورد واستكمال دراسته في الآداب القديمة، وبعد انتخابه رئيساً لاتحاد الطلاب عام 1984. واختار العمل بصحيفة الديلي تلغراف، وصار مراسلها في الاتحاد الأوروبي، ونائباً لمديرها، ومنها انتقل مديراً لصحيفة سبيكتيتور، في عام 1991.

أكسبته الصحافة شهرة، وعززت مكانته الاجتماعية، وأدخلته معترك السياسة، وصار عضواً في مجلس العموم (البرلمان) عام 2001؛ ممثلاً لحزب المحافظين. ورغم عنصريته، لا يُحسب على الرجل الأبيض الأوروبي بالمنطق العنصري، فدماؤه خليط من الدماء العثمانية من جد شركسي هاجر إلى الولايات المتحدة؛ وفيها وُلد بوريس جونسون في عام 1964 بمدينة نيويورك.

وذلك أكدته صحيفة حريت التركية، وذكرت أن بوريس حفيد لصحافي وسياسي عثماني مسلم؛ اسمه علي كمال؛ عمل وزيرًا للداخلية لثلاثة أشهر في حكومة دامات محمد فريد باشا (1853- 1923). وكان معارضاً لما عُرف في التاريخ العثماني بـ حرب استقلال تركيا (ما بين 1919 ـ 1923). وجاء على موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة أن جونسون ينتسب إلى جد حاخام ليتواني من اليهود الأرثوذكس، وقد أشار لتنوع أسلافه، ووصف نفسه بـ بوتقة ذابت عناصرها في رجل واحد؛ مزيج من مسلمين ومسيحيين ويهود.

ويبدو أن جونسون ورث عن جده الأكبر لأبيه علي كمال، ولعه بالعمل الصحافي، وحين عمل فيه كان مثيراً للجدل؛ إلا أنه مكنه من ولوج عالم السياسة؛ وبدت شخصيته كأنها مُهَنْدَسَة جينياً لإثارة الجدل؛ جمع فيها بعضاً من جِده، وبعضاً من شخصية ترامب؛ غريبة الأطوار والعقد.

المهم أن بوريس جونسون تغلب، الثلاثاء الماضي (23/ 07/ 2019)، على منافسه وزير الخارجية جيريمي هَنْت، وفاز برئاسة حزب المحافظين، فتأهل لخلافة رئيسة الوزراء السابقة تريزا ماي. وجاءت نتائج تصويت أعضاء حزب المحافظين، وعددهم 159 ألفاً و320 عضواً، حصل جونسون منهم على 92 ألفاً و153 صوتاً، مقابل 46 ألفاً و656 صوتاً حصل عليها منافسه. وكُلف بتشكيل الوزارة من طرف الملكة اليزابث الثانية، وتسلم رسمياً مهام منصبه بعد ظهر الأربعاء الماضي (24/ 07/ 2019).

وفي إشارة سريعة إلى جَد جونسون، المولود عام 1867، فقد خاض غمار السياسة في وقت تحتضر فيه الدولة العثمانية، فتركها للعيش في بريطانيا عام 1909. وعاد إليها مرة أخيرة عام 1912. وفي هذه الفترة أُغتيل بطريقة بشعة في نوفمبر 1922.

يستخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون لغة عنصرية مقيتة في مخاطبة المسلمين والمهجرين والمخالفين في الرؤى والثقافات والعقائد

ووصف المعلق والكاتب، روجر كوهين، بصحيفة نيويورك تايمز (24/ 07/ 2019)؛ شخصيتي ترامب وجونسون بشكل لافت؛ دمغ الأولى بالغرور والجهل، وقصر وصف الثانية على الغرور؛ دون وصفه بالجهل؛ من وجهة نظره، وعلق: علينا مواجهة خبل ترامب وشذوذ جونسون. ويرى كوهين أن ترامب كذب فوصل لأعلى منصب، كمهرج أحمق؛ مخلفاً وراءه أضراراً بالغة. ويستطرد كوهين: جونسون ليس أحمق، فهو يعرف ما يريد.

فعلى مستوى الشخصية يتشابهان إلى حد كبير، فكلاهما متهور؛ يطلقان تهديدات، ويفرضان عقوبات على الضعفاء، ويساومان الأقوياء ويبتزان ويحلبان العرب الأثرياء، وكثيراً ما تتغير لهجة الصلف والاستعلاء إلى لهجة مهادنة ولطف.

وعن العنصرية فحدث ولا حرج؛ يستخدم الرجلان لغة عنصرية مقيتة في مخاطبة المسلمين والمهجرين والمخالفين في الرؤى والثقافات والعقائد. وهذا يتناقض مع ما وصف به جونسون نفسه، وانحداره من أجداد من الديانات الثلاث، ومع ذلك فانخيازه العنصري ضد المسلمين ثابت منذ أن كتب عام 2007 عن الإسلام وتسببه في تخلف العالم الإسلامي لقرون، وهاجم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بسبب أصوله الإفريقية، وذلك تقليداً لترامب، الذي لم يتورع عن مهاجمة برلمانيات ذوات أصول عرقية وثقافية غير بيضاء، ودعاهن للعودة إلى بلدان مفلسة؛ تتفشى فيها الجريمة، اللاتي أتين منها؛ يقصد بلادهن الأصلية.

ورأى أن كل بؤرة متوترة في العالم تقريباً لها علاقة بالإسلام، من البوسنة إلى فلسطين والعراق فكشمير. من جهته، قال ترامب: أعتقد أن الإسلام يكرهنا، وعقب توليه الرئاسة منع مواطني عدد من الدول العربية والإسلامية من دخول أمريكا. وعن الموقف من اغتصاب فلسطين: أبرزت صحف ومواقع عدة تصريحات جونسون المؤيدة لتل أبيب، وفيها يصف نفسه بأنه صهيوني متحمس..

وموقف جونسون من الاتحاد الأوروبي سلبي للغاية، حيث يرى ضرورة خروج بريطانيا منه حتى من دون التوصل إلى اتفاق، معتبراً أن بقاءها ضمن الاتحاد سيعود عليها بالضرر البالغ، وهو ما يتطابق مع موقف ترامب الذي حرض بريطانيا على الخروج بلا اتفاق، ورَفْض تسديد مبلغ 39 مليار جنيه إسترليني؛ متفق عليه، كأحد شروط الخروج. وسبق وشبه جونسون أهداف الاتحاد الأوروبي بما كان يسعى إليه الزعيم النازي أدولف هتلر لتوحيد دول أوروبا تحت سلطة واحدة.

أما تأييده للدولة الصهيونية، فيؤكده وصفه لنفسه بأنه صهيوني حتى النخاع، ووصفه للدولة الصهيونية الاستيطانية أنها دولة عظيمة ويحبها، وبالنسبة لترامب فأمره واضح وسافر، منذ اعترافه بالقدس عاصمة (لإسرائيل)، ونقل السفارة الأمريكية إليها، واعترافه بسيادة الدولة الصهيونية على هضبة الجولان السورية، وصولاً إلى تنفيذ خطته لتصفية القضية الفلسطينية بصفقة أُطلِق عليها صفقة القرن.

ومنذ دخوله معترك السياسة ومعروف عن جونسون إطلاقه لتصريحات توصف دائماً بالشائنة، وأبرزها تصريحه الساخر من الذين يَدْعون إلى مقاطعة الدولة الصهيونية، وشبههم بـأكاديميين يساريين يرتدون ملابس عفا عليها الزمن.

يبقى سؤال يقول هل يكرر معه حكام وقادة عرب في شبه الجزيرة العربية والخليج والأردن ومصر، ويقدمون له ما قدموه لترامب وعائلته بسخاء شديد، ويراهنون عليه كـبطة عرجاء، وهو في الحقيقة بطة كسيحة؛ لا تملك من أمر نفسها شيئاً، ومع ذلك ابتزت عرب شبه الجزيرة العربية والخليج، وحَلَبَتهم.. وحققت للدولة الصهيونية ما لم تكن تحلم به يوماً.

وهذه البطة الكسيحة جرؤت على من لم يجرؤ عليه أحد من قبل، وذلك بشطب شعب فلسطين من الوجود.. وتمكين تل أبيب من القدس المحتلة، وأقرتها عاصمة أبدية مغلقة للحركة الصهيونية، وقد كانت مدينة مقدسة ومفتوحة لكل البشر والأعراق والأجناس والشعوب، ولم يبق إلا صدور الأوامر لكتائب التطبيع والصهينة لتصول وتجول وتعيث في أرض فلسطين فساداً، وتدنس المسجد الأقصى.. ويسر لها ومكنها من هذا حكام ومسؤولون عرب؛ لا يؤمنون بمبدأ ولا بدين أو ملة، ويراهنون دوماً على عدوهم، ويبالغون في إرضائه وتدليله وتلبية طلباته غير المشروعة ولم يجربوا مرة الرهان على الشعب؛ حتى شُلَّت قدرتهم على التصرف، وأوردهم ذلك موارد التهلكة..