الحقُّ أولى .....

 

عارف معروف

 

كان ابي تاجرا موّسرا، ووجيها عشائريا ، وكان يقيم ، في مناسبة معينة في شهر رمضان من كل عام ، مأدبة كبيرة ، يحضرها معظم ان لم اقل كل تجار الشورجة . وكان التقليد العائلي المتّبع ، ان نودع ضيوفنا لاحقا حتى باب الدار ، مثل كل عائلة عراقية . وفي ذلك العام ، وكنت فتيّا ، كان ابي واخوتي يودعون ،كالعادة ، الضيوف بعد انتهاء المأدبة ، فلاحظت انهم اكرموا وفادةَ رجلٍ لا يستحق، عرفت خلال المأدبة انه من كبار التجار ، لكن سلوكه خلال الجلسة كان منّفرا بالنسبة لي ، فقد نزل بالتنكيت حدّ التهريج ، ووصل بالسخرية دَرَك الإسفاف ، لذلك فقد استغربت وأسفت ان يحظى من ابي واخوتي بذلك الإكبار عند توديعه ،والأدهى من ذلك ، وما اثار حنقي اكثر ، وكنت الأصغر بين اخوتي والبلاك شيب المختلف ، كما يقال ، ان رجلا من اقاربنا ، وكان جليلا وعزيزا ، على فقر حاله ، قد ودعّ ابي واراد ان يغادر دون ان يتبعه احد ، فتبعته واوصلته حتى الشارع وودعته بما يليق به من حفاوة واحترام معتقدا انني اعوضه بذلك عما حسبته قد لقيه من اهمال...

عند عودتي كان ابي غاضبا لأنه ارادني في بعض شؤونه فلم يجدني وعند اخباري له انني كنت أوصل الرجل انكر ذلك ، فوقع ما اردت تلافيه وأعلنت عن تبرمي ورفضي لما اراه من بعد عن العدل والانصاف في تقييم الناس ، وايدني اخي الاوسط ، الأمر الذي استفظعه ابي ، فأضاف ، الى سلسلة تراكمات أخرى المزيد من الحنق لديه !

منذ ذلك الحين ، وربما قبله بكثير ، وانا اكره الزيف والمصانعة وتقدير الناس على أسس غير محتواهم الإنساني ومضامينهم الأخلاقية والقيمية الفعلية ومنذ ذلك الحين وانا أرى ان الحق أولى ان يتبّع ولو قلّ الناصر والحقيقة اجدر بالاحترام ولو طغى الجهل . ومنذ ذلك الحين وانا من الاخسرين في مجال ما يدعى بالعلاقات العامة وقواعد المجاملة وما تقتضيه من زيف ومسايرة ، خصوصا وقد انضاف الى ذلك ، بالضرورة ، الافتراق عن القطيع ، وكراهية القولبة ورفض الخضوع بتاثير قوّة او منصب او لأجل حاجة او منفعة او جراء اتّباع موقف مسبق لجهل او تعصب ، ولم يتسبب لي ذلك بخسران المال والوظيفة فقط وانما مواجهة الاضطهاد والسجن والعذاب...

واذا كان ذلك قضاءا لا بد منه في ظل نظام طاغوت الجهل والحماقة والاجرام السابق فان الحال لم يصبح احسن منه ونحن بإزاء نظام فقدان السيادة والإرادة وشيوع اللصوصية والفساد، فالمهرجان ، مهرجان الانتهازيين والوصوليين والجهلة والسراق والامعات ، هو نفسه في الحالين ، والاستبعاد ، استبعاد الإخلاص والشرف والضمير والشعور بالمسؤولية ، كذلك ، هو نفسه في الحالين !

تداعت هذه الذكريات في بالي وانا اتلقى العتب من بعض الأصدقاء لمواقف أعلنتها وتغريدات نشرتها مؤخرا حول ما يحصل في العراق والمنطقة ، إضافة الى ما لاحظته من انسحاب بعض أصدقاء الفيس بوك وإلغاء صداقتهم ، لذات السبب !

لهؤلاء الاخوة والأصدقاء أقول ، ان الحق والحقيقة ، ملكا علي نفسي منذ نعومة اظفاري ، وتطلبا مني تضحيات جمّة ، وانني لا أتصور نفسي يوما ممالئا لزيف او جهل او تعصب او طغيان او امتثال يخالف قناعتي وما اراه وادركه من الحق والانصاف وضرورة نصرته انىّ كان ومع أي تمّثل !