الأرقام المؤلمة

كاظم الموسوي

 

 

ارقام واحصائيات تنشر وتمر علينا سريعا دون أن نتمعن بها جديا، كل منا، من تعنيه مباشرة أو من ستصله اوجاعها أو آلامها أو الحسرات. في وطن عربي كنوزه أغرت العالمين، ودفعت الأقطاب المدججة بالأسلحة النووية تتدافع عليه، تبني قواعد عسكرية وتستوطن أساطيل حربية حوله وفي مياهه وداخله عند منابع طاقته وثرواته وخيرات شعوبه.

كشفت الاحصائيات التي عرضت في مؤتمر "النمو الشامل" الذي انعقد العام الماضي في مراكش، أرقاما مؤلمة ومقلقة عن الأوضاع الاقتصادية بالعالم العربي فبالرغم من ثرواته الطبيعية والبشرية الهائلة، فإن 40 في المائة من سكانه يعيشون تحت عتبة الفقر، وحوالي 142 مليون مواطن عربي يعيشون بأقل من ثلاثة دولارات يوميا و25 في المائة من شبابه عاطلون عن العمل، فيما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن معدلات البطالة قد تصل إلى 14 في المائة بحلول سنة 2030، إذا استمرت معدلات النمو وتخطيط فرص العمل بوتيرتيهما الحاليتين.

وتضيف أرقام المؤتمر الذي عقد بشراكة مع صندوق النقد الدولي، وصندوق النقد العربي، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، تحت شعار: "الازدهار للجميع.. تعزيز الوظائف والنمو الشامل في العالم العربي"، بأن نسبة تشغيل النساء لا تتعدى امرأة واحدة بين كل أربع، ناهيك عن أن 330 مليون مواطن عربي، أي 70 في المائة من سكانه، لا يملكون حسابات بنكية، فضلا عن صعوبة الحصول على التمويل، التي تشكل أكبر عائق أمام تنمية القطاع الخاص في المنطقة، إذ تعد نسبة القروض لتمويل المشاريع الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة في المنطقة هي الأقل على الإطلاق على مستوى العالم، حيث لا تتجاوز 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

وتشير ارقام أخرى او احصاءات متداولة منذ عامين أو أكثر إلى أن 57 مليون عربي لا يعرفون القراءة والكتابة، وأن 13,5 مليون طفل عربي لم يلتحقوا بالمدرسة في عام الاحصائيات. وأن الزيادة في معدلات الفقر بلغت 8  في المائة في العامين الأخيرين، وأن تريليون دولار كلفة الفساد في المنطقة العربية، وأن 5 دول عربية هي في قائمة الدول العشر الأكثر فساداً في العالم.

رغم أن العالم العربي يمثل 5 في المائة من سكان العالم، فإنه يعاني من 45  في المائة من الهجمات الإرهابية عالمياً! وأن 75  في المائة من لاجئي العالم عرب، وأن 68  في المائة من وفيات الحروب عالمياً عرب، وأنه من عام 2011 حتى 2017 تم تشريد 14 مليون عربي، وأنه من عام 2011 حتى 2017 تم تدمير بنية تحتية بقيمة 460 مليار دولار! وأنه من عام 2011 حتى العام 2017 هناك خسائر في الناتج المحلي العربي بقيمة 300 مليار دولار.

وعلق كاتب عربي في مقال له على أن "هذا الكلام الموجع ليس من عندي، لكنها أرقام مبنية على إحصائيات موثقة، أظهرتها القمة العالمية للحكومات، التي رعاها حاكم دبي من 12 إلى 14 فبراير/ شباط 2017، وتضمنت في جلساتها على مدى 3 أيام 150 متحدثاً، في 114 جلسة، حضرها أكثر من 4000 شخصية إقليمية وعالمية، من 138 دولة. وهذه الإحصاءات كانت قبل عامين، ولن يجانبكم الصواب لو أضفتم على كل الأرقام 10 في المائة أو 20 في المائة، لنصل لهذا التاريخ الذي نحن فيه (2019)، لتزداد فجيعتكم أكثر."!

أما إذا بحثنا في أوضاع المرأة العربية فإن الأرقام والإحصاءات اكثر من مصيبة واقسى من مؤلمة في الموقف منها والدور المطلوب لها ومنها، ومحاولات أو ممارسات الإعاقة والمنع ونسب التعليم والتشغيل. فحسب ما ينشر تشكل المرأة 80  في المائة من اللاجئين والنازحين في العالم وغالباً ما تكون النساء والفتيات هدفا للإبادات الجماعية والعنف الجنسي والاغتصاب والتجارة الجنسية والرقيق الأبيض. وتمثل الفتيات والنساء 60 في المائة من حالات عدم الالتحاق بالمدارس والشرائح الأكثر فقرا وعوزا في العالم، وهذا يضم اليمن والسودان وموريتانيا ومصر والعراق وفلسطين وانضمت سوريا وليبيا إلى القائمة مؤخراً. أما نسبة مشاركة المرأة العربية في البرلمانات الوطنية فتبلغ 5.8  في المائة وهي من أقل النسب في آسيا وإفريقيا، كما لا تتعدى مشاركتها في

الاقتصادات الوطنية 29  في المائة وهذه النسبة من أدنى المعدلات في العالم، ومثلها الأرقام والإحصاءات عن نسب التعليم عموما والصحة العامة وفرص التدريب واحوال الإسكان. وكذلك أوضاع البيئة والتنمية المستدامة وغيرها.

هذه الأرقام والإحصاءات المتداولة ليست جديدة، وليست أخبارا اعلامية، تمر مرور الكرام، بل هي نتائج أبحاث ودراسات، نوقشت في مؤتمرات دولية ومازالت أو استمرت بازدياد واضطراد، وكأنها قدر عربي، لا احد راجعها أو تابع مسارها أو مصيرها أو فكر في إيجاد  حل ما لها، أليست  فجيعة عربية صارخة؟!.  وان المسؤولية كبيرة جدا، وسيسجل التاريخ أن أصحاب القرار السياسي في الوطن العربي يوفرون مناخات للمؤتمرات دون أن يراجعوا ما توصلت اليه، وييسرون أبحاثا ودراسات دون اطلاع عليها أو معالجة لها ويكلفون مؤسسات وطاقات معروفة عالميا وينتهون منها مع انتهاء جلسات المؤتمرات أو الندوات والمحاضرات. وهذه صورة بارزة معلومة وعلنية.

اذا أعيدت قراءة الأرقام و الاحصائيات مرة أخرى اليوم فستصدم ما أصبحت عليه حاليا وكان بالإمكان البحث في حلول لها أو معالجة لاشكالياتها وتعقيداتها أو صعوباتها حينها فماذا سيكون الأمر اليوم؟!. وكيف نتحدث عن حاضر ومستقبل الأمة والوطن  ومتى سنقول بأن إداراتها حريصة على واجباتها الشرعية والقانونية والأخلاقية في مهماتها أمام الشعوب والوطن الكبير. أن الفجيعة مؤلمة بقدر تطور الأرقام والأحداث والمحن ولات حين ندم أو تقبل لتداعيات وكوارث قادمة لا محال. هذه ارقام مؤلمة فعلا وقاسية جدا ولابد من التفكير بها وبما يحصل من استمرارها أو تصاعدها درءا لمصائب لا تعرف نتائجها ومآس قد لا تنتهي مدياتها وحدودها. واذا لم نعتبر اليوم من هذه الأرقام والإحصاءات واستشراف ما تؤول إليه أو ما سيحصل اثرها أو بعدها فان الفجيعة تطول والألم منها لا يتوقف.