جيل العراق الجديد ينتفض والأحزاب الدينية والعلمانية تفشل في الاختبار

 

سعد ناجي جواد

 

 

لليوم الثاني على التوالي تشهد مدن العراق، وبالذات بغداد والناصرية والديوانية، تظاهرات شعبية عارمةً بدأت سلمية وحولها عنف الأجهزة الأمنية وقوات مكافحة الشغب والشرطة ومسلحين ملثمين يرتدون البزات السوداء، الى احداث دامية سقط فيها شهيد واحد حتى لحظة كتابة هذه السطور (بعض المصادر الداخلية تقول ان عدد الشهداء من المتظاهرين وصل الى ثلاثة)، وأكثر من مائتي جريح من المتظاهرين و رجال الشرطة ومكافحة الإرهاب.

لا اعتقد ان هناك حاجة لشرح أسباب هذه الانتفاضة الجديدة التي اشعل فتيلها حادثتان، الأولى الأسلوب العنيف واللااخلاقي الذي تعاملت به بعض الجهات الأمنية مع محتجين و معتصمين سلميين أمام وزارة التعليم العالي من حملة الشهادات العليا من الجنسين يطالبون فيها بوظائف تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية.

والثانية كانت ما اعتبرته الجماهير الغاضبة اهانة او تعامل جاحد مع، او محاولة لتشويه صورة قائد عسكري نجح في تحطيم أسطورة تنظيم داعش الإرهابي وقاد المعارك التي طردت التنظيم من المحافظات التي احتلها في غفلة من الزمن، وبعد ان هرب القادة الذين وضِعوا على راس القوات التي شكلها المحتل الأمريكي بعد الاحتلال، ولم تتم محاسبة او معاقبة اي منهم، لا بل قيل ان بعضهم كان فد كُرم من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. وكان يمكن ان تمتد هذه التظاهرات الى مدن ومحافظات أخرى غرب العراق لولا الانتشار المكثف لمسلحي الحشد الشعبي هناك.

والدليل ان مدينة الموصل التي نصب ابناءها تمثالا لنفس القائد العسكري الذي حرر مدينتهم من إرهابيي داعش وتعامل معهم بإنسانية واحترام و جُرِحَ اكثر من مرة في المعارك، والذي ظلت السلطات الرسمية ترفض ان تزيح الستار عن النصب (ثم ازالته تماما يوم امس)، حاولوا ان يزيحوا الستار عنه، الا ان الأوامر صدرت للقوات الأمنية من بغداد بمنع ذلك ومنعوا ايضا بالترهيب من التظاهر، (علما بان هذا القائد ينتمي لمكون يختلف عن المكون الذي ينتمي اليه غالبية ابناء الموصل، لكي تسجل هذه الحادثة تفنيدا جديدا للإدعات بوجود عداء او إنقسام طائفي بين مكونات الشعب العراقي).

#كل هذه الأحداث بالإضافة الى استمرار استشراء الفساد والبطالة وعجز الحكومة عن توفير الخدمات الأساسية لابناء الشعب وغير ذلك كثير من الأمور التي لا يمكن تفسيرها الا انها تمثل استهانة بمتطلبات الغالبية العظمى من المواطنين، الذين يسمعون في كل يوم عن الأرقام الفلكية التي تسرق من الأموال التي يفترض ان تصرف على خدماتهم، ( كان اخرها نشر معلومات عن احد المرشحين للوزارة للمرة الرابعة تقول ان ابنه قد اشترى عقارا في دولة خليجية بمئات الملايين من الدولارات وانه هو نفسه اشترى عقارا حكوميا تقدر قيمته بمليارات الدنانير في بغداد بثمن بخس عندما كان وزيرا)، وعن استقالة او هرب البعض القليل جدا من المسؤولين الذين يعجزون عن مواجهة الفساد والفاسدين في دوائرهم، و رئيس الحكومة الذي قضى ما يقارب العام في منصبه لم يتخذ اي أجراء يشفي به غليل المواطنين المتعطشين لسماع ولو خبر واحد عن إجراء حقيقي حازم ضد مسؤول فاسد كبير، وما أكثرهم.

المهم ان متابعة هذه الانتفاضة الشعبية الأخيرة  أبرزت ملاحظات مهمة جديدة وتسترعي الانتباه. الملاحظة الأولى انها جاءت بدون مشاركة الأحزاب والتيارات الدينية المشاركة في السلطة، التي كالعادة استنكرتها واعتبرتها (تظاهرات وحركات شغب بعثية)، هذه التهمة الجاهزة والمضحكة، لأن من يشاهد المتظاهرين يجد ان أغلبيتهم الساحقة شبانا وفتيانا تتراوح أعمارهم ما بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرون، يعني ان جلهم كانوا أطفالا بعمر سنتين او ثمان سنوات عندما حدث الاحتلال، ولم يكونوا بعمر او وعي يجعلهم عرضة للتأثر بمباديء حزب البعث.

الملاحظة الثانية ان أحزابا وتيارات عرفت بتعاطفها مع الجماهير سابقا، مثل التيار الصدري والحزب الشيوعي العراقي، استنكروا هذه التظاهرات، لا بل واصدروا بيانات دعوا فيها تابعيهم الى عدم المشاركة فيها. وفي الوقت الذي لم يكن فيه موقف الحزب الشيوعي مثيرا للاستغراب، حيث ان انحداره كان قد بدا منذ ان ارتضى ان يتعاون مع القوى الإمبريالية الاستعمارية الصهيونية التي قادت عملية الاحتلال وتدمير العراق والتعامل معه على أسس طائفية، الا ان موقف التيار الصدري الذي ظل يدعو الى تظاهرات مليونية معترضة على الفساد وفشل الحكومات المتعاقبة، التي هو جزء منها بالمناسبة، جاء مخيبا للآمال، حتى وان اعتبره بعض المراقبين بانه كان نتيجة لضغوطات إيرانية كبيرة. الملاحظة الثالثة هي القوة والعنف المفرط الذي استخدم في مواجهة هذه التظاهرات وصولا الى استخدام الذخيرة الحية، الامر الذي يفسر سقوط هذا العدد الكبير من الجرحى والمصابين والذين ظل تظاهرهم سلميا في غالبيته العظمى.

هذا الامر الذي وصل الى حد اتهام رئيس الوزراء نفسه، الذي غالبا ما ادعى تضامنه مع (المستضعفين)، بانه هو من اصدر الأوامر باستخدام العنف المفرط في التصدي للمتظاهرين بصفته القائد العام للقوات المسلحة. الملاحظة الرابعة هي امتداد التظاهرات الى محافظات ومجتمعات جلها من المكون الذي ادعت حكومات ما بعد الاحتلال انها جاءت لتمثله (بعد سنوات طويلة من التهميش). لا بل وظهر من بين المتظاهرين من شبه ما جرى بالاساليب التي كانت تتبع من قبل الانظمة السابقة في التصدي للتظاهرات المناوئة لها.

الملاحظة الخامسة هي تجدد الهتافات التي تقول ( ايران بره بره بغداد تبقى حرة) وهو هتاف يعكس عظم التذمر الشعبي من هيمنة النفوذ والتواجد الإيراني، السياسي والمسلح، في العراق، والأهم تاثيره الكبير على الأحزاب الحاكمة والمليشيات المسلحة التي، بالإضافة على تسلطها على رقاب الناس، دخلت مجالات الاستثمارات الكبيرة وجني الرباح الهائلة والاستحواذ على املاك الدولة،  وبدون اي تقدير لمعاناة الجماهير الساحقة وفقرهم المدقع، هذه الممارسات التي استهجنتها حتى المرجعية الدينية في النجف الأشرف، والتي اتصفت مواقفها في الغالب بالسلبية تجاه تجاوزات الأحزاب الحاكمة. (علما بانه لم يصدر خلال اليومين الماضيين اي تصريح من المرجعية ضد الاستخدام المفرط للقوة والسلاح ضد المتظاهرين السلميين العزل)

أما الملاحظة الاخيرة فتمثلت بالإعداد الكبيرة التي شاركت في المظاهرات وانتشارها الواسع والذي جاء عكس توقعات الأحزاب المشاركة في السلطة والتي قالت ان الدعوة للتظاهر سوف لن تنجح في جمع اكثر من مائتين او ثلثمائة شخص. هذه الأحزاب سارعت بعد ان ذُهِلت بحجم التظاهرات الى إصدار تصريحات تضامنية في محاولة منها لركوب هذه الهبٓة الجماهيرية واستغلالها لصالحها، وهذا ما تنبه له المتظاهرون الذين أعلنوا استنكارهم لمواقف الأحزاب التي حاولت الناي بنفسها عن التظاهرات واعتبروها بانها جاءت منسجمة مع الخوف على المكاسب السياسية والمشاركة في الحكم والفساد.

من الصعب جدا التنبؤ بمَآلات هذه التظاهرات او فيما اذا كانت ستستمر بنفس الزخم ام لا، خاصة وان نية الأطراف المشاركة في الحكم تتجه الى المزيد من العنف. ولكن بالتأكيد ان هذه الهبٓة الشعبية كشفت أموراً جديدة لعل أهمها حقيقة ان كل المشاركين في العملية السياسية ومن كل المذاهب والأديان والقوميات مشتركين فيما آلت اليه الأمور في العراق منذ الاحتلال ولحد هذا اليوم. وهذه الحقيقة لا تمثل اكتشافا جديدا، ولكنها بالتأكيد أقنعت المترددين والذين سبق لهم ان خُدِعوا بالدعوات الطائفية والدينية والشوفينية الضيقة، ان الفساد قد اغرق كل الأطراف سواء المشاركة في العملية السياسية او المستفيدين منها بدون استثناء.

وان محاولة تخديرهم لسنين طويلة بشعارات وممارسات طائفية ودينية ضيقة، ومحاولة كسب أصوات الجماهير المسحوقة بهذه الشعارات الزائفة قد انكشفت على الأقل للجيل الجديد من العراقيين الذين مثلهم متظاهروا أليومين الماضيين. والدليل هو احياء الهتافات التي رددها المتظاهرون مثل الهتاف القديم الذي يقول (بإسم الدين باكونه ( سرقونا) الحرامية)، او الشعار الجديد الذي رفعوه والذي يقول (نازل آخذ حقي). فهل سيستمر هذا الوعي وينتشر في كل العراق من شماله الى جنوبه؟ ام ان الإجراءات القمعية ستنجح مرة أخرى في اسكات و تغييب هذه الأصوات الغاضبة والمطالبة بالإصلاح؟ نتمنى ان لا يحدث ذلك.