هل عمل المؤسسات الدينية خيري أم إنتاجي إستغلالي ؟

صباح علي الشاهر

 

للمؤسسات الدينية في كل مكان مصادر مالية لا تنضب ، تعتمد أساساً على تبرعات نقدية وعينية للتابعين لها ، ومن إيرادات عقارات تابعة لها ، أو موقوفة لحسابها ، وهي مصادر متجددة بإستمرار وعلى مدار السنة ، قلما تخضع هذه الأموال لإشراف الدولة ، أو لرقابتها، والعذر أن هذه المؤسسات ينبغي أن تكون مستقلة تماماً ، وهذه الإستقلالية تحول دون أي إشراف من قبل السلطات الحكومية ، التي هي غالباً مُتغيرة ، مُتبدلة ، في حين تتمتع المؤسسات الدينية بالإستقرار النسبي ، لكن هذا لا يمنع مثلاً من أن تقدم إيطاليا  لدولة الفاتكيان إعانة مالية سنوياً ، قيل أنها عبارة عن تعويض لما فقده الكرسي البابوي ، بعدما تحول من دولة تتحكم بالعالم ، وتُعين الملوك ، إلى دويلة مساحتها لا تتعدى النصف كيلو متراً، مع حق الفاتيكان بالإشراف على الكنائس التابعة له في الجغرافية الإيطالية كافة .

قبل عصر النهضة كان كل شيء ملك الكنيسة والبابا ، الذي يتحكم روحيا بالإتباع وإقتصاديا أيضاً ، أي أن التحكم في هذه الحالة كان مطلقا .

فيما يتعلق بالعراق لم يمر بمثل هذه الحالة ، فالمؤسسات الدينية لم تكن مستقلة تماماً ، ربما بإستثناء المؤسسة الشيعية التي كانت مستقلة نسبياً عن السلطات العراقية وغيرها ، بسبب من عدم إعتمادها إقتصاديا على الدولة ، بل كانت تمول نفسها ذاتيا ، على العكس من المؤسسات السنية التي كانت الدولة تصرف عليها بدءأ من إمام الجامع ، والمؤذن ، والحارس وحتى المنظف ، وتشيد المساجد بأموال الدولة ،  ويشمل الإستقلال النسبي المؤسسات الدينية المسيحية ، وبقية الطوائف وإن كان بدرجات أقل .

الأموال التي يدفعها المؤمنون بشتى أشكالها هي أموال مدفوعة لأجل الخير والنفع العام ، وتدخل في باب الإحسان ، وبعضها ، وهو الجزء الأهم المُتمثل بالخمس ، معروفة أو جه صرفه ، وهي أيضاً تندرج في أعمال الخير والنفع العام ، هذا هو مُبرر وهدف دفعها ، وهي ليست صكوك غفران تضمن لمقتنيها الجنة ، فخيرها يتأتى من نفعها ، وإلا فإنها إن لم تصرف على الوجه الصحيح فإنها لن تلامس حدود الخير والنفع العام ، وسوف لن يستفيد المجتمع منها ، ولن يتحقق مبدأ " التكافل الإجتماعي" وهو أهم بند في التشريع الإلهي ، أما القول بمبدأ " النية " وأن فاعل الخير يكفيه نيته ، فهو تبرير لإستغفال الناس ، وإصرار على سرقتهم باسم الدين .

يستغرب بعض الناس ، وهم على حق ، وجود فقراء معوزين جوار مكة والمسجد النبوي ، وجوار كربلاء والنجف ، وبقية المدن المقدسة ، ويتساءلون وهم على حق أيضاً : أين واردات هذه البقع المقدسة؟

ويزداد إستغرابهم عندما يرون هذه الأموال تصرف وتنفق على أمور أخرى ، لا علاقة لها بإطعام مسكين أو إيواء مشرد ، أو كفالة يتيم ، أو طاعن في السن ، أو من ذوي الإحتياجات الخاصة ، ولا تبني دورا لمن لا يملك داراً ، ولا تشيد مستشفى يعالج الناس مجاناً ، ولا تنشيء مدارس للتعليم ، ولا رياض أطفال ، وإنما تنشيء مؤسسات إنتاجية لا تختلف عن أي مؤسسات أخرى ، بإستثناء أنها لا تخضع لإشراف الدولة ولا تدفع ما عليها من ضرائب ، ولا تقدم كشوفاً مالية للدولة ، إنها منشغلة بجعل الناس قوة عمل لديها ، فإذا إستصلحت أرضاً حكومية فهي التي تستثمرها ، ولا توزع ما أستصلحته على المستحقين من خريجي الزراعة ، وإذا أنشأت مستشفى فهي التي ستديره ، وتجعله وسيلة لا تختلف عن غيرها من وسائل الإبتزاز ، وهي بهذا تحدث قطيعة تامة بينها وبين الهدف الحقيقي المتمثل بالإعمال الخيرية .  هي ليست سوى مسثمر مستغل ، يستثمر أموال الناس ، مستغلاً إمتيازات بلا حدود تمنحها له الدولة التي هي دولة الناس ، لمنفعة فئة محددة توزع المغانم بعضها على بعض ، وتتحكم بلقمة الناس ، وبعد أن هيمنت روحيا على العباد هاهي ذي تهيمن إقتصادياً ، وتعيد الزمن القهقرى ، إلى زمن الدولة البابوية وحكم الأكليروس .

من ذا يقول لمؤسساتنا الدينية ، وبالأخص الشيعية والسنية ، " (ستوب !) ماهذا دوركم ، ولا هذا هو العمل المناط بكم ، لا تبدلوا الخير بالإستغلال ، ولا تستثمروا الإيمان بما يتعارض معه جوهرياً ، كونوا أمناء لما وضع تحت أيديكم ، رحماء بناسكم ، وبالأخص ضعاف الحال والمتعففين ، وحيث أن الحكومات المتعاقبة خرقت خرقاً لن يرتقع ، فأن واجبكم التقليل جهد الإمكان من معاناة الناس التي أصبحت لا تطاق ، إبنوا مدارس بدل مدارس الطين ، وقدموها للتعليم ، وإبنوا مستشفيات وقدموها للصحة ، وإستصلحوا الصحراء ، وقدموها للعاطلين عن العمل من الخريجين ، ليس قدوتكم الرأسمالي المستغل ، ولا شأن لكم بالبيض والدجاج ، ولا صنع الدبابات ، ولا إنشاء الفنادق ، وبحيرات الإسماك ، وتسمين العجول ، عملكم خيري ، فأنتم دعاة  للخير وعاملين من أجله ، أم أنكم إخترتم طريقاً آخر !