مظاهرات مصر ونظرية ليس كل ما يلمع ذهبا.

‏محمد عبد الحكم دياب

 

 

من الصعب أن تمر مظاهرات يوم الجمعة قبل الماضية (20 من سبتمبر 2019)؛ دون تعليق، فلم يغب عن ذهن الخبراء والمختصين اختلاف نفسية الفرد جذريا عن نفسية الجماعة أو الحشد، حيث تتغير شخصية الجماعة عن شخصية الفرد في طبيعتها وتصرفاتها وردود أفعالها. وبمجرد الانخراط في حشد جماهيري يكتسب الفرد سلوكا مختلفا عما كان يمارسه لو بقي وحده؛ بين الجماعة يصبح أكثر جرأة، وأقدر على التعبير عما يعتمل في نفسه، وجاءت نظريات علم النفس الاجتماعي فكشفت العقل الجمعي وبُعده عن التفكير المستقل أو الذاتي، وتتغلب فيه الروح الواحدة الجامعة، وتتجاوز وعيها الفردي، وتتحوَّل إلى بنيان كلّي جامع، والعقل الجمعي تحركه الحماسة واللغة التعبوية، والأهداف المطلقة، والنزوع الرومانسي.

وهذا ينبهنا إلى أهمية مراعاة الفرق بين هذا وذاك، وعلى المسئول في المستوى الأعلى من سُلم السياسة والإدارة والتنفيذ؛ عليه إمتلاك القدرة على فهم سيكلوجية الشعوب، وهنا نسأل هل سعت طبقة الحكم المصرية لامتلاك هذه القدرة؛ حتى تتمكن من بناء جسور قوية ومتينة بينها وبين مواطنيها؟، وهل وعت هذا وفهمته؟، وهل توفر لها أهم شرط مطلوب، وهو شرط تحصبل الحد الممكن من المعارف في المجالات الإنسانية والاجتماعية والسياسية؟، وافتقاد ذلك يضع الحاكم والمسئول في مأزق، فيبدو في واد والشعب في واد آخر، ونلحظ منذ عقود أن مقاعد الحكم آلت تباعا لطبقة بائسة؛ بينها وبين المعرفة خصومة شديدة، وبينها وبين الوعي عداء مستحكم.

ورغم كل ما كان لدى الرئيس المخلوع مبارك من نزوع نحو الاستبداد طوال سنوات حكمه، وقبضته الحديدية على مفاصل الحكم؛ بدأ التفكير الجمعي في عصره يشق طريقه حثيثا حتى اتسع، ولم تتمكن قوة على وقفه ومنعه؛ مهما ملكت من طاقة على القمع وقدرة على الملاحقة. ومن الواضح أن خروج المظاهرات عزز وعَمَّق ما اعتاد عليه المواطن في العقد الأخير، ومكنه من خلع مبارك؛ بمصالحه وعائلته وارتباطاته وشراكاته، وتكرر مع عزل مرسي، وما زال السيسي في منصبه لم يُخلع ولم يعزل ولم يَسْتقِل.

والفهم الغائب عن الطبقة الحاكمة، هو المتعلق بدوافع الخروج إلى الشوارع والميادين في العاصمة والمدن الأخرى، وحين تأتي الساعة يُفعل ذلك العقل الجمعي أفاعيله؛ وهو غير قابل للانقسام، ويتحول لكتلة واحدة مندمجة. وعادة ما ينجح في مرحلته الأولى، وقد يستمر، أما التظاهر مدفوع الأجر مقدما، أضحى من طبائع الثورات الملونة لهدم الدول وتغيير الخرائط، ولا تنتهي باستقرار، ومآلها الفشل.

وأالطبقة الحاكمة ليس في واردها العمل على إستيعاب وفهم نفسية الشعب ولا تعي دور العقل الجمعي، وبدلا من التعمق في دراسة ما وراء المظاهرات، انطلقت البيانات الرسمية، وبرامج الإعلام الغوغائية، وعلقت كل ما حدث على مشجب جاهز، هو الممثل والمقاول، محمد علي، وألصقوا به شرف لا يدعيه، ونُسِب إليه تحريك آلاف المتظاهرين، وقد يتوهم البعض أنه امتلك هذه القدرة على تحريك هذه الجموع، ويتساوى في ذلك مع شركاء مقاولات السياسة وبناة القصور وأصحاب المنتجعات الفاخرة.. وهذا غير صحيح

وانطلقت حملة أمنية استهدفت عددا من أصحاب الرأي والأكاديميين والصحفيين والحزبيين والشباب؛ قُبِض عليهم، وكانت التهم جاهزة؛ مشاركة جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام مواقع التواصل الالكتروني، والتحريض على التظاهر بدون ترخيص، والغالبية العظمى من المواطنين متأكدة أن المظاهرات؛ لم تأت تلبية لنداء مقاول أو ممثل مع احترامنا الشديد للفنون، وغير ذلك ادعاءات جانبت الصواب. وكشفت القصور في فهم ما جرى، ونعرف جميعا أن المواطن يتظاهر حين يطفح الكيل، وليس لسواد عيون هذا أو ذاك؛ ليقينه بأن كل ما يلمع ليس ذهبا. ويعلم طبيعة صراع الحيتان، وقد ينطبق عليهم المثل الذي يقول إذا اختلف اللصوص ظهر المسروق.

والسعي لاستعادة الذاكرة التاريخية لشباب مصر؛ من الموضوعات، التي لا تلقى إهتماما من الطبقة الحاكمة المصرية، وهي تعاني من الخواء وعدم الأهلية، وتركز أنشطتها فيما تفهم فيه ويحقق لها ثروات طائلة، وهي أنشطة ثلاث؛ 1) أعمال المقاولات.. 2) الجباية.. 3) استجداء القروض. وجعلت من الشباب؛ بنين وبنات، حقل تجارب؛ بأساليب الهندسة الأمنية والفهلوة الرئاسية، وتتولى تأهيله بإبعاده عن الثقافة والمعرفة السياسية، وتغرقه في أعمال العلاقات العامة، فيتحول إلى روبوت خدمات، بدلا من تنمية مهاراته وملكاته ومواهبه، ويتحول لظاهرة صوتية وضوئية، وأمامه قدوة مختزلة في حامل مكبر صوت؛ يدير به مَكْلَمة بيزنطية، وحكاوي أمنا الغولة الفريدة والخارقة، وحين يَغْلُب الانفعال يحدث الخروج على النص وتنفلت الأمور.

وإذا تجرأ شاب أو فتاة على الكلام وعرض اقتراحا أو طرح رأيا، خارجا عن قواعد الإعداد المعمول بها؛ يصب مكبر الصوت اللعنات على رأس صاحب الرأي أو مقدمة الاقتراح، وتوجيه إهانات بالغة لكليهما، وفي افتتاح مدينة الأثاث بدمياط في مايو 2017 زاد الانفعال ضد مواطنا اقترح تأجيل زيادة أسعار الوقود، فانطلق مكبر الصوت: انت مين، أي مَنْ أنْت؟ ولم يتوقف عن التقريع حتى بعد عِلمه بأن صاحب الاقتراح عضو بالبرلمان عن دائرة دمياط؛ هو النائب أبوالمعاطي مصطفى، وهذه ليست الحالة الأولى ولم تكن الأخيرة.. 

 

ونواصل ما انقطع عن ثورة 1919 وما صاحبها من تطورات تركت بصماتها على مسارها الحزبي، وتجسد في تأسيس حزب الوفد المصري، وانشق أحد مؤسسيه في شهوره الأولى، وكان إسماعيل صدقي بسبب موالاته للاحتلال البريطاني، وكوفئ بتعيينه وزيرا للمالية في مارس 1921، في وزارة عدلي يَكَن، وبعد جلوس فاروق على العرش خلفا لوالده الملك فؤاد الأول، ونشأة جماعة الإخون المسلمين، وما صاحبها من ارتباك واضطراب بسبب عداء طلبتها للملك فاروق، وهو ما قالت عنه لطيفة سالم أستاذ التاريخ الحديث؛ إن الملك (فاروق) قرر الاعتماد على شباب الإخوان، رغم العداء، ولما وقع اختيار الملك على إسماعيل صدقي لرئاسة الوزارة، بعث إلى (المرشد) حسن البنا يستشيره في تعيين صدقي رئيسا للوزراء، وكان ذلك مبعث سُرور المرشد العام؛ كونه يستشار من قبل الملك في السياسة العليا للمملكة في ذلك الوقت.

في اليوم التالي لصدور مرسوم تشكيل الوزارة، ذهب صدقي إلى المركز العام للإخوان المسلمين؛ حاملا معه بطاقة شكر، ورد عليه البنا التحية بأحسن منها، فقام زعيم طلبة الإخوان في الجامعة بتوجيه الشكر للملك على اقالة محمود فهمي النقراشي، وأشاد برئيس الوزراء الجديد، ولم يأت تعيينه مفاجئا للمرشد العام ولا لأعضاء الجماعة، التي أقرت موقفه (صدقي) من المفاوضات وارتباطه بالاحتلال.

وجاء في حديث نشرته صحيفة الإخوان المسلمون ردا على سؤال مراسل أمريكي عن امكانية التصدي لثورة بلشفية تقوم بها روسيا في الشرق الأوسط، وكان الرد هو الارتباط بأحلاف مع الدول الغربية بعد نيل الاستقلال، وعليها مساعدة تلك الدول في بناء جيوشها المحلية وفي إنشاء صناعاتها العسكرية، فتتمكن من التصدي لهذه الثورة، ويتدخلون للاشتراك في صدها، على ألا تتخذ دول الغرب من هذا الاحتمال ذريعة لتعطيل الجلاء. ووصل تأييد الإخوان المسلمين لإسماعيل صدقي، حد وصف مصطفى مؤمن، زعيم طلبة الإخوان بالجامعة له بسيدنا اسماعيل عليه السلام؛ مستشهدا بالآية القرآنية الكريمة: واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا!!

وما زال الملف مفتوحا.