الأكبر  والأهم من التناقض الرئيسي والثانوي

صباح علي الشاهر

 

 

في حسابات السياسة كما حسابات المرأة الذاهبة للتسوق ، ثمة أساسيات لا محيص عنها ، من دونها لا معنى للتسوق ، وثمة إحتياجات لازمة ، ربما لحين آخر ، ولكن يمكن تجاوزها حالياً ، هذا المثال الساذج يختصر قضية التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي ، الإحتياجات إحتياجات سواء كانت الآن أو بعد حين ، لكنها في الأولويات تتقدم أو تتأخر ، تبع الزمن والضرورات ، بحيث يصبح الثانوي رئيسي والرئيسي ثانوي . والناس كل الناس ، وليس المنشغلين بشؤون السياسة فقط ، يتعاملون وفق هذه المعادلة .

ماالذي يتحكم بتحديد الأولويات ، يتحكم بها بالنسبة لمثالنا أعلاه ، المبلغ المتاح ، ليس هذا فقط ، بل القدرة على حمل الأشياء التي سيتم إبتياعها ، ودرجة الإحتياج الآنية لها . أي أن خيار المرأة المتسوقة سيكون محصوراً بالقدرة والتحمل والضرورة .

كثير من المآسي التي وقع فيها السياسيون هي عدم التحديد الصارم للتناقض الرئيسي ، وعدم فرزه عن التناقضات الثانوية ، بحيث بدل من أن يشتري الإنسان ما يستره ويقيه غائلة البرد ، يهتم كل الإهتمام بربطة العنق الحرير ويصرف فيها ما عنده ، فتصوروا كيف يبدو العاري من كل شيء إلا من ربطة العنق الحرير !

وسنظل مع مثال المرأة المتسوقة ، وهي تفاضل بين إحتياجاتها ، ونتساءل ماذا لو أن لا شيء في السوق ليتم شراءه ، وماذا لو أن المرأة لا تملك نقوداً، وماذا لو أن الأشياء المهيأة للطبخ غير موجوده ،  أو لا توجد وسيلة للطبخ ، لا غاز ولا كهرباء مثلاً ، ولا حطب ؟ كيف يمكن حينئذ التمييز بين الرئيسي والثانوي ؟

هذا فيما يتعلق بالأشياء المادية الضرورية ، ولكن ماذا فيما يتعلق بالأشياء غير المادية ، كالظلم والفساد ، وسرقة المال العام ، والرشوة ، والتزوير ، وإستشراء الطائفية ، وإنعدام العدالة والمساواة، والإستئثار ، والتمايز، وإنعدام الخدمات الضرورية ، كالكهرباء، والماء الصالح للشرب، وإنهيار المؤسسات التعلمية والطبية ، والتدمير الممنهج لكل أمكانية للتطور والنمو ، وغير ها من الأمور التي ستجعل أي تفكير فيما هو رئيسي أو ثانوي ليس أكثر من مجرد بطر لمنظرين مفصولين عن الواقع .

***

العراق يعيش مرحلة اللادولة ، أي بدون عقد إجتماعي ، والمتطلبات هنا تتعلق بالحد الأدنى من ضرورات العيش ، مع القليل من الكرامة الإنسانية ، وأقل من القليل من العدل والإنصاف ، وما هو أشبه بالمساواة ، لذا فإن الشعار الفطري ( نريد وطنا) شعار كلي الصواب ، فمنذ الاحتلال ، وإدخال البلد في دهاليز ( الفوضى الخلاقة ) ونحن العراقيين بلا وطن ، بدون بيتنا الكبير الذي نحس فيه بالأمان والدفء. نحن بلا حاضر ، وبلا مستقبل بداهة ، لذا علينا خلق حاضرنا الذي نريد ، من أجل مستقبل واعد لأبنائنا وأحفادنا ، الأساسي والثانوي هنا ، هو أن يكون ( لنا وطن) أن نسترد العراق المخطوف والمهشم ، حتى أولئك الذين ركبوا موجة الاحتلال ، فهم يعملون للنهب ، ووطنهم ليس هو الذي ينهبونه بل الذي يبعثون له بالأموال المنهوبة . 

سواء كان الحكم رجعي أم تقدمي ، ملكي أم جمهوري، إشتراكي أم رأسمالي ، فإن الأساسيات الضرورية لحياة الناس تصبح هي الأفضلية بغض النظر عن كل ماعداها ، فكرامة المواطن فوق كل إعتبار ، ولا يمكن تبرير الفساد بأي حجة مهما كانت ، أما الإدعاء بأن البلد يقاوم الإستكبار، أو أنه ينخرط في محور مقاوم أو ممانع ، أو أنه يواجه مخاطر خارجية ، وجعل مثل هذه الأمور مبرررات للسكوت عن الفساد بكل أشكاله فأمر يندرج في باب المغالطات، والضحك على الناس ، الذين هم أصحاب المصلحة الأولى في السيادة ، ومواجهة الإستكبار العالمي ، وهم إلإحتياطي الحقيقي لقوى المقاومة والممانعة . الذي يقاوم ويناضل من أجل الوطن ، ويضحي هو ذاك الذي لا يقبل الذل والهوان ، والذي قدم في الماضي الدم دفاعاً عن الوطن، والذي يقدم الدم الآن في شوارع بغداد والمدن العراقية دفاعأً عن الوطن أيضاً ، فالعراق بلا معنى من دون العراقيين الأحرار .

الوطني ، ولا أقول الثوري ، هو الذي يكون معياره الناس والوطن ، ونحن الآن نحتاج الوطني ، أكثر من أي شيء آخر، لا الطائفي ، لا العنصري، لا العشائري، لا الحزبي المنغلق ،  إنما نحتاج إلى الوطني الذي سيبني لنا وطناً يضمن كرامتنا ، مثلما يضمن حقوقنا ، ولا يليق بقيادة عراقنا إلا الوطني ، لأن التابع لأي جهة كان إنما يكون إهتمامه بالوطن في المرتية الثانية ، وربما الثالثة ، أو أبعد من هذا ،  إذا حسبنا إهتمامه بجيبه ومصالحه ، وإهتمامه بالدولة التي يواليها ، وإذا كان حزبياً سيكون إهتمامه بحزبه بعد هذا ، وفي المقام الأخير ربما وأقول ربما يكون إهتمامه بالوطن والمواطنين ، اشخاص بمثل هذه الولاءات ما عادوا نافعين في وضع شديد الخراب كالعراق .

نحن بحاجة إلى الأساسيات والبدهيات ، إلى بناة يجترحون معجزة إعادة العراق إلى عافيته ، والنهوض به من كبوته .