الجزء الثالث والأخير/ ماذا حدث في البصرة يوم الجمعة 25 تشرين الجاري؟

علاء اللامي

 

كلمة أخيرة بخصوص أحداث العمارة: ما نشر من صور لأشخاص يحملون أجهزة تكييف وأثاث ما استولى عليه بضعة اشخاص من مقرات الأحزاب قبل إحراقها وهي أحزاب ومليشيات العصائب وبدر وحزب الأوفياء (له نائبان في البرلمان ويتزعمه حيدر الغراوي ويتقاسم مع العصائب وسرايا السلام واردات منفذ الشيب الحدودي) وليس من دوائر رسمية أبدا. والدليل على تفريق الناس بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص وبين مقرات أحزاب ومليشيات الفساد هو أن بناية مصرف بغداد كانت تقع بجانب مقر العصائب الذي أحرق فعمل المتظاهرون على أن لا تمتد النار إليه ولم تمتد أيادي المتظاهرين إلى المصارف الحكومية القريبة ومنها مصرف الرشيد الذي كان بلا حماية أيضا! ومع ذلك أكرر قولي إن استهداف مقرات الأحزاب بالحرق عمل مضر ومرفوض وكان ينبغي تفاديه مع انه لا يمكن مساواته أو حتى مقارنته بالقتل الهمجي الذي تعرض له المتظاهرين السلميين حتى في المناطق التي لم تشهد اعمال تحطيم وإحراق كبغداد مثلا والتي كما قال أحد المتظاهرين (لم نحرق فيها تاير "إطار" واحد ومع ذلك قتلوا شبابنا/ المتظاهر أحمد آل عودة على صفحته).

أما في البصرة فقد حدثت محاولة لدهس المتظاهرين بسيارات أمنية حكومية ومليشياوية وأصيب عدد منهم بجرح خطيرة وأحد المتظاهرين الهاربين من السيارات المقتحمة أطلقت عليه النار وسقط على الأرض كما يظهر فيديو للحادث. وقامت مجموعة من المتظاهرين بمهاجمة مبنى المحافظة وحاول متظاهرون آخرون منعهم واستعملوا مكبرات الصوت في دعوتهم للخروج من المبنى ووقف تحطيم الموجودات، ولكنهم لم يتراجعوا وهنا بدأت القوات الأمنية بإطلاق قنابل الغاز على التظاهرة كلها فبدأ المتظاهرون بالانسحاب والانصراف من المنطقة، وانتهت الأمور عند هذا الحد! وفي مدينة البصرة أيضا اعتقل متظاهرون خمسة أشخاص من قادمين من محافظة أخرى وينقلون كمية من زجاجات المولوتوف في سيارتهم التي تحمل رقم محافظة وصوروهم مع سيارتهم وزجاجاتهم الحارقة واعتبروهم من المدسوسين لتخريب التظاهرة وسلموهم إلى قوات الشرطة - كما يظهرون في الصورة أعلاه - ولكن قيادة الشرطة لم تذكر أبطال التظاهرات السلمية الذين سلموا المدسوسين الخمسة بكلمة خير او شكر وسبق لقائد شرطة البصرة البعثي السابق رشيد فليح أن اتهم المتظاهرين بالعمالة لأميركا وإسرائيل والسعودية. ورشيد فليح هذا قائد عسكري في نظام البعث الصدامي وقام بدور دموي ضد انتفاضة آذار سنة 1991وبعد الاحتلال تم العفو عنه لأسباب طائفية وعين مسؤولا في المؤسسة العسكرية التي أقامها ودربها المحتلون الأميركيون. ظاهرة ضبط المدسوسين ورجال الأمن بالزي المدني تكررت في مدن أخرى منها كربلاء على ما ذكرت الأنباء حيث اعتقل بضعة عناصر بحوزتها زجاجات مولوتوف وسلموا إلى الشرطة. وفي بغداد ضبط المتظاهرون رجل أمن بالزي المدني مسلح بمسدس وسلموه الى الشرطة واتضح لاحقا أنه شرطي وهناك امثلة أخرة.

فما الذي يمكن ان نستخلصه ونستنتجه من هذه الأحداث المؤلمة؟

تتعلم الشعوب من تجاربها المؤلمة، وظروفها العصيبة أكثر مما تتعلمه في سنوات طويلة من الحياة الطبيعية العادية ومما تنتجه النخب المثقفة وهي نخب أثبتت في الحالة العراقية مشبوهية أغلب المنتمين إيها ومعاداتهم لعامة الناس الرافضين للظلم والاضطهاد- في عقود. شعبنا العراقي أكد خلال الأيام الماضية أنه أسرع مما توقع كثيرون في التعلم من مأساته وتضحيات أبنائه، وقد أخرس برقي وعيه وتطور أساليبه وشعاراته التي رفعت جميع المشككين والمخونين والمستهينين بقدراته فرادى وجماعات.

غير أن ما حدث في الجنوب وخصوصا في مدينة التضحية والأحزان "الناصرية" كان فاجعة كبيرة حيث سقط عدد كبير من الشهداء والجرحى، فماذا يمكن أن نستنتج مما حدث؟

*أن مهاجمة المنشآت الحكومية عمل خاطئ ومضر بالانتفاضة السلمية وهو تدمير لأملاك الشعب التي يجب الحفاظ عليها من المدسوسين لا تدميرها!

*إن إحراق مقرات الأحزاب والمليشيات عمل لا جدوى منه رغم أنه ينطوي على شحنة احتجاج على ظلم وفساد هذه الأحزاب ولكن ثمنه باهض جدا فجميع مقرات أحزابهم ومليشياتهم لا تساوي حذاء شهيد واحد من شبابنا. لهذا ينبغي الاكتفاء بتطويق هذه المقرات أو تلطيخها بالمواد القذرة أو دخلوها سلميا إن كان ذلك ممكنا والاعتصام بداخلها ثم الانسحاب منها!

*للحفاظ على سلمية التظاهر يجب رفض عسكرة التظاهرات أو التبشير بذلك وطرد كل عنصر يسعى إلى ذلك من صفوف المتظاهرين او تسليمه إلى القوات الأمنية كما حدث في مناسبات عديدة عتم عليها الإعلام.

*هناك استعدادات تجري حاليا لتصفية حسابات مليشياوية، وخصوصا بين الصدريين والمليشيات الولائية الثلاث في البصرة والناصرية والديوانية وكربلاء والنجف، قد تنفجر على شكل اقتتال داخلي مدمر في أي لحظة، وهذا هو الهدف الذي تسعى إليه الأطراف المعادية للعراق والحامية لنظام المحاصصة الطائفية والحكام التابعون القتلة في المنطقة الخضراء، ويجب تفادي هذا الاقتتال بأي ثمن وبكل الطرق والوسائل ففيه دمار العراق والانتفاضة السلمية معا. ولعل أول إجراء ينبغي اتخاذه هو حل جميع المليشيات الولائية وغير الولائية وتجريدها من السلاح واعتقال قادتها والمتهمين بارتكاب مجازر بحق الشعب وهذه مهمة لا تجرؤ حكومة عبد المهدي أو شخص من رجال النظام يحل محله حتى على مجرد التفكير بها!

* شعار "سلمية سلمية" ينتهي كما قلنا حين يحدث غزو عسكري أجنبي للعراق بهدف انقاذ النظام القائم أو لأي هدف آخر، وهنا ينبغي التخلي عن التظاهر السلمي وحمل السلاح ضد الغزاة سواء كانوا أميركيين أو غيرهم! وأعتقد أنه ليس من المستبعد، حين تنهار أجهزة النظام القمعية للنظام او تنقلب عليه قطعات مهمة منها، أن تتدخل القوات الأميركية وتحتل بغداد بقواتها الموجودة في الأنبار والإقليم لإنقاذ النظام عبر استبدال بعض وجوهه، وهنا تصبح مواجهة المحتلين بالسلاح واجبا مفروضا على جميع العراقيين الاستقلاليين حتى إبادة قوات الاحتلال داخل بغداد!

الرحمة والخلود لشهداء الشعب

الشفاء للجرحى

العار للقتلة ومن يدافع عنهم

نعم للكفاح السلمي حتى النصر واستعادة الاستقلال الوطني وطرد الاحتلال الأميركي وإنهاء الهيمنة الإيرانية!