عراق.. محاولة لقراءة الحاضر والمستقبل

 

البروفيسور كمال مجيد

 

 

بدأت المظاهرات الدموية في العراق للمرة الاولى في 1/10/2019 والثاية في 25/10/2019 وبعد توقف عملية القتل بالقناصات الامريكية يتوقع السيد عصام الياسري في رأي اليوم في 1/11/2019 استمرار المصائب فيفترض (( ان تكون المرحلة القادمة للمظاهرات مرحلة حاسمة من شأنها ايجاد قيادات فيها من الخبراء والمستشارين الضليعين في علم السياسة والاقتصاد والقانون لتنير الطريق الذي يجب ان تعمل به قوى الحراك لتحقيق أهدافها. )) والمعروف ان الخبراء والمستشارين الضليعين موجودون الآن في السفارة الامريكية وحدها. وفعلا ً اعلنت السفارة على صفحتها الرسمية فتح باب التوظيف لديها، براتب 47150 دولار سنويا ًاستعدادا ً لانشاء اكبر جيش الكتروني يتولى مهمة تثوير الشارع العراقي. ونجحت في بناء جيش الكتروني احترافي تلقى تدريبات مكثفة في اربيل وقبرص وباشراف شخصي للسفير ماثيو تولر. كما شرح موقع زبدة الاخبار ولمحنا اليه في مقالتنا السابقة في 30/10/2019. علما ً بأن العديد من المتظاهرين اعلنوا بأنهم بدون قيادة او تنظيم. وعلما ً بأن القيادة الوطنية المعادية للمحتل الامريكي وجيش الحكام والوزراء الفاسدين الذي جلبه معه في 2003، لا تتكون بعد شهر واحد بل تحتاج الى مدة طويلة لكسب وتنظيم وتعبئة الجماهير الغفيرة لمجابهة المحتل الامريكي وطرده بنجاح . على القيادة الوطنية ان تثقف الجماهير بأن مصائبها، كلها، تراكمت منذ سنة 2003 من قبل امريكا ولا يمكن التخلص من آلامها دون التحرر الوطني.

فالقيادة الوحيدة مرهونة، حاليا ً، بيد السفير الامريكي المسيطر على القناصين وعلى الجيش الالكتروني المدرب.

الشيء الاهم هو ان السيد عصام يتنبأ (( المرحلة القادمة )). وهذه بالتأكيد مرحلة ضرورية لاستمرار الحرب القائمة الى أن يفوز احد الطرفين المتحاربين. اذ أن مقالتنا السابقة وضّحت بأن الحرب الحقيقية ليست محصورة بمظاهرات الابرياء. انها حلقة من حلقات الحرب الدائرة بين قطب امريكي هرم وبين قطب جديد لروسيا والصين والبلدان المجاورة. تلك التي نالت اتعس الاضرار من الاستعمار الامريكي التي تستغل الشعوب بحجة العولمة.

في المرحلة الحالية تطالب امريكا بسقوط حكومة عادل عبد المهدي وتشكيل حكومة موالية لها والتي تلغي الاتفاقية مع الصين، لترضية وزير الخارجية بومبيو، وتلغي الحشد الشعبي وتغلق الحدود مع سوريا. هكذا تسيطر امريكا كليا ً على الحكومة وتقضي على التأثير الايراني. الا ان ايران وروسيا تدركان بأن الخطوة التالية لامريكا هي تشديد حصارها على ايران ثم تشجيع عملاءها للقيام بربيع ايراني يحطم البلد مثلما حطم العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال. هكذا قد تتمكن امريكا من احتلال ايران ثم تزحف بجيوشها نحو الحدود الروسية. بالطبع تضطر ايران ومعها روسيا مقاومة هذه الخطط العدوانية الخطرة. ولهذا بالضبط  ذكر عبد الباري عطوان في خطابه المرئي ( يوتيوب) وصول قاسم سليماني الى العراق واقناع المسؤرلين بضرورة استمرار عبد المهدي كرئيس الوزراء.

في الوقت الذي تحتل جيوش امريكا بلادنا فلا مكان للاستغراب اذا ادخلت ايران ، او حتى روسيا، قواتها غير النظامية بل حتى جيوشها الى العراق. وهناك امثلة عديدة تصرّف فيها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة بهذا الشكل. فمثلا ً بالرغم من اتفاقية عدم الاعتداء لمولوتوف روبينتروف احتلت المانيا الجزء الغربي لبولندة سنة 1940 فاسرعت الجيوش السوفياتية واحتلت الجزء الشرقي منها لعرقلة هجوم المانيا على الاتحاد السوفياتي . بل اكثر من ذلك اسرعت هذه الجيوش واحتلت عموم فنلندا لنفس الغرض. وكمثال آخر: بعد انهيار جيش الاستعمار الفرنسي سنة 1954 في معركة ديان بيان فو التأريخية اتفق ممثلو فرنسا والصين والاتحاد السوفياتي وفيتنام في مؤتمر جنيف على اجراء استفتاء في فيتنام حول استقلالها. الا أن الحكومة الامريكية  قررت، بانفراد ودون ان تكون لها علاقة سابقة بالموضوع، ارسال جيشها لاحتلال فيتنام لاستمرار الحرب فيها بحجة مكافحة الشيوعية .

هناك بالتأكيد حرب قائمة في ارض العراق بين قطبين وكما اكد كلاوسيفتز (( ان الحرب عبارة عن فعالية اجتماعية تستلزم تعبئة وتنظيم الناس لغرض استخدام العنف انها تشمل انواع خاصة من العلاقات الاجتماعية ولها منطقها الخاص. )) راجع:

Karl Von Clausewitz, On War, New York, 1943.

استخدمت امريكا هذا المنطق الخاص فاحدثت الربيع العربي ونظرية الفوضى الخلاقة  لا مجرد السيطرة على بلدان المنطقة بل لفتح جبهة جديدة للوصول الى ايران ومنها لمجابهة روسيا، كما فعلت قبلا ً عند تثبيت الصواريخ الاستراتيجية في بولندة، تلاها مهاجمة روسيا عبر جورجيا. ثم صممت امريكا انقلابا ً فاشيا ً في اوكرانيا ضد روسيا، ثم جاء دور ايران لتخريبها ثم احتلالها.

بالتأكيد هناك حرب قائمة بين قطبين في ارض العراق. ان المظاهرات الدموية القائمة حلقة بسيطة من حلقاتها وعلى شعبنا ان يدركها ويقرر سياسته تجاه هذه الآفة، خاصة ان الحرب قد شملته. فاسقاط حكومة عبد المهدي جزء من المعركة ولهذا ستستمر بعد تشكيل الحكومة  الجديدة.

الاحتمال الاخر هو بقاء حكومة عبد المهدي واستمرارها. عند ذلك ترفع امريكا شدة الاضطرابات عن طريق ادخال اعوانها في المحافظات الشمالية والغربية، اي في نينوى وصلاح الدين والانبار. لقد عاملت الحكومات الطائفية في بغداد سكان هذه المنطقة بقسوة، خاصة ً اثناء مقاومتهم للاحتلال مباشرة بعد سنة 2003. لقد كافحتهم الجيوش الامريكية بقسوة في تكريت والفلوجة والقائم والرمادي مستخدمة اليورانيوم والاسلحة الكيمياوية دون جدوى. فاضطرت امريكا خلق منظمات (( الصحوة )) الارهابية من اهالي المنطقة بتميولها وتسليحها لقهر المقاومة فيما سمي بـ (( المثلث السني .)) الآن تستطيع امريكا استخدام الصحوات لمهمة تعزيز القوى المعارضة لحكومة عبد المهدي. ثم ان امريكا استخدمت منظمات المجتمع المدني لكسب اهالي المنطقة، شأنهم شأن سكان الجنوب وسوف تستخدمهم لمساندة الثورة القائمة. ثم هناك قوات البيشمرغة التابعة لمسعود البارزاني، المدججة باحدث الاسلحة الامريكية وباشراف المدربين من اسرائيل. وفوق كل هذا هناك الجيش الامريكي في السفارة في بغداد وفي قواعدها العديدة وفي اقليم كردستان، كما هناك المرتزقة من شركة بلاك ووتر وكلها تنتظر ساعة الصفر للهجوم على بغداد. وفي هذه الحالة ايضا ً ان الدلائل كلها تشير الى استمرار مصائب شعبنا المقهور والتي لا يتم حلها عن طريق دفع المتظاهرين الابرياء الى الموت. الحل الوحيد لانقاذ العراق من الاحتلال والحرب مرهون بتشكيل منظمة جماهيرية وطنية معادية للاحتلال لها قيادة حكيمة في مجابهة الاحتلال الامريكي وطرده . ان مساعدة الشعوب المجاورة ومساعدة القطب الروسي الصيني الجديد ستكون مفيدة جدا ً لانقاذ شعبنا  ، والى الامام