انهيار المواقع المارونية

هيام القصيفي

 

 

 

ثمة قيادات سياسية تعيش حالة من الإنكار والمكابرة، إلا أن الواقع الذي ينتج كل يوم شكلاً جديداً من أشكال المواجهة، بدأ يدفع الطوائف والأحزاب النائمة على أمجادها الى البحث في حقيقة وضعيته الداخلية.

لعل الطائفة المارونية اليوم، أول من يحتاج الى هذه المراجعة. فما يحصل سياسياً يحصل في عهد رئيس ماروني قوي، تضافرت قوى مارونية وبكركي الى إيصاله، وتمحور خطاب تياره السياسي على استعادة الحقوق المسيحية والمارونية، لتصبح صفة الرئيس القوي تهمة بعد بضعة ارتكابات تسبب بها العهد والمحيطون به.

ما يجري مالياً من انهيار مسؤول عنه أيضاً حاكم مصرف لبنان، الماروني أيضاً، المتربع على واحد من المناصب الرفيعة التي كانت تُقدّم للموارنة كأحد أعمدة الحفاظ على مكتسباتهم في الإدارة.

والأزمة المصرفية وسلوك المصارف الذي يزداد تعنتاً، يتم أيضاً بحماية رئيس جمعية المصارف الماروني والذي تربطه علاقات قوية بكل أركان الكنيسة.

ما يجري أمنياً أيضاً، وله انعكاساته الداخلية، يتم أيضاً في ظل قائد للجيش ومدير للمخابرات مارونيين، وقائد للدرك ماروني أيضاً.

وما يحصل في القضاء أيضاً وملفات الفساد المتراكمة في ظل وجود رئيس مجلس القضاء الأعلى وقضاة موارنة في مراكز حساسة.

عادة تُصَوّر هذه المواقع كضمانة للطائفة في حضورها وقوتها في النظام الحالي، لكن حين يكون معظم أصحاب هذه المناصب مرشحين دائمين لرئاسة الجمهورية، وممارسة أكثريتهم لا تتعلق إلا بسلوكيات أثبتت عقمها، فهذا يطرح إشكالية هذه الشريحة المارونية، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المنظومة القائمة التي كانت تتعرض للانتقادات. وهي مغطاة برضى كنَسي فاقع ترجم بابتعاد الكنيسة وأساقفتها ومؤسساتها الكنسية والجامعية والطلابية عن الحضور الفعلي في حركة شعبية بهذا الحجم.

من المرات النادرة أن تبتعد نخبة هذه الطائفة منذ لبنان الكبير الى الاستقلال وتظاهرات 14 آذار عن الحضور الى جانب ناسها وجمهورها وعن شريحة تطالب بحقوق العدالة والمساواة ومحاربة الفساد. في حين أنها تحاول منذ سنوات أن تستعيد حضورها الفعلي في الدورة السياسية.

ومن دون التذرّع بهيمنة حزب الله وتدخلات خارجية، أو بأن سبب الأزمات منظومة فساد عمرها سنوات طويلة وأن المشكلة تكمن في قيادة أفراد وليس طائفة، فإن ثمة واقعاً مهترئاً كشفه غياب النقاش الفعلي منذ شهر حتى الآن، حول سبب التراخي في هذه الطائفة.

إضافة الى ضغوط طبقة سياسية وكنسية واجتماعية واقتصادية ومالية، تتضافر في باطنها ضد المتظاهرين، انكشف غياب عنصر الثقافة الفعلية والوعي السياسي لدى شريحة طلابية وجامعية في مؤسسات تعليمية تابعة للكنيسة لا تنتج عصباً شبابياً حقيقياً. يكمن الفرق مثلاً في مقارنة هؤلاء مثلاً مع طلاب جامعات أخرى ومع حضور الشباب اليساري الآتي من واقع آخر مختلف وعياً وثقافة وحساً اجتماعياً، برهن في هذا الشهر عن قوة حضور بارزة.