تصحيح تصورك عن جهة ما ليس دفاعا عنها- انه دفاع عنك!

 

صائب خليل

 

 

ارتأيت أن أنشر ردي على أحد الأصدقاء المنزعجين من "دفاعي عن إيران" بعد توسيعه، لأن هذه الملاحظة يطرحها العديد من القراء في التعليقات. لا أتوقع أن يقتنع الجميع لكنه شرح لموقفي على أية حال ولكل شخص ان يتفهمه أو يرفضه:

من قراءتي لما يحدث في العالم، والتي لم تأت اعتباطاً ولا على عجل.. اقتنعت ان هناك خطر أساسي واحد، اخطبوط يمد اذرعه في كل مكان، ويضع التدمير كهدف له، خاصة بالنسبة لنا، والبقية ملاعيب نسبة له. ها نحن نرى امام عيننا ما فعل بسوريا، وهو يحتل اليوم منابع نفطها ويستولي عليها بصلافة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. وحين نتذكر، اننا نحكم اليوم بأسوأ حكومة عميلة لذلك الوحش في تاريخ العراق ( انظر مقالتي عبد المهدي عميل إيراني أم أمريكي؟)، وأن ترمب، الذي يمتص اليوم علنا نفط سوريا، انكر وجود الشعب العراقي، ودعا الى الاستيلاء على نفطه، ندرك فداحة المرحلة التي نعيش فيها، وحجم الخطر الذي يهدد وجودنا كله! فهل يقارن "خطر ايران"، إن وجد، بمثل هذا الخطر؟

انطلاقا من هذه القراءة، أعتبر أن وجود اية جهة مستقلة، ولو نسبيا، عن هذا الاخطبوط، شيء ثمين وفرصة نادرة وربما تكون أخيرة، ليس لنا فقط، بل لأي شعب في العالم يهدده هذا الاخطبوط. ومن الطبيعي في هذه الحالة ان تدافع وباستماتة عن علاقتك مع هذه الجهة .. سواء كانت ايران او الحشد او المقاومة اللبنانية.. لان الباقي مخترق بشكل كبير، ويعني انه سيعمل بدرجة أو أخرى باتجاه اهداف من اخترقه .. الاخطبوط!

كل واحد من هؤلاء عليه مآخذ، ربما كثيرة. وقد كتبت عنهم جميعا، واحيانا بقسوة بالغة، طالت روحاني وحكومته التجار، وحتى الخامنئي. اما قادة الحشد، فقد اشبعتهم توبيخا وبكلمات غير لائقة أحيانا. ولم اتردد بانتقاد المقاومة اللبنانية في موقفها من قضية دواعش الجرود. لكنهم يبقون (في تقديري) الأمل الأخير. فنحن، إضافة الى خطورة وضعنا، نعيش اضعف حالاتنا. (أنظر مقالتي " لماذا العراق مختلف ويدعو للقلق؟"(2))

 

ايران تستطيع الدفاع عن نفسها، ربما لزمن طويل.. اما نحن لوحدنا، فأهش من حمل امام اسد!، وعلينا ان لا نفاخر كذباً، وأن لا ننسى اننا سقطنا امام "كلب" داعش، لولا تداركنا بالحشد. فنحن كدولة وشعب باستثناء الحشد، فقدنا كل ادواتنا اللازمة للمقاومة، بل إننا، خلايا هذا الجسم الذي هو الوطن، نتصل ببعضنا من خلال قنوات يسيطر عليها الاخطبوط ذاته، ويستطيع في اللحظة التي يريد، ان يطفئ صوتنا!

وأريد هنا ان اكرر حقيقة مرة كتبت عنها سابقا، وهي اننا في مواجهة أميركا أو أي من عملائها لا نملك جيشاً! انظروا الى تراجع الجيش امام كردستان، إلى ان قرر الامريكان منعها من الاستقلال لأنهم لا يريدون خسارة الحبل الملفوف على رقبة العراق، فصار الجيش فجأة باسلاً! انظروا الى الجيش حين استقبل داعش بتقديمه السلاح هدية له وترك مدنه له وللبيشمركة بلا أي قتال! وحين كان على الامريكان الخيار بين ان يتركوا الحشد يسحق داعش ويحرر المدن كما فعل في تكريت، أو ان يدحروا داعش بأنفسهم مع فرصة ليخربوا المدن كما فعلوا في الموصل، اختاروا الخيار الثاني، فصار الجيش العراقي فجأة "باسلاً" مرة أخرى!

انظروا الى قائمة وزراء الدفاع، لتعرفوا كم نسبة الفاسدين والمحتالين والمتذللين للاحتلال فيها! من هذه القائمة يمكنك ان تعرف حال الجيش ومن يوضع في القيادة. ويمكنك ان تعرف أيضا أن بطولات الساعدي هراء لا دليل عليه، بينما الشبهات عليه أكثر وضوحا. أما "البطل" الآخر برواري فهو عميل وصديق لبرنارد ليفي وهو من ادخله الموصل باعتراف ليفي نفسه! هذا إضافة الى دوره المشبوه في مذبحة كنيسة سيدة النجاة، وقد كتبت عن الموضوعين سابقا.

لقد الصق الإعلام المعادي الذي يسيطر على البلاد، بهؤلاء صفة البطولة، ولو كانوا ابطالا للقوا مصير الضباط الذين تم اغتيالهم بطرق غامضة غريبة وعلى امتداد فترة الاحتلال، والذي انتج الجيش الذي يناسب داعش!

وأدل على شدة النخر في المؤسسة العسكرية والقوات المسلحة العراقية من كل هذا، حقيقة ان لا أحد من الخونة المدانين بتسليم الموصل والمدن الأخرى، قد تمت معاقبته بالإعدام الذي يستحقه! بل ان البعض نقل الى مراكز اعلى، واخرين احيلوا على التقاعد ليتمتعوا بثمن خيانتهم بقية حياتهم! فمن هي القوة التي تستطيع حماية كل هؤلاء بهذا الشكل، لتمرير هذه الفضيحة التي مرغت أسماء رؤساء حكومات بالوحل دون ان يتمكنوا من ابداء أي دفاع عن انفسهم!

ومن هنا يمكننا ان نستنتج ان وضع العراق اليوم أشد ضعفاً من أيام داعش، لأن الخونة الجدد في الجيش سيكونون اشد استعداداً لطاعة أسيادهم، لأنهم اطمأنوا أن الامر مستتب لهم، وأنه لن يصيبهم أي أذى مهما فعلوا بالبلد.

إذن لا جيش لدينا بوجه أية جهة تابعة للأمريكان، فسوف يتكفل الضباط بتسليمهم الأسلحة والاستسلام ولا يوجد أي مؤشر ان الوضع تغير نحو الأفضل. وحتى الأسلحة والمعدات قد سلمت بشروط لضمان عدم استعمالها بشكل لا يرضي اميركا. وبما أن لا احد في هذا العالم اليوم، يعتدي، إلا أصدقاء اميركا وعملائها، فأن هذه الأسلحة وهذا الجيش لن ينفع لرد أي اعتداء على البلد، وبالتالي فأن سلاحنا الوحيد الباقي، رضينا عنه ام لم نرض، اعجبنا الحال ام لم يعجبنا، هو الحشد ومن سلح ودعم الحشد!

ولولا ان الحشد استعمل أجهزة اتصال إيرانية واسلحة إيرانية، لما كان له ان ينتصر على داعش ابداً. هذه حقائق أساسية ثابتة لا ينكرها إلا مراوغ يعاني من نقص كبير في الأمانة، وحتى ان اتخذت ايران مواقف مؤذية لنا، وفي تصوري أن هذا حصل فعلا، كما اشرت في مقالات أخرى(3) وحتى لو تسلل الفساد الى جهات متنفذة في الحشد، ولم يستطع بعض كبارهم وصغارهم ان يقاوم إغراء سلطة السلاح الذي بيده ليعتدي على أملاك غيره وحقوقهم وحياتهم، فأن تلك الحقائق الأساسية تبقى ثابتة ومهم جداً أن لا ننساها!

إن نسيان هذه الحقائق والتسلي بمقولات مثل أن العراق ساحة معركة بين ايران وأميركا وأن علينا ان نبعد انفسنا عن ذلك الصراع، او ان اميركا سلمت العراق الى إيران، تسلية خطيرة. فالعراق ليس ساحة معركة بل هو طرف أساسي في معركة بين مفترس وضحيته، وما ايران إلا ضحية تنتظر دورها، فتحاول ان تقف مع بقية الضحايا لعلها تنجو. وقد تتصرف هذه الضحية المرشحة بشكل براغماتي أحمق، وليس في صالحنا ولا صالحها، لكن حقيقة علاقتنا مع بعضنا تبقى ثابتة، وبحاجة دائمة للمراجعة والتعديل واحيانا التوبيخ.

اما النقطة الثانية فأميركا لا تسلم أحد شيئا ابداً ولم تفعل ذلك يوما في تاريخها كله، ولا حتى مع اقرب اصدقائها، حتى البريطانيين، اكثر حلفاء اميركا طاعة لها، اشتكوا من اعطائهم نسبة تافهة فقط من مشاريع اعمار الكويت بعد انتصار الحلف في حينها. أميركا تعمل المستحيل لإسقاط أية محاولة لأي شعب لكي يستلم سلطته على بلاده باستقلال منها، فبأي منطق تصرف اميركا مئات المليارات لتسلمها الى ايران؟ حتى لو كانت ايران صديقة لأميركا، كما يريد البعض ان يصدق، فلماذا تسلم اميركا شيئا الى هذه الصديقة، ولم تفعل ذلك يوماً لغيرها من "الأصدقاء"؟

مهم جداً أن نطرح الأسئلة بشجاعة، من اجلنا وليس من اجل ايران أو الحشد، فنحن المهددون الآن وليس ايران أو افراد الحشد، ان أراد هؤلاء ترك الحشد. مهم جداً لأن الوهم ليس لعبة مسلية فقط، بل قد يكون قاتلا. ولولا ذلك لما صرف عليه أعداء الشعوب كل تلك الترليونات من الدولارات وصار السلاح الرئيس في وجه الشعوب.

في تحليله للتاريخ النضالي الفاشل قبل الثورة الصينية، قال ماو تسي تونغ إن احد اسباب فشل كل الحركات الشعبية في الصين سابقا، هو انها لم تكن تعرف اصدقاؤها لتقترب منهم اكثر ولم تحدد اعدائها لتبتعد عنهم وتصوب رصاصها اليهم.

لذلك فانا افسر كثرة الاكاذيب ضد ايران بالشكل التالي:

مثلما اشعر بأهمية ايران لنا، فأن الاخطبوط يشعر انها هي من يهدد حصوله على الفريسة العراق. إضافة طبعا الى الرغبة بافتراسها هي. ولذلك يوجه كل التشويهات الإعلامية الهائلة التي يملكها لتحطيم تلك العلاقة، مستخدماً الحقائق والأكاذيب وبشدة لم يعرف مثلها الا الشيوعيين في منتصف القرن الماضي، فقد كانوا ايضا الأمل بالنسبة للشعوب، والعقبة الحقيقية أمام المفترس.

وقد تعرض الشيوعيون والاشتراكيون بعد ثورتهم، ثم بعد الحرب العالمية الثانية لتسونامي من الأكاذيب الإعلامية المحسوبة بدقة، فلا يفلت منها إلا من لديه الاستعداد ليبذل وقتا طويلا في البحث عن الحقيقة، ومن يملك الحصافة والثقافة فوق متوسط الناس. أما بين البسطاء فبلغ نجاح زرع الوهم حدا مهولا، توضحه حقيقة ان الكثير من الإيطاليين البسطاء (وهي دولة أوروبية صناعية) كانوا يصدقون ان الشيوعيين الروس يأكلون أطفالهم!

لذلك عندما يحذر البعض من ايران، وفي هذه اللحظات الحرجة بالذات التي شرحتها في مقالتي أعلاه، فإني اعتبرها عملية توجيه الضوء بعيدا عن الخطر.. البعض القليل عن عمد، والغالبية الساحقة عن قناعة خاطئة. ولكنها في كل الأحوال تصب في تفتيت علاقة الضحايا ببعضهم، وتفتيت أملهم بالبقاء.

لا شك ان الإيرانيين يدركون اكثر منا إنهم أيضاً مهددون في وجودهم كأمة وكعقيدة، ويخشون ان يأتي اليوم الذي يقولون فيه: أكلنا يوم أكل الثور الأبيض. وهذا من حسن حظنا.

كيف نتعامل اذن مع هذه "الآمال الوحيدة" المستقلة عن الأخطبوط، ولكن المليئة بالإشكاليات؟ الحشد الذي اخترق الفساد والبلادة بعض قياداته، واخترق روح الجريمة نسبة من أفراده، وإيران البراغماتية التي تدعم حكومات مدمرة للعراق؟ ليس الأمر سهلا بالتأكيد، ويحتاج إلى الكثير من التفكير والعمل، لكن الخط العام يبقى واضحاً: ان نتعامل معهما مثلما نتعامل مع يدنا التي تؤلمنا، فلا نسارع إلى قطعها بل نفعل كل ما نستطيع لشفائها، حتى بالكي وتحمل الألم إن تطلب الأمر، خاصة ان كانت هي اليد الوحيدة التي بقيت لدينا!

بقيت فقط مقولة "الهيمنة" الإيرانية، والتي لا تخلو من بعض الحقيقة، لكني اعتقد ان بها مبالغة كبيرة، وبالتالي لا تستحق المنافسة على أولوية القلق، وسأخصص لها مقالة خاصة قريبا، وحتى ذلك  الحين يمكننا ان نكتفي بمقالة تبعية عبد المهدي لأميركا(1)، كمؤشر على تلك المبالغة وحجمها.

هذه وجهة نظري وهذا موقفي باختصار، ولمن يريد ان يعرف المزيد عن موقفي ان يراجع بقية مقالاتي في موقعها على الفيسبوك من الروابط أدناه. وختاماً أقول لمن احتار في موقفي: إن محاولتي لتصحيح تصورنا عن إيران ليست دفاعا عن إيران بقدر ما هي دفاع عن سلامة تصورنا نحن لما يدور حولنا، ولكي نستطيع أن نعدل سلوكنا من المقابل من ابتعاد وتهديد وعتاب ورفض وتوبيخ حسب ما تقتضيه مصلحتنا. إنه بالتالي دفاع عنا قبل اية جهة أخرى.

 

 

(1) عبد المهدي عميل إيراني أم أمريكي؟ صائب خليل

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2626169144106805