عن أية ديمقراطية يتحدث البعض ؟

صباح علي الشاهر

 

 

يصعد البعض نبرة العداء للأحزاب والحزبية ، وهو يخبط خبط عشواء ، داعياً لديمقراطية مبتكرة ، أو لم يتوصل إليها الديمقراطيون بعد ، بدعوى فشل الحزبية في العراق ، داعيا إلى سلطة التكنوقراط بإعتبارهم البديل المنشود ، دون تحديد صفة التكنوقراط هذه في بلد كل شيء فيه منتم وإن لم ينتم .

القول بفشل الأحزاب والحزبية في العراق قول صحيح تماماً ، ولكن لماذا فشلت الأحزاب والحزبية ؟ وهل ما لدينا أحزاب حقيقية ، أم صورة مشوهة للحزب ، وممارسات عشائرية للتحزب ؟

الأحزاب العراقية إما عنصرية أو طائفية ، تتمحور حول شخص ، ومؤسسة وجدت لخدمة شخص ، أو بضعة أشخاص ، أو عائلة ، وهي تتستر بغطاء طائفي أو عنصري ، ولأنها أسست على هذا الشكل فهي كانت ومنذ التأسيس فاشلة جملة وتفصيلاً ، وليس لها من الحزب سوى الإسم المطلق عليها جزافاً ، وكي لا نظلم البعض نقول " وبقايا أحزاب أبتعدت عن نهجها وغيرت بوصلتها ، وردحت مع الرادحين "

إذا كان مفهوم الحزب هو هذا الذي وجد في العراق ، قبل وبعد الإحتلال ، فالموقف الرافض للأحزاب والحزبية كلي الصواب ، وإن كان البديل عنه فبركة ستؤدي حتماً إلى ما هو أشد وأقسى .

هل توجد ديمقراطية بدون أحزاب ؟

لا يمكن لأحد الإجابة بنعم ، وإلا فهو ينسف الديمقراطية من أساسها ، رغم أن الفوضويين قالوا قبل أكثر من مائة عام بطريق آخر لم يدشنه أحد ، ورغم قول الراحل القذافي مقولته المشهورة " من تحزب خان " .

إذا كنت تنشد تطبيق الديمقراطية وتسعى لها ، فعليك أن تعلم إنها منتوج غربي فكراً وممارسة، وأن تطبيقات الديمقراطية الشرقية ، كديمقراطية الراحل سوكارنوا الموجهة ، لم يكتب لها العيش لتبلغ سن الرشد، وأننا كشرقيين كنا وما زلنا نعيش على ما ينتجه الفكر الغربي، وهذه واحدة من أهم مصائبنا .

تعليمنا غربي، جيوشنا وشرطتنا غربية ، قوانينا غربية ، إقتصادنا غربي ، حتى شرعيتنا أصبحت غربية ، فهل بمقدورنا وحالنا هكذا أن نجترح ديمقراطيتنا ونحن على ما نحن عليه.

حتى يحين الوقت الذي ندرك فيه من نحن ، نحن ملزمون بتطبيق ما طبقه غيرنا ، وما أثبت الواقع أنه أفضل الممكنات حالياً ، ألا وهو " الديمقراطية ، والشفافية ، والتبادل السلمي للسلطة"

والديمقراطية تعني من ضمن ما تعني وجود أحزاب منبثقة من الناس ، ومعبرة عنهم ، أو عن شرائح منهم ، تستهدف خدمتهم ، وتقدم لهم برنامجا لهذه الخدمة ، عاماً في جانب ومفصلاً بالأرقام في جانب آخر .

ما ذا تعلمنا تجربتنا العراقية ؟

تعلمنا أن الأحزاب يجب أن تكون وطنية ، بمعنى لا طائفية ، ولا دينية ، ولا عنصرية ، ولا عشائرية ، ولا مناطقية . وكي تتأسس على هذا النحو يجب أن يحتوي برنامجها المعلن تبنيه للوطنية ورفضه للطائفية والعنصرية ، وأن تتشكل قياداته بما يعزز الحس الوطني ويؤكده ، أي يكون الطيف العراقي في رأس الهرم والقاعدة ، وأن تبنى على الديمقراطية الداخلية ، فغير الديمقراطي لا يبني ديمقراطية ، لذا ينبغي أن يؤكد النظام الداخلي لأي حزب على الديمقراطية الداخلية وإسلوب الانتخابات بأشراف قضائي داخلي أو حكومي ، ومثلما يتم تداول الحكم يتم تداول المسؤوليات الحزبية ، فليس حزباً هذا الذي يقوده شخص أو أبناءه وأحفاده  نصف قرن من الزمن .

وينبغي تحديد طبيعة مالية الحزب ، ومصادره ، وإنفاقة ، وأن يقدم جردة مالية سنوية للدولة تحدد الواردات وجهات الإنفاق .

وحيث أن هذه النقاط تتعارض كلياً مع طبيعة الأحزاب القائمة في العراق حالياً ، لذا ينبغي حل هذه الأحزاب بمجملها ، ووضع نظام للأحزاب يضع ما ذكر أعلاه في صلب توجهاته ، ويمنع تأسيس أي حزب طائفي ، أو عنصري مستقبلاً ، ويضع قانون الأحزاب عقوبات على الأحزاب التي تخرق قانون الأحزاب ، وتبدأ العقوبات من الغرامات وتنتهي بالحل ومصادرة الممتلكات . 

أن وجود أحزاب وطنية سليمة  سيوجد نظام حكم سليم ، ديمقراطي حقاً ، يعمل لمصلحة الناس ولخدمتهم ، فوجود هذه الأحزاب في السلطة وفي الشارع يعتمد أساساً على رضى وقناعة الناس التي ستذهب كل أربع سنوات لصناديق الانتخابات لتجدد دعمها لهذه الأحزاب ، أو لسحب هذا الدعم، كما أنها " الجماهير " هي التي ستحدد إمتداد هذه الأحزاب ونونفوذها في المنظات المهنية والإجتماعية والنقابات والإتحادات بكل أنواعها.

نريد نظاماً ديمقراطياً ، ولا وقت لنا لتجريب غير المجرب .