لماذا يقمع نظام الانتخابات الفردي اي مشروع سياسي وطني لدى الشعب؟

 

صائب خليل

 

 

يحتاج أي مشروع سياسي لكي يصل الى الناس ويتمكن من تحشيدهم، إلى ان يصل بأسرع وقت ممكن الى مجلس النواب ووضع ممثل او أكثر له فيه. فمن الصعب أن يقتنع الناس بجدية أي مشروع ما لم يكن له من يمثله في مجلس النواب، ويقوم بطرح آرائه ويقترح مشاريع القوانين الوطنية التي تناسب توجهه. فالخطوة الأولى الثقيلة لأية فكرة سياسية أو مشروع هي ان يصل ممثلها الأول الى مجلس النواب، ثم الخطوة الثانية ان يصل الأمر الى عدد النواب، ليحسب حسابه عند المناقشات والتصويت، واخيراً يتاح له ان يحصل على العدد اللازم لتشكيل حكومة تتفق مع رؤيته، لوحده أو مع آخرين.

والآن يأتي السؤال المهم: لماذا يكون هذا الأمر أصعب في نظام الانتخابات الفردي؟

لأن طبيعة المشروع الوطني، انه ينتشر تدريجياً، وعلى مختلف ارجاء الوطن في نفس الوقت، ولا يقتصر على منطقة محددة. وهذا على العكس من المشاريع السياسية ذات الطبيعة المحلية، مثل المشاريع الطائفية او القومية أو الخاصة بانفصال منطقة عن البلد. فهذه الأخيرة يمكن ان تكسب زخماً سريعاً بين الناس المعنيين بها، ولن يهتم بها أحد في المناطق الأخرى التي لا تشملها نفس الصفاة الطائفية أو القومية او الانفصالية، والتي تمثل معظم مناطق البلد.

فلو أرادت مجموعة مثقفة عابرة للطائفية وحريصة على الوطن ككل، ان تقدم مشروعا لحزب سياسي يهدف بشكل خاص الى تحقيق استقلال البلد من القواعد العسكرية والسيطرة الأجنبية على مرافقه وخلق إعلام وطني، فأن مثل هذه الأهداف يمكن ان تنتشر في كل مكان من العراق وبشكل منتظم تقريبا. نفس الأمر لو ارادت مجموعة أخرى ان تدعوا إلى اقتصاد اجتماعي يمنع الخصخصة ويمنع دخول الشركات الى المرافق الأساسية في البلد مثل التعليم والصحة والاتصالات والنفط. هذه الأهداف ستجد صدى ما في كل العراق بدرجة أو بأخرى.

والآن لو فرضنا، انه بجهود جبارة من أعضاء هذا التجمع، تمكنوا من نشر فكرتهم في العراق وكسبوا متحمسين في كل محافظة وقضاء، ولنقل انهم صاروا 5% من مجموع العراقيين داعمين لهذا المشروع، فكم سيحصلون من مقاعد البرلمان في الانتخابات التالية، لو كان النظام نسبيا، كما كان في الماضي؟

سيحصلون على 5% من المقاعد، او ربما 4% أو 6%. المهم ان ما يحصلون عليه من نسبة مقاعد مجلس النواب، مساو تقريباً لـ "نسبة" عدد أصواتهم، ومن هنا جاءت تسمية "النسبي". فلو كان عدد مقاعد مجلس النواب الكلي 300 مقعد، فسيحصلون على حوالي 15 مقعد منها! بل انه يكفيهم 1% ليحصلوا على 3 مقاعد. وهكذا سيتخطى المشروع الوطني العتبة الأولى بحصول ممثليه على حصة من مقاعد مجلس النواب، ويصل صوتهم الى كل العراق، ويسهل انتشار أفكارهم بسرعة أكبر بكثير مما هو في البداية، ويكون لديهم فرصة لو اقنعوا المزيد من الناس بصحة فكرتهم، ان يتم تنفيذها.

على كم مقعد يحصل هؤلاء في النظام الفردي المقسم على أساس الكثافة السكانية، لو صوت لهم 10% من الناس في كل العراق؟ صفر!

السبب هو كالتالي: في النظام الفردي الذي يقسم كدائرة انتخابية لكل مقعد، لا يفوز سوى مرشح واحد في كل منطقة! وبالتالي يتوجب على الحزب الجديد لكي يحصل على أي مقعد، ان يحقق اغلبية الأصوات في تلك الدوائر! وهذا امر صعب للغاية بالنسبة لحزب جديد او مشروع جديد. وتزداد الصعوبة بشكل خاص في مثل هذا النوع من الأنظمة الانتخابية لأن الأمزجة الشعبية تكون قد اتجهت الى اتجاهات عشائرية او طائفية او مناطقية في أحسن الأحوال. كما ان الناخب لن يفكر في "هدر" صوته على مرشح ليس لديه فرصة جيدة للفوز، حتى لو كان مقتنعا بمشروعه وبه.

وهكذا ستفشل مثل هذه المشاريع في دخول مجلس النواب، ومثلها أيضا أي حزب يهتم بحقوق المرأة مثلاً، لأنه أيضاً مشروع ذو اهتمام عام وهكذا.

أما الأحزاب المناطقية، مثل حزب يدعو لتكوين إقليم ما، أو لتغيير قانون يخص طائفة ما، أو عنصري ضد طائفة ما تسكن نفس منطقة دائرة الانتخاب او مجاورة لها، فسوف لن يجد اية صعوبة في الحصول على مقعد تلك الدائرة ودخول مجلس النواب.

وهكذا سوف يتجه مجلس النواب إلى تشكيلات رشحت وفق برامج تهتم بالمناطق والطوائف أو لمجرد كون المرشح شيخ عشيرة، وتختفي المشاريع الوطنية العامة من مناقشات المجلس وجدول اعماله.