أمور تحتاج إلى إعادة نظر

صباح علي الشاهر

 

 

-1-

 

قرأت لكاتب أحترمه جداً تساؤله عن ضابط مرشح محتمل لرئاسة الوزراء يتعلق بالعمر ، وتحديد كونه في زمن البعث بعمر أربعين عاماً ، وهذا يعني أنه كان حتماً بعثياً ، إن لم يكن قيادياً كما تبين رتبته .

لا شك أن الضابط مهما تدنت رتبته سيكون حتماً ، بناءاً على واقع الحال آنذاك ، بعثياً ، ولكن :

هل هو بعثي حقاً ، أم شأنه شأن المعلم والتلميذ ، والإعلامي ، والموظف ، الذي أجبر على أن يكون بعثياً ، وأن كان على طريقته الخاصة .

سياسة التبعيث الصدامية لم تقتصر على العسكر والأمن والسلك الدبلوماسي ، بل شملت كل مناحي الحياة ، حتى أنهم أرادوا خلق ( علم جمال بعثي) !

والعسكريون شأنهم شأن غيرهم قدموا جحافل الشهداء ، تارة لأنهم تآمروا على الحزب والقائد ، وتارة لأن لهم ميولاً معادية ، وتارة لأنهم لا يحضون بثقة القائد ، حتى أن القتل الجهنمي طال من هم في القمة ومن صناع القرار ، إضافة لمحنتهم حيث أجبرت أعلى رتبة فيهم على مخاطبة من هو أقل رتبة ، حتى لو كان جندياً أو لاحظ له من التعليم بـ ( سيدي) .

صحيح أن سياسة التبعيث لم تنجح سوى شكلياً ، لكن الذين لم يقعوا في شباكها ، أما أن يكونوا قد إستشهدوا، أو يرزحون في الأقبية السرية والعلنية ، أو هاربون خارج الوطن ، أو تقاعدوا تحت الجبر والإكراه عن أي فعل أو قول أو عمل .

وما يصدق على العسكريين يصدق بالضرورة على الجميع ، على أساتذة الجامعات والموظفين كافة ، وإلا فإن إقتصار هذا الحكم على العسكريين أمر مريب حقاً .

المهم ، والأساس ، ما هو موقف هذا الضابط من إحتلال بلده ، وهل تعاون مع المحتل ، وهل عين ودرب من قبله ، وهل يسعى كأحد أبناء هذا البلد المخلصين للتخلص من عار الاحتلال ؟

-2- الدمج

قرأت وشاهدت الكثير من الصور والتعليقات الطريفة عن (الدمج) ، بعض هذه الصور مفبرك ، وبعضها أخذ بمناسبات دعم أثناء الدعوة للجهاد الكفائي ، وبعضها لمجانين ، وبعضها لمجرد الضحك، ولعل أكثر صورة إضحاكاً هي صورة ذاك الذي وضع على كتفه الأيسر رتبة عميد ، وعلى كتفه الأيمن رتبة لواء .

هل كان ثمة دمج أم لم يكن ؟ الجواب : نعم ثمة دمج ، فقد منحت رتب مختلفة ، وبشكل عشوائي لأناس لا يستحقون مثل هذه الرتب ، ولكن ألم يحدث ( دمج) قبل الاحتلال وحل الجيش العراقي ؟

في العهد الملكي ، كانت الرتب تمنح لأبناء الذوات لإشغال مراكز قيادية في الشرطة ، والأجهزة الأمنية ، وفي العهد العثماني كانت الرتبة ، مثلما الألقاب تباع وتشترى ، تريد لقب ( باشا) إدفع ، تريد لقب ( بيك) إدفع . 

يستثنى الزعيم العميد عبد الكريم قاسم الذي لم يرفع رتبته ، والذي حصل على رتبة لواء نتيجة إستحقاق مسلكي ، وعبد الناصر الذي ظل ( بكباشي) رغم أنه أصبح الزعيم الأوحد في مصر ، ولا ننسى العقيد القذافي ، والعقيد علي عبد الله صالح .

أما في عهد البعث ، فلم يعد ثمة مقياس لمنح الرتب ، فالرئيس الذي لم يخدم يوماً في السلك العسكري أصبح مهيب ركن ، وصدره يحمل كل النياشين العسكرية ، وأصبح جندي المراسلة فريق ركن ، ونائب العريف فريق ركن ، وبائع الثلج قائداً للجبهة الشمالية ونائب العريف قائداً للجبهة الجنوبية والوسطى وبغداد قيادتها لولديه .. وكانت النتتيجة أن البلد أصبح محتلاً .

قد يقول قائل ما العمل وقد حل الجيش؟

والجواب: ماذا فعلتم بعد إنقضاء 16 عاماً على حل الجيش ؟

لو أنكم عينتم الخريجين الجدد من خريجي الكليات العسكرية المختلفة ، فإن بعض هؤلاء الخريجين يصبحون الآن برتية مناسبة تهيأهم للقيادات بمختلف الأصناف .

وكان بالإمكان فتح باب الإيفادات لخلق كوادر بأسرع وقت ممكن ، لكنكم أردتم مكافأت أتباعكم عن طريق الدمج ، وليذهب الجيش والوطن إلى الجحيم ، هذه النظرة الإستئثارية هي الصفة المميزة لكم كلكم ، بجميع فصائلكم ، لقد جعلتم الوطن فيئاً تتناهبونه فيما بينكم ، فيا ويحكم ، ويا بئس أفعالكم .