قاسم سليماني ووظيفة الحرس الثوري والمنظمات الشبيهة

محمد عبد الحكم دياب

 

طبول الحرب تقرع والناس بين مؤيد ومحرض ولا تجد من يبحث عن مخرج، أو يقترح حلا أو هدنة أو يقدم مبادرة لحقن الدماء المراقة بلا حساب أو إحساس بأي مسؤولية، وأريد عدم الدخول حاليا على خط تداعيات إغتيال قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني، وقد وصفه الإعلام الغربي بأنه الشخصية الثانية الأقوى في هيكل الحكم الإيراني بعد مرشد الثورة آية الله علي خامئني، وكي نحدد الملامح الأقرب للصورة يجب أن نتبين وضع هذه التشكيلات ووظيفتها، وهل هي بدعة إيرانية أم هناك ما يماثلها في بلدان أخرى كثيرة؟

وهذه تشكيلات عسكرية وشبه عسكرية؛ نشأت تاريخيا في الغرب خارج النطاق الرسمي للدولة، ومن أجل التوضيح نقارن بين الحرس الثوري الإيراني وبين الحرس الوطني السعودي.. وتأثرت مصر بتلك الموجة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وهي تحت الاحتلال البريطاني؛ من خلال جماعة مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين، وكثير منها مستوحى من جماعات ألمانية وإيطالية وأسبانية ويونانية؛ وفي لبنان نشأت الكتائب تقليدا لـالفالانج أي الكتائب الإسبانية، وهي الترجمة العربية للاسم. وتأسس الحرس الثوري الإيراني عقب الثورة الإيرانية عام 1979، وذلك لمواجهة الهيئات والمؤسسات والمنظمات المتوارثة من نظام الشاه، وخشية من حدوث انقلاب على غرار إنقلاب الجنرال زاهدي في 1953 ضد الزعيم الوطني محمد مصدق.

وتأسس الحرس الثوري لمواجهة جهاز الأمن الإيراني السافاك الذي كان قائماً آنذاك، ووُصف َالحرس الثوري بجيش الشعب، وبمعنى أدق نقول جيش الثورة، الذي يحميها. وسرعان ما تمكن الحرس الثوري من ترسيخ سلطته مع أوائل ثمانينيات القرن الماضي. ويعود السبب لاندلاع الحرب العراقية الإيرانية، التي صنعت تحولا جذريا في بنيته، فانتقل من مجرد عناصر متطوعة لحراسة الشخصيات الدينية الصاعدة مع مد الثورة. وأضفى عليه أداؤه في الحرب وضعا خاصا في هيكلة الدولة الجديدة، فطالت طوابير المقبلين عليه، وانضمِ إليه مجندون كثر؛ وصل عددهم إلى 125 ألفا خلال مدة وجيزة.

وتحت ضغط الحرب دُمِج الحرس الثوري رسمياً بالقوات المسلحة الإيرانية، وتحول لهيئة عسكرية شبه مستقلة، فتوسَّع، وأصبحت له أذرع؛ برية وبحرية وجوية وصاروخية، وأضحى أقرب للقوات الخاصة، وأضاف لمهامه مهمة الحرب السيبرانية، وتعني شن هجمات ألكترونية ضد شبكات التواصل الألكتروني، وطَرَحت هذه الحروب أسئلة عديدة على فقهاء وخبراء القانون الدولي عن مدى تأثيرها على الحروب والنزاعات المسلحة بين الجماعات والدول وإمكانية تجريمها.

ووُزِّعت الأدوار بين الحرس الثوري وبين القوات الإيرانية التقليدية، فإذا كانت للسلاح الجوي السيطرة على المجال الجوي بالقاذفات والطائرات النفاثة، فالحرس الثوري يتولى أمر الصواريخ الباليستية، وشكَّل فيلق القدس؛ كأقوى أسلحة القوات المسلحة الإيرانية، ويمثل قطاعا خاصا غير تقليدي؛ ينفذ عمليات عسكرية ومخابراتية نوعية واستراتيجية في مجاله الحيوي، الذي صنعه لنفسه في الدوائر المذهبية والطائفية والإقليمية.

طبول الحرب تقرع والناس بين مؤيد ومحرض ولا تجد من يبحث عن مخرج، أو يقترح حلا أو هدنة أو يقدم مبادرة لحقن الدماء المراقة بلا حساب أو إحساس بأي مسؤولية

وهدد فيلق القدس بالفعل المصالح الأمريكية تهديدا حقيقيا، وقدَّم مساعداتٍ عسكرية ودعم مباشر ضد المصالح الأمريكية في العراق وأفغانستان ولبنان، ودعم فيلق القدس حركة طالبان ضد حكومة كرزاي الموالية لواشنطن، وتعددت الروايات عن وجوده في سوريا ودعمه لبشار الأسد. وتعتمد القوات المسلحة الإيرانية على إمكانيات عسكرية متقدمة، واحتلت المركز الرابع عشر بين أقوى جيوش العالم؛ حسب تصنيف موقع غلوبال فايَربَوَر ، ولكون الحرس الثوري يخوض حربا غير تقليدية؛ فذلك مكنه من تحدي الولايات المتحدة بطُرُقٍ لا تستطيعها القوات التقليدية!!.

وننتقل للتعرف على وظيفة ودور الحرس الوطني السعودي فوظيفته مغايرة ودوره مختلف، وتأسس امتدادا لمكتب الجهاد والمجاهدين، الذي أنشأه الملك عبد العزيز آل سعود نهاية أربعينيات القرن الماضي، وكان ذلك المكتب نواة نمت لتصبح الحرس الوطني، عام 1955، وصدور مرسوم ملكي تشكل بمقتضاه رسميا. وأوّل من تولّى رئاسته كان الأمير عبد الله بن فيصل الفرحان آل سعود.

وجاء تعيين الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود رئيساً لـالحرس الوطني في ستينيات القرن العشرين، فأحدث نقله نوعية من مجرد مجموعات تقليديّة من المتطوعين، إلى مؤسّسة عسكرية محترفة ذات وزن، وأضحت له وزارة حملت اسم وزارة الحرس الوطني؛ مثلت أحد أفرع القوات المسلحة السعودية، وهي وزارة سيادية؛ يُعوَّل عليها في إسناد القوات النظامية، والاعتماد عليها في العمل إلى جانب القوات البرية إذا لزم الأمر، والانضمام للقوات المسلحة الميدانية أثناء المواجهات مع قوات معادية، ودعم الحرس الملكي عند الضرورة، والوقوف مع قوى الأمن الداخلي؛ في حالات الاضطرابات أو اختلال الأمن والسلم الأهلي، والتصدي للهجمات الإرهابية.

والقائد الأعلى للقوات المسلحة السعودية حاليا هو الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وتم تعيين الأمير عبد الله بن بندر وزيرا لـالحرس الوطني، وتعيين الشيخ عبد المحسن بن عبد العزيز التويجري نائبا له، وفي عام 1974م بدأت مرحلة جديدة، مثلت نقلة أخرى؛ بدأت بإعادة تنظيم جميع وحدات الحرس الوطني. والأخذ بنظرية الأسلحة المشتركة، وبناء عليها تشكلت كتائب مشتركة كأنوية (جمع نواة) لألوية مشاة آلية؛ تتمتع بخصائص وقدرات قتالية عالية. وتشكيل وحدات أمن خاصة، ووحدات إسناد؛ كالهندسة، والإمداد والتموين، والاتّصالات، والخدمات الطبية. وتعددت مهام الحرس الوطني، واتّسع نطاقه.

والهدف من تناول هذين النموذجين؛ أحدهما ثوري؛ على مبدأ ولاية الفقيه، والثاني حكم ملكي؛ يتم تداوله بالوراثة. ومن المفروض إن الأخذ بصيغ المجالس الثورية أو المجالس الوطنية؛ المفروض فيها إنها صيغ إنتقالية ومؤقتة؛ تنتهي بانتهاء مراحلها، ودوامها دال على إنها تتحرك في نطاق نظم غير مستقرة، وتحيطها المخاطر، وأخذت مصر بشئ من هذا بعد ثورة 1952، وكان الحرس الوطني صيغة تنظيم وإعداد وتدريب المتطوعين على مقاومة الاحتلال البريطاني، أو في الحد الأدنى الدفاع عن البلد وعن النفس، وانتهى ذلك بجلاء الاحتلال، وبعد 1967 نشأ جيش شعبي يحمي المنشآت والمصانع، وكان متطوعوه من العاملين في المنشأة أو المصنع، وكون الفلاحون كتائب الحراسات الشعبية؛ تحمي خطوط الكهرباء الموزعة في أنحاء الجمهورية، وانتهى كل ذلك في سبعينيات القرن الماضي، وأوكلت مهامه لوزارات أخرى، فمهمة الدفاع والإنقاذ المدني أُلْحِقت بوزارة الداخلية، وانتفى مبرر استمرار الجيش الشعبي بعد تصفية القطاع العام، وبيع مصانعه، ونهب الأصول الإنتاجية للدولة.

ودلالة بقاء الحرس الثوري الإيراني؛ هو استمرار الإحساس بالمخاطر المحدقة؛ خاصة في ظروف طموح إيراني بالتمدد، وقد صنع لنفسه مجالا حيويا؛ يتحرك فيه مذهبيا وطائفيا وإقليميا.

والسعودية في حاجة لـالحرس الوطني، فالمخاطر تحيط بها من كل جانب، وبقاؤه ضمان للحفاظ على توازن الأجنحة داخل بيت آل سعود.