ممثلو الأمم المتحدة في العراق وإسرائيل – علاقات متميزة وخطرة!

 

صائب خليل

 

 

"نرى مهمتنا ان نمكن الشعب العراقي بأسرع وقت ممكن، من الحلول محل دور التحالف واستعادة سيادته الكاملة. لا أحد يريد ان يبقى تحت الاحتلال، وهذا يشملني انا. كثيراً ما سألت نفسي، كيف كنت سأشعر لو أنى رأيت دبابات اجنبية تجول في شوارع مدينتي ريو دي جانيرو. لن أحب هذا المنظر، وكنت سأسعى لكي ينتهي فوراً. كنت سأتمنى ان لا أراه اصلاً."

تلك كانت كلمات البرازيلي العالي الكاريزما والخبير الدولي الأكبر في شؤون حل النزاعات، سيرجيو فييرا دي ميلو، رئيس اول بعثة للأمم المتحدة في العراق (يونامي). وما هي الا أشهر معدودة حتى أدرك قادة الاحتلال خطأهم بالسماح لـ "إنسان" بتولي هذا المنصب في البلد الذي احتلوه ويعتزمون البقاء فيه للأبد، فتولى "الإرهاب" تخليصهم منه!

لم يمهل الاحتلال – او الإرهاب – ميلو أكثر من ثلاثة أشهر في العراق، وبعد ذلك، لم يكرر الاحتلال هذا الخطأ ابداً، فهو لا يلدغ من جحر مرتين. فحرص الاحتلال ان لا يكون في سلسلة ممثلي اليونامي بعد ذلك أي شخص إلا من يتصرف بتنسيق مع ما يرغبون، وفي كل مكان في  العالم. وكمثال على هذا نتذكر قبل ثلاث سنوات قيام سفيرة ترمب في الأمم المتحدة بمنع تولية رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض منصب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، رغم ان سلام فياض من المحسوبين على أشد المطبعين مع إسرائيل! لكن يبدو ان حتى مثل هذه الشخصية الخانعة لم تكن كافيةً لنيل رضا إسرائيل للمنصب.(1)

توالت ثلاث شخصيات على المنصب، يتميزون بالطاعة بدرجة او بأخرى، واحياناً يبدو ممثل الأمم المتحدة "يتصرف وكأنه موظف في السفارة الأمريكية" (كما وصف أد ملكرت الهولندي)، ثم صار آخر رؤساء البعثة ممن يتميزون بالعلاقة الخاصة مع اسرائيل!

لقد انتهت هذه السلسلة اليوم بالسيدة بلاسخارت، إحدى خريجات "حزب الشعب للحرية والديمقراطية"، الحزب الهولندي المعروف بتبعيته لأميركا وعلاقته المميزة بإسرائيل، والذي اخرج جميع الساسة العنصريين والمعادين للمسلمين والعرب الذين شكلوا أحزاباً مستقلة من نوع ويلدرز. شغلت بلاسخارت منصب وزير الدفاع، وهو أيضا منصب يتم اختيار المرشحين له بعناية شديدة، ولهؤلاء تاريخ علاقة مع إسرائيل يصل إلى حد الفضائح، التي لو حدثت مع دولة أخرى لقضى ابطالها بقية عمرهم في السجن، لكن هذا خارج الموضوع الآن.

في زيارة لها لإسرائيل 2014 عندما كانت وزيرة دفاع، وكانت في ضيافة موشيه يعالون، تحدثت بإسهاب عن التعاون العسكري بين بلدها وإسرائيل، ووقعت اعلانا بالالتزام بالتوصل الى اتفاقيات مختلفة، وتحدثت عن جهود تبادل الخبرة في مجال الطائرات المسيرة والمتفجرات، وحرصت على زيارة مركز يعاد فاشيم لذكرى المحرقة. (2)

هذه هي السيدة التي تمثل الأمم المتحدة اليوم في العراق، والتي وضع متظاهرو التحرير عليها آمالهم ورفعوا أعلامها، وطالبوها صراحة، وكذلك الاتحاد الأوروبي، بالتدخل في العراق بحجة حمايتهم!! ولقد كشفت في مقالة سابقة خطورة هذه الخطوة المشبوهة ودور ما يسمى اعتباطا "المجتمع الدولي" في تدمير العراق، والتشابه المثير للقلق، خاصة في هذه الخطوة، بين مسيرة التظاهرات وتظاهرات الربيع العربي في سوريا وليبيا والتي انتهت بتدمير البلدين تماما. (3)

لكن السيدة بلاسخارت ليست الأخطر في سلسلة ممثلي الأمم المتحدة في العراق.

ملادينوف صديق إسرائيل الكبير ممثلا للأمم المتحدة في العراق

مثل بلاسخارت، كان نيكولاي ملادينوف ايضاً وزيرا للدفاع في بلده (بلغاريا). وإن بحثت في قاعدة بيانات "أصدقاء إسرائيل الأوروبيين" عن اسم ملادينوف (Nickolay Mladenov) فستجده هناك.(4)

وقال في لقاء له مع شمعون بيريز: "نحن محظوظون أن الغالبية من اليهود البلغار تم انقاذهم من الهولوكوست، ليتمكنوا من بناء إسرائيل! هذا التاريخ يخلق رابطاً عاطفيا قويا، ويشعرنا بالمسؤولية عن تأمين سلامة إسرائيل ومستقبلها".. ومضى متملقاً بالحديث عن ان أوروبا لا تفهم إسرائيل كما يجب.(5)

وسبق للكاتب سعد السعيدي ان نبه في مقالة نشرها عام 2015 بعنوان "مبعوثو الأمم المتحدة في بغداد من اشد مناصري اسرائيل ؟" إلى العلاقات غير الاعتيادية بين كل من نيكولاي ملادينوف ويان كوبيتش (المبعوثين الذين سبقا بلاسخارت) بإسرائيل! (6)

وكتب السعيدي أن ملادينوف لم يخف يوماً تحيزه لإسرائيل، فقد أكد في تصريح ظاهر التطرف "بان اي عدوان على إسرائيل، هو عدوان على بلغاريا"(7). ولم يفوت اي فرصة او مناسبة دون تأكيد انحيازه الكامل لها، حتى عندما هاجمت قوات الكوماندوز الاسرائيلية سفينة "مرمرة" , إذ اعلن بان الكوماندوز لم يذهب بنية سيئة للسفينة التركية!"(8).

ولذلك كافأه الإسرائيليون بتولي ملف "منسق السلام للشرق الأوسط"، فيما وصفه عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كايد الغول، بـ "المعروف بتقاطعه الشديد مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وتبريره وتأييده لجرائمها ضد الشعب الفلسطيني" (9).

رئيس بعثة يونامي كوبيش – نقف مع إسرائيل ضد إيران

المبعوث الذي تلا ملادينوف هو السلوفاكي يان كوبيش، وهو لا يقل تعلقاً بإسرائيل عن سابقه ملادينوف. إذ نقلت الجيروزالم بوست عن كوبيش قوله "باننا لا نشعر بالحرج ان نقول للفلسطينيين أننا نفخر بان نعتبر أنفسنا أصدقاء لإسرائيل!". ويشير التقرير الى انه كان للخارجية السلوفاكية بقيادة كوبيش دور فعال في تمرير القرارات المعادية لإيران في مجلس الأمن. وانه "يشاطر اسرائيل في قلقها من إيران ويقف مع اسرائيل ضدها". كذلك قام بزيارة لمستوطنة سديروت ليعلن تضامنه مع سكانها بعد تعرضهم لصواريخ القسام(10).

ولنلاحظ هنا قبل الختام، ان احداً في العراق لم يعترض على تولي هؤلاء هذا المنصب المهم، ولم يطلب أحدا من الساسة من الأمم المتحدة ان تختار اشخاصاً يستطيع العراق التعامل بها بثقة أكبر. ولا أدرى هل ان السبب في ذلك هو الجهل الرهيب بكل شيء، ام هو الإحساس بالدونية امام كل شيء أجنبي، وقبول وابتلاع كل ما يقدم للعراق من سفراء وممثلي أمم متحدة وغيرهم.

وهكذا ترك هؤلاء يجوبون الساحة السياسية بدون أي إشكال، ولم يرفض أي من الأحزاب او الساسة مقابلتهم لتأريخهم المشين ومواقفهم المعادية، بل تم الترحيب بهم حتى لدى المرجعيات الدينية التي تضع لنفسها حدوداً تمنع الساسة العراقيين الفاسدين من مقابلتها.

بالتأكيد، لا يمكننا ان نتوقع من الكثير من الأوروبيين مواقف مبدئية شريفة من القضية العربية، لكننا يفترض بنا ان نطالب الأمم المتحدة بأن ترسل للعراق ممثلين لا يكون لهم تاريخ مقلق بالنسبة للعرب والعراق. فذلك ما تتطلبه الدبلوماسية وحسن العلاقة والثقة الضرورية للتعامل. ويفترض حرص الأمم المتحدة على ارسال الشخص المناسب للتفاهم مع العراقيين، وليس من يشتبه بأنه وضع تمرير الأجندة الإسرائيلية للعراق، هدفاً له!

ومثلما نقلق من هذا فإننا نقلق أكثر حين نرى التظاهرات تخصص حملة منسقة ترفع فيها الأعلام وتطالب هذه "الأمم المتحدة" بالتدخل في بلدها، لغرض حمايتها!

وما دمنا نتحدث عن اجندة إسرائيلية للعراق، فمن المثير للاهتمام أن أشهر من يدعو التظاهرات الى نبذ "السلمية" واللجوء الى السلاح، مثل "مهدي مجيد"، يعلن صراحة عن انتمائه الصهيوني، ويأخذ  الصور مع ادرعي. وقد انضم مؤخرا إلى هذه الجوقة الداعية لترك السلمية، الناشط الذي أعلن صراحة عن علاقته مع إسرائيل مؤخراً، غيث التميمي.

وبهذا تكتمل الحلقة: الجهات الأمنية العراقية التي اسستها اميركا ومازالت قياداتها مطيعة لها، تقوم بالقتل، وأصدقاء ادرعي يحفزون المتظاهرين على العنف، وقيادات التظاهرات تطلب من الأمم المتحدة و "المجتمع الدولي" التدخل، وإن اعترض أحد لخطورة هذا الأمر وتهديده لوجود البلد ككل، اشير الى الضحايا وضرورة حماية المتظاهرين! وتعود الجهات الأمنية المذكورة الى المزيد من القتل، وهكذا تغلق الحلقة. وكلما نشطت هذه الحلقات في عملها، كلما صار الاعتراض على تدخل "المجتمع الدولي" أكثر صعوبة، في لولب يتجه بالعراق نحو سيناريوهات سوريا وليبيا، إن تحقق ما يأمله هذا "المجتمع الدولي" ولواحقه.

 

 

 

(1)  Trump envoy blocks ex-Palestinian PM from UN job 'to support Israel'

https://www.theguardian.com/world/2017/feb/11/trump-envoy-blocks-ex-palestinian-pm-from-un-job-to-support-israel

 (2) Minister Hennis visits Israel

https://www.government.nl/latest/news/2014/05/19/minister-hennis-visits-israel

 (3)  تظاهرات تطلب تدخل المجتمع الدولي - خطوة حاسمة نحو ربيع عراقي مدمر - صائب خليل

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2890242701032780

 (4) European Friends of Israel - Powerbase

https://powerbase.info/index.php/European_Friends_of_Israel

 

(5) ‘EU doesn't understand what Israel is up against' - The Jerusalem Post

https://www.jpost.com/International/EU-doesnt-understand-what-Israel-is-up-against

 (6) مبعوثو الأمم المتحدة في بغداد من اشد مناصري اسرائيل ؟ سعد السعيدي

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=459538

 (7)- صديق إسرائيل المقرّب نيكولاي ملادينوف منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط

http://www.dampress.net/index.php?page=show_det&category_id=7&id=55138

 (8) نبض الحياة - لا لميلادينوف...

http://www.alhayat-j.com/newsite/details.php?opt=1&id=254233&cid=3555

 (9) "صديق إسرائيل الكبير" منسّقاً للسلام في الشرق الأوسط

http://www.alaraby.co.uk/politics/5480b7aa-9883-4457-b36e-fc30d59fb578

 (10)Slovakian FM to Post : We stand with Israel against Iran

http://www.jpost.com/Iranian-Threat/News/Slovakian-FM-to-Post-We-stand-with-Israel-against-Iran