إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فعليه ان يستعد لشباطات الأمريكان!

 

صائب خليل

 

 

الشعب الذي يتظاهر في شوارع المدن العراقية اليوم، مطالباً بفرص العمل ومحاربة الفساد واستخدام ثروة النفط لبناء البلد، لا يدري أن هذه المطالب بالذات هي التي دفعت وتدفع الإدارة الامريكية الى اسقاط من يحاول القيام بها، وتسليم البلاد الى "اصدقائها" من الفاسدين والقتلة!

في مثل هذا اليوم، من عام 1963، كان الحرس القومي، وبتوجيه امريكي، ومن ضمنهم الشاب عادل عبد المهدي، على الدبابات التي نفذت انقلاب 8 شباط على عبد الكريم قاسم، وأدخلت العراق في سلسلة الدماء والدموع التي لم تنته حتى الآن.

لماذا حدث ذلك، وماذا كان الانقلابيون يريدون؟ قبل اربعة أعوام كتب عادل عبد المهدي وكان وزيراً للنفط، يهاجم الزعيم قاسم، مؤكداً بأن "التغييرات التي حصلت في بنية الدولة العراقية منذ أواخر الخمسينات وبدايات الستينات خربت الكثير من البناءات التي حصلت سابقاً".

ما الذي خربته ثورة تموز؟ لو راجعنا ما حدث لوجدنا ان كل ما كان هناك كان عبد الكريم قاسم قد حاول استعادة بعض ثروة بلاده لتوجيهها للتنمية فقام باستعادة سلطة البلد على الأراضي التي كانت الشركات النفطية تحتجزها دون استثمار (إلا نصف في المئة فقط!) وفق عقود ظالمة، فأصدر القانون رقم 80، ونتج عن ذلك زيادة كبيرة جداً في مدخولات العراق من النفط، والتي استثمرها لبناء البلد، وتوفير فرص العمل ودعم الخدمات العامة من صحة وتعليم مجانيين وغيرها كثير.

إنها بالضبط المطالب التي يطالب بها كل شعب في العالم، وهي بالضبط المطالب التي تثير غضب الاستعمار والاحتلال ويسعى لإسقاطها.

ففي مقابلة للرئيس المخلوع ايفو موراليس، قال: "اننا لم نحاول الاستيلاء على ثروات الشعب الأمريكي. كلما أردناه هو استغلال ثرواتنا لصالح شعبنا، فما الذي اغضب الأمريكيين"؟

إن ما قاله موراليس هو بالضبط ما يغضب الأمريكيين في البيت الأبيض، في كل زمان، وما يردون عليه بانقلاب يشبه 8 شباط العراقية.

لماذا لم يحدث ذلك في دول الخليج العربي وأوربا؟ بشكل عام، لكل دولة وكل شعب خصوصيته وخصوصية في تعامل اميركا معه، اعتمادا على الدور الأنسب لها الذي تختاره له، في صراعها على السيطرة على العام. فقد يكون البعض "محظوظاً" بأن يسمح ما يتسرب له من ثروته الهائلة، بحياة رغيدة، أو حاجة اميركا له في صراعها ضد الشيوعية، لكنها وفي جميع الحالات فأنها لا تسمح له إلا بقدر من السلطة الحقيقية على بلاده وثرواتها. وفي معظم الحالات يكون قدر الشعوب الطامحة إلى "الحياة"، انقلابات "شباطية" دموية، كتلك التي كانت من حظ العراق عام 63.

فلو راجعنا أسباب اسقاط حكومة مصدق الديمقراطية في إيران لما وجدنا سوى انه حاول استغلال ثروة بلاده لخدمة شعبها، ولم تكن شيوعية ولا ارادت محاربة اميركا. رغم ذلك كان على مصدق ان يذهب في "8 شباط إيرانية" أخرى.

ولم يكن كاسترو شيوعياً أيضا في بداية حكمه، بل كان الشيوعيون في سجون كوبا عندما ذهب لزيارة اميركا لطلب العون لبناء بلاده، ولم يكن يريد أي شيء غير ذلك، لكن الرئيس جونسون وصفه بغضب بعد الزيارة بأنه حتى لو لم يكن شيوعياً، فهو يتكلم كالشيوعيين! فكل من يريد ثروة بلاده لشعبه شيوعي في نظر الأمريكان.

لم تنجح "8 شباط الكوبية" والمسماة غزو خليج الخنازير في إزاحة كاسترو ولا الآلاف من المؤامرات على حياته وثورته بعد ذلك، فكان من المحظوظين نسبيا.

الأمر ذاته حدث في نيكاراغوا مع الساندينيستا، فسلطت عليهم نسخة أخرى من "8 شباط" بقيادة "سوموزا، وكان له أيضا مثل البعث، "حرس قومي"!

وكذلك مع فنزويلا، ولم تكن قد وقفت بالضد من اميركا، لكن شافيز حاول استعادة بعض الثروات من الشركات المهيمنة بشكل مريع على النفط لخدمة شعبه وخاصة الأصليين. بل ان شافيز قبل محاولة الانقلاب الأمريكي عليه كان يتعامل بـ "الرقة" مع المصالح الأمريكية وبقي حتى اغتياله بالسرطان محافظاً على قواعد الديمقراطية رغم ما كلفته إياه، دون ان يشفع ذلك له، ولا لخلفه الذي مازال حتى اليوم يصارع المؤامرات الامريكية لإعادة سلطة الشركات على النفط وثروته كما كانت.

والندي في شيلي لم يرد أي شيء غير توزيع ثروات بلاده بشكل أفضل على شعبه، فصرخ المعتوه نيكسون: "اريد ان اسمع الاقتصاد الشيلي يصرخ من الألم"!

كذلك كان هذا مصير الرئيس الاندونيسي أحمد سوكارنو، فأسقط في انقلاب دموي كان نسخة طبق الأصل من انقلاب 8 شباط 63، في العراق، ولنفس الأسباب وبنفس النتائج تقريبا.

أما إيفو موراليس البوليفي، فقد كان يطمح ان ينال شعبه المتأخر بعض الفائدة من عنصر الليثيوم المهم لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، ولم تكن الشركات الامريكية لتمنحه تلك الفرصة، فلجأ الى غيرها، فكان مصيره "8 شباط" من نوع آخر، مخفف!

إذن فالمشكلة ليست في "معاداة اميركا" كما يصور البعض المتحمس للارتماء في احضانها لتحوله الى "يابان" أو "المانيا"، بل مجرد ابداء اية محاولة لاستعادة حتى جزء من ثروة بلادك، كافية لاعتبارك عدو لأميركا، واي محاولة استرضاء من جانبك لن تكون في صالحك، بل ستستخدم دائما ضدك ولأجل اسقاطك، واسقاط بلادك في هاوية الفقر.

خلاصة الأمر، ان على الشعب ان يقرر: أما ان يقبل بالتخلي عن ثروته ويسمح للفاسدين الذين تختارهم اميركا لحكمه، أو ان يستعد لمواجهة احتمال 8 شباط دموي عليه وعلى من يتصدى من أبنائه لاستعادة السيادة على ثروته ومستقبله، وأن يكون جاهزاً لردها!

ما الذي فعله العراق وثورته وعبد الكريم ليستحق ذلك المصير؟ بم تختلف عن مطالب الشعب اليوم؟

قام عبد الكريم بإصلاحات كثيرة خلال سني حكمه القصيرة على المستوى الاجتماعي والاقتصاد، فوضع الأسس لصناعة وطنية متطورة، تطورت في فترة النمو في السبعينات وتركت اثراً كبيرا على التعليم والتقدم التقني في العراق، ومنها:

أ - انشاء وزارة النفط وبناء الكادر الفني النفطي، الذي مكن العراق من تأميم نفطه لاحقا.

ب - تأسيس منظمة البلدان المصدرة للبترول اوبك، في بغداد لتصبح اهم المنظمات البترولية في العالم. وقد غير هذا المستقبل الكلي للعراق وأطلق بذرة ثورة الصناعة فيه.

واجتماعياً، تم تحجيم العلاقات الإقطاعية، وإلغاء قانون حكم العشائر سنه الإنكليز ليخوِّل شيوخ الإقطاع بحسم القضايا الجزائية في مناطقهم، والتي تشمل معظم مساحة العراق. وأعطى قانون الأحوال الشخصية، مساحة أكبر لحقوق المرأة العراقية كإنسان، كما لم يسبق في العراق، مثل مساواتها بالرجل في الميراث، وشهادتها في المحاكم وغيرها.

وبنت الثورة الكثير من المدارس فبلغ عدد الطلبة ضعف ما كان عليه سابقا. وتم إرسال آلاف الطلبة للدراسة في الخارج مما أسهم في بناء القاعدة العلمية والصناعية وخاصة في مجال النفط.

اعتمدت عملة وطنية مستقلة بدلا من ربطها بالإسترليني، والتخلص من استنفاذ قيمتها.

وبفضل حريتها في التعاقد مع الاتحاد السوفيتي، تم مد خط السكك العريض بغداد- بصرة.، وبناء معمل الزجاج في الرمادي، ومعمل الأدوية في سامراء، ومعمل الجلود في الكوفة، ومعمل التعليب والألبان في كربلاء، ومعمل الورق في البصرة ومعامل السمنت وغيرها، والتي مازالت حتى اليوم اهم ما بني في العراق من مصانع. هذا إضافة الى بناء ميناء أم قصر، والميناء العميق لتصدير النفط، وقام ببناء المساكن لسكان "الصرايف" التي كانت تحيط ببغداد. هذا كله وأكثر، في أربعة سنوات ونصف فقط!

هل هي إلا المطالب التي يطلبها الناس في تظاهراتهم وفي سعيهم للاستقلال وابعاد البساطيل الامريكية عن بلادهم؟ لقد كانت ثورة اجتماعية لو قدر لها أن تستمر لكان العراق اليوم من الدول المتقدمة. لكن شعب العراق تعرض، مثل غيره ممن "أراد الحياة" الى الانقلاب سلم السلطة فيه الى البعث، وتتالت الأحداث الدامية، والتي تهدف الى ايصالها إلى الدمار الكافي لكي يتحرك "القاتل الاقتصادي" الذي كتب جون بيركنزعنه، من خلال إيقاع البلاد في براثن الفشل الاقتصادي والديون، وإجبارها في النهاية على بيع نفطها واسقاط شعبها في الفقر إلى الأبد.