يبقى الحال على ما هو عليه

سعد ناجي جواد

 

 

الان وقد انتهت بالفشل الكبير عملية تشكيل وزارة جديدة وعلى أسس مغايرة، كما صرح الشخص المكلف السيد محمد توفيق علاوي، وسط تشكيكات كثيرة من أوساط عديدة، وامال حذرة من أوساط اخرى، كانت النتيجة ان بقي الحال على ماهو عليه، وعلى المتضرر الوحيد، الشعب العراقي، ان يلجأ الى خالقه لكي يجد له مخرجا مما أوصل الاحتلال بلادهم اليه منذ عام 2003 ولحد الان.

خاصة وأنه لا يوجد على المسرح السياسي من يستطيع ان يخرج العراق من الحال التي هو عليها من سياسة محاصصة وتشرذم وفساد وتغليب المصالح الشخصية والعائلية والخارجية والميليشياوية على مصلحة الوطن. ان كل من ينظر الى ماحدث في الأشهر القليلة الماضية، والمؤشرات السلبية التي أفرزتها لا بد وان يصل إلى هذه النظرة السوداوية. ومع ذلك تبقى هناك إشارات قليلة جدا ربما تدلل على وجود بذور إيجابية يمكن أن تزهو وتزدهر اذا ما احسن من يشرف عليها رعايتها.

اذا ما بدانا بالمؤشرات السلبية فان اول مؤشر سيكون استخفاف الطبقة الحاكمة بالدستور (مع كل جوانبه السيئة) وعدم احترام بنوده على الرغم من تبجحهم الزائف به. فاستنادا للدستور على رئيس الجمهورية ان يتولى كل صلاحيات رئيس الوزراء في حالة استقالته، او خلو منصبه، لمدة 15 يوما يقوم خلالها بتكليف مرشحا اخر لتشكيل وزارة جديدة خلال 30 يوما. وهذا لم يحدث، حيث استمر رئيس الوزراء (الذي اجبره شباب الانتفاضة على الاستقالة) في منصبه لأكثر من شهرين (لتصريف الأعمال). ولم تعترض أية كتلة في البرلمان على هذه الحالة، بل رحبت بها، لسبب بسيط ان اعتراضهم كان يجب ان يقود إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة وهذا ما لا يريدونه بالتأكيد. وتكررت الخروقات للمواعيد الدستورية في مسالة البحث عن بديل وتحديد مواصفاته.

الحالة المحبطة الاخرى تمثلت في استمرار الأحزاب والأشخاص الذين سلطهم الاحتلال الامريكي، ومن بعده النفوذ الإيراني الواسع، النظر لأنفسهم بانهم وحدهم من يمتلكون الحق في الحكم رغم فشلهم وإخفاقهم وسياساتهم المدمرة، والعمل وفق سياسة ان لا يحق لغيرهم مهما امتلك من نزاهة وكفاءة وقدرات ادارية وتاريخ مشرف ان ينازعهم على ذلك. وهذه النظرة والنظرية هي التي زرعها الاحتلال فيهم وفي كل القوانين التي اصدرها بعد الاحتلال. وهكذا ظلت عملية تدوير الوجوه الفاسدة والفاشلة والطائفية والعنصرية، وبدعم مستمر من برلمانات المحاصصة الطائفية والعرقية المتعددة منذ عام 2005، ومن أطراف خارجية وبدون محاسبة. وكيف يمكن لبرلمانيين من هذا النوع، والذين وصل غالبيتهم بالتزوير او بترشيح قوائمهم حتى وان حصلوا على عشرات الأصوات، ان يحاسبوا فاسدا او فاشلا من نمطهم او من كتلهم؟

الحالة المؤلمة الثالثة تمثلت في الطريقة التي أُفشِلَت فيها تجربة السيد علاوي الأخيرة، ليس لان تجربته كانت مثالية وتبشر بكل الخير، ولكن بسبب محاولته إختيار اسماء بعيدة عن ترشيحات الأحزاب والكتل السياسية المتنفذة. هناك من قال ان هذه التجربة كان يجب ان تفشل لانها تمثل استمرارية للنهج السابق في اختيار الوزراء وتشكيل الحكومات، وهذا الاتهام ربما يكون قاسيا لان السيد المكلف، وهذا ليس دفاعًا عنه وإنما إقرارا لحقيقة، حاول ان ينهج نهجا اخر في التشكيلة التي اختارها، ورفض اسماء حاولت بعض الكتل ان تفرضها عليه. نعم لقد احتوت التشكيلة التي اعلنها اشخاصا اثيرت حولهم ملاحظات كثيرة، لكن الأكيد ايضا انه لم يوافق على قبول تسمية وزراء من كتل سياسية متنفذة. وهذا ما يحسب له. وما يحسب له ايضا انه لم يتمسك بالترشح وسارع الى تقديم اعتذاره بعد ان وجد ان الطرق قد سدت في وجهه. هناك من سرب ان السيد علاوي حاول في اللحظات الأخيرة ان يرضخ للكتلة الكردية ويمنحها وزارة المالية التي اصرت عليها، الا انه تمسك برأيه في ان يكون المرشح لها من قبل الكتلة مستقلا، ولكن طلبه رفض ولم يقدم الا اسم الوزير الحالي، والذي ظل هو مصرًا على رفضه. كما يمكن القول ان الدعم الذي حصل عليه المكلف من جهة معينة قد اوقعه في مأزق لم يستطع ان يخرج منه. الامر الذي يؤخذ عليه انه اكثر من ترشيحات الخارج وهو الذي يعلم جيدا ان ساحات التظاهر كانت معترضة حتى على اسمه لهذا السبب، على اساس انه يمثل وجوه الخارج وليس الداخل، ومع ذلك سكت المتظاهرون على أمل ان يأتي بتشكيلة مستقلة بالكامل الا انه لم يوفق.

ما يدعو عامة العراقيين للقلق اكثر واليأس مما جرى ويجري، وربما يكون هذا الامر اخطر ما افرزته الحالة الأخيرة، هو المجاهرة العلنية والإصرار على التمسك بالأسلوب المحاصصاتي في توزيع المناصب، رغم كل ما مر ويمر به العراق. علمًا بان المجاهرة بالأسباب الحقيقية لرفض التصويت على الحكومة المقترحة لم تكن واضحة، وكل فريق معترض غَلَّفَ اعتراضه بأسباب اخرى معتقدا انها ستشكل سببًا مقنعًا، مثل عدم استشارتهم من الشخص المكلف بشأن الاسماء المقترحة وعدم احترام نسبتهم ومكانتهم في مجلس النواب، التي بالمناسبة جاءت نتيجة التزوير الكبير الذي شهدتها الانتخابات الأخيرة (2018)، الى غير ذلك من الأسباب غير الحقيقية. الحقيقة الواضحة والصارخة كانت تتمثل في اصرار الكتل على تسمية وزراء من كتلهم للوزارات (الدسمة) التي يدعون انها أصبحت خاصة بمكونهم او حزبهم. فاحد الأطراف طالب السيد المكلف بوزارتي التجارة والكهرباء او الزراعة ، وطرف آخر طالب بوزارتي المالية والنفط او التجارة، وآخر طالب بوزارة الدفاع ورابع بوزارة والداخلية وهكذا. لا بل وصل الامر برئيس كتلة ان يخبر رئيس الوزراء المكلف وبصورة صريحة، ان حرمان كتلته من الوزارة التي يطلبها يعني انه سوف لن يكون بمقدور حزبه او كيانه ان يمول نشاطه واستمراريته في العمل السياسي!!! وكانما الوزارة هي اداة تمويل له ولحزبه. الشيء المؤسف ان السيد علاوي لم يخرج في الإعلام ويسمي الأشياء بمسمياتها ويفضح كل هذه الأمور للناس وبالاسماء. وهذا ما شجع من افسد مشروعه ان يتكلموا بصوت عال ويُلبِسوا افعالهم لبوسا وطنية ومبدائية، وأصبح صوت داعمي الفساد والفاسدين اعلى من صوته.

الحالة المقلقة الاخرى التي أفرزتها التجربة الأخيرة ان الحديث عن المحاصصة والاستحقاقات قد تجاوز الحدود ووصل الى حد الإصرار على فرض اسماء معينة والتمسك بوزارات معينة، بكلمة اخرى ان من يدعي تمثيل مكون لم يعد يرضيه ان يكون المنصب ممثلا باشخاص مستقلين من نفس المكون وإنما اصبح هدفه هو ان يكون هو بنفسه من يختار الاسماء لتلك المناصب، وعكس ذلك فانه لن يسمح بتمرير الوزارة. وياليت كان من يقع الاختبار عليهم بهذه الطريقة هم من الشخصيات العراقية الوطنية النزيهة والكفوءة. بل ظل التركيز على اختيار الفاسدين والمفسدين مستمرا من قبل قادة الكتل.

أما في الحالات الإيجابية فيمكن رصد حالتين. الاولى هي استمرار الانتفاضة الشعبية وإصرارها على فضح الأساليب المرفوضة التي أوصلت الفاسدين وسراق المال العام الى المناصب الوزارية. والأهم هو رفض المتظاهرين لمحاولات بعض الجهات لركوب التظاهرات واستخدامها لمصالحهم. اما الحالة الثانية فتتمثل في المذكرة التي نشرتها 13 نقابة واتحاد مهني لغرض توضيح الموقف الشعبي العراقي من مسالة تشكيل الوزارة الجديدة. ومن يقارن ما جاء في المذكرة من اعتراضات موضوعية وجماهيرية وتهم مستقبل العراق يستطيع ان يفرق بينها وبين الأسباب المصلحية الضيقة التي طرحتها الأحزاب والتكتلات المشتركة في العملية السياسية. المذكرة تحدثت مثلًا عن رفض الترشيحات القادمة من الخارج، ورفض تسمية وزراء عليهم شبهات فساد او فشل سابق، ورفض ترشيح وزراء لا يعلمون شيئا عن الوزارات التي رشحوا لها، وأخيرا اعترضوا على رئيس الوزراء المكلف بانه لم ياخذ بالترشيحات التي رفعتها اليه منظمات المجتمع المدني من الشخصيات الوطنية والنزيهة والكفوءة والتي وصلت اليه بالأكيد. كما انهم اعترضوا على برنامجه الوزاري الذي قالوا عنه انه كان غير واضحا. هذه الاعتراضات التي نبعت من روح وطنية مسؤولة لا يمكن ان تقارن بالاعتراضات التي يراد منها محاصرة اي رئيس مكلف في زاوية صغيرة لكي يرضخ لمطالب تمثل مصالح جهات مستفيدة فقط. ربما اذا تمكنت ونجحت هذه النقابات التنسيق مع شباب وتنسيقات الانتفاضة فبالتأكيد سوف يكون هناك مشروع وطني جديد يحمل بصيص أمل في اجراء إصلاح حقيقي.

وتبقى هناك كلمة اخيرة تهم السيد رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح. لقد اصبح واضحا بعد ما جرى مؤخرا، بل وحتى قبل ذلك، ان قسما مهما من مواقف الأحزاب الكردية وتعنتها كان موجها ضده شخصيا ولغرض افشال مهامه وقيامه بواجبه، ومن جملة ذلك رفض مرشحيه حتى وان كانوا من الكوادر المؤهلة. وانه كان مقصودًا بصورة مباشرة ببعض التصريحات التي تحدثت عن هدف عدم السماح بتمرير وزارة شبه او عُشُر مستقلة، حتى لا يُسَجل هذا النجاح له. لهذه الأسباب يقول عدد غير قليل من العراقيين انه آن الأوان ان يلبس السيد برهم صالح الثوب العراقي الأوسع وان يفتخر به، وينزع عنه اي ملبس ضيق قد يقيد او حتى يشل حركته. وان عليه ان يتذكر ان من اختاره رئيسا لدولة بحجم واسم ومكانة العراق، وليس لحزب صغير، هم العراقيون ومن دعم مواقفه في مسالة الثبات على مسالة استبدال رئيس الوزراء السابق هم العراقيون، وان من رحب بالأشخاص الاكفاء الذين رشحهم للوزارة الأخيرة هم العراقيون. وأخيرا عليه ان يتذكر ان اسمه قد كبر وموقعه قد علا باسم العراق وليس بالمسميات الأصغر، مع كل الاحترام للخصوصيات والانتماءات الفرعية. وان التمسك الحقيقي بالعراق والعراقيين هو من سيخلده في التاريخ وليس العكس .

الا هل بلّغت اللهم فاشهد