الرئيس الأمريكي والكتب

 

عبد الحسين شعبان

 

 

من حق أي إعلامي أن يحلم باللقاء برئيس أو زعيم أو قائد وإجراء حوار معه، فما بالك إذا كان ذلك هو رئيس " أعظم " دولة في العالم بما تمتلكه من ثروات وموارد وكفاءات وعلوم وتكنولوجيا وفنون وآداب وثقافة وعمران. سيكون الإعلامي سعيداً بالطبع، خصوصاً إذا كان الرئيس أصلاً يضع اللغة الدبلوماسية جانباً ويتحدّث دون تحفظات، بل يقول ما يخطر على باله ويتّخذ مواقفه خارج السياق والمألوف أحياناً.

          إن فرصة هذا الإعلامي ستكون ذهبية، ومثل هذا الرئيس سيكون مطلوباً ومرغوباً من الإعلاميين حتى وإن عاداهم واتخذ مواقف ضدهم، لأنه هو ذاته مادة إعلامية مشوّقة ومثيرة، وهكذا غدا الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب نجماً من نجوم البرامج الحوارية، متصدّراً الإعلام والصحافة،  بل وأخذ يدخل عالم الكتب ويتصدّر رفوف المكتبات حتى وإنْ لم يقل شيئاً يُذكر، لأنه سيعطي للإعلامي والكاتب ما يريد وما يمكن تفسيره وتأويله، خصوصاً حين يكون خطابه غريباً وفاقعاً. وهو ما يريده محاوره من الرئيس الذي يتمنى أن تنفك عقدة لسانه وتتحرّك قسمات وجهه  انفعالاً غضباً أو فرحاً  وأن ينفعل بما يُظهر ما يُبطن، فذلك بالنسبة له هو "الصيد السمين".

          وإذا كان ترامب أكثر المحفّزين على القراءة إلّا أنه لا يقرأ كثيراً وقد ورد في أحد التقارير الإعلامية أنه لا يستطيع إكمال بضعة صفحات من كتاب ويكتفي أحياناً بالعناوين وبضعة أسطر، لكنه في الوقت نفسه أكثر مروّج وجاذب  يدفع عدداً من القرّاء على القراءة واقتناء الكتب، خصوصاً تلك التي تتعلّق به وبسيرته وخفاياه ومفاجآته في البيت الأبيض وخارجه، وفي الرئاسة وما قبلها وكل ما يتعلق بتصرفات صهره جاريد كوشنير وابنته إيفانكا وزوجته  ميلانيا التي تبدو أكثر رصانة وغموضاً.

          وقد صدرت منذ مطلع العام الجاري بضعة كتب مهمة تتعلق به وبشخصه ومشاحناته وملابساته وما يتعلق بصراعاته، تلك التي تندرج في إطار مفتوح بين الاتهام وردّه وبين الحقيقة والأكاذيب وبين الواقع والافتراء.

          وقد تصدّر كتاب " الروليت الروسي" لمؤلفيه ايسكوف وديفيد كورن موقعاً مهماً ومتقدماً في قائمة  الكتب التي صدرت منذ مطلع العام الجاري، وذلك بعد كتاب " النار والغضب" لمؤلفه مايكل وولف الذي يعتبر الأول حتى الآن في قائمة الكتب التي صدرت في مطلع العام 2018 (يناير) ، خصوصاً وأنه كتاب مثير تناول معلومات لم تكن معروفة عن البيت الأبيض وحياة الرئيس ترامب من قبل صحفي أقام أسابيع بالقرب منه، وأجرى حوارات مباشرة وغير مباشرة معه، وذلك بعد كتاب سيرة ليوناردو دافنتشي لمؤلفه والترس اكسون الذي ألف السيرة الذاتية لستيف جونز.

          كتاب "الروليت الروسي" يحمل عنواناً فرعياً هو " القصة من الداخل لحرب بوتين على أمريكا وانتخاب دونالد ترامب"، ولكن منافساً مهماً لهذا الكتاب أزاحه من الواجهة لحساب كتاب جديد لمؤلفه جنيفر بالميري مديرة الاتصالات السابقة في حملة هيلاري كلينتون الانتخابية والتي تناولت فيه هزيمة المرشحة الديمقراطية أمام ترامب، والكتاب بعنوان "سيدتي الرئيسة - رسالة مفتوحة من النساء اللواتي سيدرن العالم"، ثم صدر كتاب "تسونامي" لمؤلفه جيمس كومي James Comey المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الذي أقاله ترامب من منصبه العام 2017 وهو بعنوان:" ولاء أكبر : الحقيقة والأكاذيب والزعامة"A Higher Loyalty Truth, Laies and Leadership .

          ويشبّه المؤلف الرئيس ترامب بزعماء المافيا، وردّ عليه الرئيس بتغريدات غاضبة وصفته بـ "الكاذب" و "المخادع" المفتقر للذكاء، كما اتهّمه فيها  بتسريب معلومات تقتضي ملاحقته باعتباره مديراً لمكتب التحقيقات الفيدرالي الـ FBI ، في حين يصف كومي رئيسه بأنه "غير أخلاقي" و"مهووس" بالسيطرة الكاملة على من حوله وبالحصول على ولائهم المطلق.

          ويذكر كومي إن تعامله مع ترامب ذكّره ببدايات عمله عندما كان يجري تحقيقات مع زعماء المافيا في نيويورك، فهم: "أعضاء صامتون يؤيدون زعيم يفعل ما يروق له ويعتبرون الجميع أعداء لهم ويمارسون أكاذيب صغيرة وكبيرة لا حصر لها  في خدمة قواعد ولاء تضع المنظمة فوق الأخلاقيات والحقيقة".

          ومن استنتاجات كتاب كومي إن الرئيس الـ 45 للولايات المتحدة "منفصل عن الحقيقة وعن القيم" التي تستند إليها المؤسسات الأمريكية، ويضيف أن زعامته ترتكز على الغرور والولاء له.

          ووصفت جنيفر بالميري هذا الكتاب بشيء من الدعابة حين قالت : أنها ممتنّة لحصولها على أسبوعين في الصدارة قبل أن يأتي مرّة أخرى ليحطّم أحلامها، وذلك في إشارة إلى إعلان جيمس كومي قبل 11 يوماً فتح التحقيق حول "البريد الاليكتروني" لهيلاري كلينتون، وهو الإعلان الذي ساهم حسب الكثير من المحلّلين في هزيمة مدام كلينتون وفوز ترامب للرئاسة.

          ومثلما بِيعَ من كتاب "النار والغضب" نحو مليوني نسخة حسب الـ CNN، فإن كتاب كومي، طبع منه 850 ألف نسخة، حسب ناشر الكتاب ماكيلان، وهذه ربما دفعة أولى، لأن ترامب وسيرته تستهوي القرّاء، فما بالك إذا كتب مذكراته غداً؟.