دروز أم عرب؟

 

عبد ل. عزب

 

 

          المسلمون يستخدمون مفهوم الجاهلية لوصف حياة العرب قبل الاسلام. وكأن كل الحكمة جاءت معه. لا يوجد مفهوم مضلل اكثر من ذلك، والدليل هو أنه لا يوجد أي مسلم لا يقتبس اقوال الحكمة والشعر التي كانت في ذلك العصر. في بداية الحرب التي تطرق اليها في السابق، توجه الفريقان المتخاصمان الى أحد الزعماء الذي قرر الحفاظ على الحياد، والذي كان اسمه الحارث بن عبادة، من اجل الانضمام اليهما. جوابه كان: هذه الحرب ليس لي فيها ناقة ولا جمل.

          هذا كان شعوري في بداية مهزلة قانون القومية، فيما يتعلق بمكانة الدروز. السيل الكبير من المقالات والاحتجاجات- بعضها كان مؤثر جدا من جانب الدروز انفسهم، ولكن ايضا من جانب آخرين كثيرين التي تضمنت تقريبا كل رأي، والسعادة من معاناة الدروز من جانب مواطني اسرائيل العرب وحتى تصريحات غير نادرة مثل تصريح رئيس مجلس دالية الكرمل، الصحفي رفيق حلبي، الذي طلب الغاء القانون وعدم الاكتفاء بتعديله لصالح الدروز. داخل هذه العاصفة فكرت بـ "لا ناقة لي ولا جمل"، وحتى أنني كتبت ذلك على صفحة صديق درزي لي في الفيس بوك.

          هم يخدمون في الجيش ويتجندون لحرس الحدود بنسبة عالية، ولا حاجة لزيادة الحديث من اجل وصف عنف هذه الوحدات تجاه الفلسطينيين في المناطق. وايضا تجاه العرب مواطني اسرائيل. أنا شخصيا مررت بهذه التجربة غير اللطيفة والتي وصلت الى مستوى الاهانة من جانب مقاتلي هذه الوحدة، عندما كان من الواضح أنه مجرد تنكيل من اجل التنكيل.

          يجب عدم نسيان أن هوية معاون الطائفة الدرزية تتضمن التصريحات الخطيرة لايوب قره، الذي دوره في اشعال احداث تشرين الاول 2000 لا يغتفر. ولكن ايضا بدون ذلك، يكفي الاصغاء الى اقوال رؤساء "الحركة الدرزية الصهيونية" من اجل فهم أنه في اوساط هذه الطائفة يوجد من اجتازوا نقطة اللاعودة في عدائهم للعرب في اسرائيل بشكل خاص وفي العالم بشكل عام.

          ايضا في مستويات اخرى، التي كما يبدو أقل دراماتيكية، الاغلبية في اوساط الطائفة تبنت بمحبة سياسة الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل، التي جوهرها "فرق تسد". الدروز اقاموا لانفسهم منتدى رؤساء مجالس محلية منفصل عن مجلس السلطات العربية في البلاد. هم ليسوا اعضاء في لجنة المتابعة العليا للوسط العربي ولا يشاركون في مناسباته ونشاطاته. الفروق العقائدية والدينية بينهم وبين اقليات اخرى، التي جزء منها حسب رأيي المتواضع هامشي عندما يدور الحديث عن المسلمين، تم تعظيمها بصورة مصطنعة سواء من قبل الصهيونية أو الدروز انفسهم الى درجة تحويلهم الى اقلية قومية لغتهم الأم هي اللغة العربية. وفي قريتي عسفيا ودالية الكرمل يتحدثون العربية بلفظ عربي طليق افضل من كل المتحدثين بالعربية في العالم لأن هاتين القريتين هما الوحيدتان في العالم اللتان يلفظون فيها بصورة صحيحة كل حروف العربية. لشديد الأسف والحزن وافقوا (وربما ارادوا) على التقدم لامتحان البغروت بـ "العربية الدرزية".

          يجدر بكل اليساريين الذين يبكون الآن بمرارة على فقدان مكانة العربية كلغة رسمية ثانية مكانة كانت فعليا على الورق فقط يتذكرون أن المس باللغة العربية لم يبدأ في فترة بنيامين نتنياهو، بل في فترة حكم حركة العمل التي تطرح نفسها الآن بصورة كاذبة وكأنها الدرع والملجأ للاقليات. هذه هي حركة العمل التي فعلت كل شيء من اجل الفصل بين الدروز والعرب. والآن أحد رؤسائها في السابق، عوزي برعام، يشن حملة ضد قانون القومية، وبصورة متناقضة يستخف بالذين يعتقدون أن الدروز يتكلمون الدرزية وليس العربية. عجيبة هي طرق السياسيين.

          حقيقة أن الشعراء الدروز والمغنين والمفكرين، جميعهم يعبرون عن انفسهم بعربية أدبية رصينة، تشبه المستخدمة في كل العالم العربي، لن تقلق زعماء الطائفة بخصوص انفصالهم عن، واحيانا كراهيتهم للعرب. هذا التناقض يأخذ وجه دراماتيكي وحزين اكثر في كل ما يتعلق بعلاقات الدروز في اسرائيل مع أبناء طائفتهم في الدول المجاورة. فهم يعتبرون أنفسهم عرب حقيقيين من ناحية قومية، والدروز في البلاد يشعرون بمعاناة "اخوانهم"، كما ثبت بعد المذبحة الفظيعة التي نفذها داعش في السويداء في سوريا قبل اسبوع ونصف.

          هذه هي النقطة الاساسية التي جعلتني، مع اعادة التفكير، أعترف بأن لي هنا ايضا ناقة وجمل ايضا. وحتى لو وضعنا للحظة جانبا العلاقة الشخصية مع دروز كثيرين فان هذه الافكار جعلتني اعترف بأنهم في الحقيقة اخواني.