اللامجتمعية ؟

 

عبدالامير الركابي

 

توشك البشرية على الانتقال الى "اللامجتمعية/ التحولية"، ان مثل هذا الانتقال الكوني الاستثنائي، له بؤرة تحقق، ومركز، هو ارض مابين النهرين. هنا بالاصل نشأت الصيغة الاولى المطابقة لغرض، او هدف "التحولية" المسبوقة باللامجتمعية، متمثلة ب"المجتمعية الازدواجية"، حيث تعايش وتصارع نمطان، مجتمع لادولة، ومجتمع دولة تمايزية قاهرة، يتكرران، ويختفيان بحسب الدورات والانقطاعات، الملازمة لتاريخ هذا النوع، او النمط من انماط الكيانية المجتمعية الفريدة على مستوى المعمورة.

هذا الاعلان يوافق اليوم، حالة تازم وانغلاق استثنائية، تشمل العالم، وتتركز في العراق، المتجه بحسب الياته منذ مايزيد على نصف قرن، نحو مايتعدى المجتمعية اللامجتمعية العراقية، الى اللا مجتمعية التحولية، لقد كان العراق دائما، من حيث الفعل، والمواجهة المقررة من الشروط الحياية الانتاجية، موضع المنجز المتعدي للمنجز التراكمي بذاته، حيث الاشياء تنتج بصفتها عتبة لمابعدها، ومن نوعها، الامر الذي اوجبته عمليا، حالة العيش على حافة الفناء، كما هي مصممة كشروط حياتيه انتاجية ومكانية، في ارض السواد.

تقوم المجتمعية الاحادية، وتترسخ كمفهوم، على واقعة الانتاجية، والتجمع، حيث الامتياز النوعي المفرق عن ماقبل انتاج الغذاء ( اللقاط والصيد)، ويكتمل مع التمايز والدوله، الحالة الاكثر نموذجية عن مثل هذا الشكل الغالب، من المجتمعية، نجده مجسدا في وادي النيل في مصر، حيث اتساق الانتاجية، والتجمع، والدولة الناظمه المهيمنه على المجتمع، وليس ذلك سوى نمط احادي ادنى من انماط الوجود المجتمعي الانتاجي، بالمقارنة بحالة انتاجية تصادمية مع البيئه، ومع جوهر اليات التجمع، حيث النهرين لا النهر الواحد، وحيث مصدر الحياة مصمم وكانه قائم على محو الحياة، او جعلها مستحيله، فالنهران يفيضان عكس الدورة الزراعية، وهما اكثر نهرين وجدا على الارض تدميرا للمنجز البشري، هذا اذا لم يحتسب بالاضافة لذلك، اثر دوائر مجافية مدمرة داخليا، تتاتى من الدولة القاهرة، التي تقوم داخل دول محصنه اشد تحصين، ومعسكرة من داخلها، تمارس سلطتها المنتقصة دائما من مضادها " مجتمع اللادولة"، وحلب الريع بالغزو ، بينما هي تنظر خلفها، نحو دائر الغزو الابعد، والاوسع مدى، والممتدة على قوس الحدود، الشرقي، والشمالي، والغربي، حيث ينفتح مصب الهجرات البشريه من الجبال الجرداء، والصحاري، نحو بؤرة الخصب الرافدينية، مايحول الحياة والتجمع، وعملية الانتاج في هذا المكان، الى "مابعد انتاجية" و" "ماوراء ارضية" ولا ارضوية، اي مع غلبة جموح التحقق الكوني السماوي.

ليست كل عملية انتقال من اللقاط والصيد، الى انتاج الغذاء،عملية مجتمعية،واحدة او متماثلة، كما هو مكرس في العلوم المجتمعية، والتدقيق في المقدمات المجتمعية، وانماطها، يدل على ان المجتمعية موزعة على ثلاث اشكال مجتمعية :

1 ـ مجتمع مزدوج، عملية الانتاج فيه، مافوق، او ماوراء انتاجية، مصممة على اسس لامجتمعية، ولاثباتية وتبديدية لاتراكمية ( ننصح بالنظر لمقبرة المدن الممتدة على طول ارض السواد من بفداد للبصرة على امتداد قرابة سبعة الاف عام ومعها المنجر الاعظم النائم في " اليشن" تحت التراب، بينما يتباهى الاوربيون بالاعمدة، والتماثيل، والمصريون بالاهرامات والمومياءات"، ونموذج هذا الصنف، او النمط المجتمعي، وجد في موضع واحد على مستوى المعمورة، في ارض مابين النهرين، وحكمته قوانينه المتضمنه في بنيته وكينونته، خارج الصيغة الاجمالية، لما ظل يعتبر النموذج الاوحد.

2 ـ مجتمعات احادية انتاجوية، تجمعية تراكميه، نموذجها الكلاسيكي المواكب، والمقارب زمنيا للرافيديني الاول، هو مجتمع احادية الدولة المصري، السكوني، من حيث الديناميات الداخلية، الاجتراري، المفتقر لديناميات التصادمية والانشطار الداخلي، على خلاف الشكل الارقى، من اشكال مجتمعات الانتاجوية الاحادية، كما الحال على الطرف الغربي من المتوسط، حيث مجتمعات الدينامية الاعلى، المتولدة عن الانشطار الافقي الطبقي، والصراع الداخلي، الدافع نحو اقصى ممكنات هذا النمط من المجتمعية الانتاجوية.

3 ـ النمط الاخير، هو نمط مجتمعات "اللادولة"، كما الحال في المايا والازتيك، في امريكا الجنوبية، او في امريكاالشمالية، قبل الغزو الاوربي الاستيطاني الابادي، كما في اوستراليا، وبعض افريقا، واجزاء من اسيا، وهذا النمط له امتداد في منطقة الشرق المتوسطي، مختلف عن غيره، بمثل اختلاف النمط الاوربي الديناميكي، عن مماثلاته من نمطه، فمجتمع اللادولة الجزيري، محكوم لاقتصاد الغزو، مع مرتكز تجاري قاري، يمنحه خاصية المجتمع المحارب كينونة، ويجعل منه بكليته وبنيته "جيشا"، حيث لاجيش، ففي الجزيرة العربية، لايمارس القتال والحرب كاختصاص، بل كحياة، ماقد منح منطقة الحضارات النهرية، "طاقة احتياط" جبارة، بمقابل قانون تعرضها لوطأة حضورالامبراطوريات، المياله بداهة، للسيطرة عليها من الشرق والغرب.

ان توفر هذا المكان من المعمورة، على الانماط الثلاثة مجتمعة، قد منحه خاصية اخرى فريدة، كرست كونيته وبؤرويته التحولية، على مستوى الكوكب، وعلى المدى الابعد، اي في اللحظة التي تتوفر للعقل البشري، القدرة على ادراك حقائق المجتمعية الكبرى، والمضمر المبثوث المودع فيها، والمتفق مع الغائية الكونية العليا، وهو مالم يحدث الجزء الابتدائي التمهيدي منه، الا منذ قرابة قرن ونصف القرن، مع تعرف الانسان في الموضع الاكثر تركيبا من بين المجتمعيات الاحادية، مع انبثاق مايسمى ب "علم الاجتماع"، وما رافقه وتفرع عنه، من اكتشاف لاليات العملية التاريخية الطبيقة الاوربية، على يد ماركس ونظريته "المادية التاريخية"، اعلى اشكال وحالا ت وعي الانسان في المجتمعات الاحادية بذاتيتها، قبل انتقال الانسان الى الوعي بالصيغة المجتمعية التحولية الاعلى، اللامجتمعية، الرافدينية، الشرق متوسطية، المتضمنه لما ينتظم، ويقف خلف ديناميات الوجود البشري، على كوكب الارض.

ومن البداهة ان تعامل نظريات الانتقال الى العلية السببية، بما خص رؤية الانسان للتاريخ والعملية الانتاجية، على انها المنجز الارقى الممكن، غير القابل للتجاوز، وهو مايميز طبعا، عملية الاعقال البشرية للاشياء، والظواهر، بما لايجيز التفكير باحتمالية ان يكون المنجز الاوربي المتاخر، الراهن، او المتحقق منذ القرن التاسع عشر، على هذا الصعيد، مجرد مقدمة قبل شمول العليّة، للمنظور العقلي الكوني، على قاعدة الانتقال للعليه مطبقة على نمط المجتمعية الاعلى، والارقى الاعقد بنية، حيث الانشطار العمودي المجتمعي، وحيث الاليات المتعدية للثباتية، والتابيدية المجتمعية.

سوف اعلن هنا، على مسؤوليتي، ولاول مرة، على مستوى الاعقال البشري، ان وجود الانسان على الارض، لايخضع للتصمصم الظاهر، او المعروف الى اليوم، بما يجعل الحياة المادية، نهائية، على ماهي عليه، بالاخص بالنسبه للكائن المعروف بالانسان، مع قرار ايقاف او استبعاد امكانية، او حتمية النشوئية، مابعد العقلية، او اللاحقة على وجود الكائن المنتصب العاقل، وقد يكون من اغرب ماقد اعتور المنجز الاوربي الداروني، مثله مثل الماركسي، من قصور احادي، نااتصل بالقول باكتمال العضوي البشري، وتوقفه عن التحول، وكان الانسان الحالي غاية مطلقة، او حالة تتحدى الكون والوجود ، او ان من اعتقد ذلك، كان قد تيقن بالملموس، من توقف اسباب التحولية والانتقالية المضمرة، في الوجود الحي، وفي قلب صيرورته، من الخلية الاولى، الى الانسان العاقل المنتصب.

ان وجود الانسان العاقل على الارض، هو تاريخ بدء الصيرورة الثانية، المنتهية الى انفصال العقل عن الجسد، وتحرره من اخر مامتعلق بوجوده، من بقايا حقبة الصيرورة الحيوانية المنتهية الى انسان. اي ان انسان مابعد انبثاق العقل، هو انسان خاضع لديناميات نشوئية، او مرحلة ارتقاء ثانية كبرى، هي تلك المهيمنة على وجوده، من تلك اللحظة، الى الان، وتظل حقب ومراحل هذه السيرورة من المجتمعية التجريبية تتوالى وصولا الى المجتمعية التحولية، عند اكتمال مقومات التحول البيئية، والمجتمعية في ارض الرافدين، والشرق المتوسطي بداية، وفي الطرف الاوربي من المتوسط، لاحقا، مع واقعة انتصار وهيمنه المنظور العلقي الاحادي، بحكم طابع عمل العقل المجتمعي الجديد، قبل عبور الاطوار التاريخية الرئيسية المفضية الى اعلى اشكال تجلي المجتمعية الغربية، باعلى اشكالها غير القابلة للتجاوز من نمطها نفسه، خلال الثورة الحديثة الاوربية.

يختلف زمن التحول الحالين او المعاش من هنا فصاعدا، عن غيره من لحظات التحول الصغرى، بكونه مرتهن في جانب اساسي من اسباب تحققه، بالوعي، فالعضية قبل مات الاف السنين، لم تكن قد وعت شروط انتقالها الى لبونه، والكائن اللبون، لم يعِ اطلاقا، تحوله لكائن منتصب على قائمتين، وعاقل، انما ومع ظهور العقل، فقد صار العقل عنصرا اساسيا، من عناصر الانتقال والتحول.

ـ يتبع ـ