مظاهرة المتساوين

 

ناحوم برنياع

 

 

يديعوت مقال افتتاحي - 5/8/2018

لقد غطيت اعلاميا كل مظاهرة في الميدان تقريبا، من اليمين ومن اليسار، في عشرات السنوات الاخيرة. اما مظاهرة كهذه فلم تكن. الاختلاف يبدأ في الجمهور. فقد التقى في الميدان أمس جمهوران مختلفان يسيران بشكل عام في طرق منفصلة. فقد جاء الدروز للمطالبة برد الاعتبار لهم؛ احتجاجهم كان محددا ومركزا. اما اليهود فقد جاءوا للتعبير عن احساس النفور العام لديهم من خطوات الحكومة الحالية. وقد فعل قانون القومية هذا جمع ما لا يجمع. ولعل هذا سيكون الانجاز الوحيد.

لقد كانت هذه احدى المظاهرات الكبرى التي شهدها الميدان. فاذا كان الجمهور في مظاهرة المثليين قبل اسبوعين يقدر بنحو 80 الفا، ففي مظاهرة امس كان اكثر من 100 الف وربما أكثر. الدروز الذين وصلوا من الشمال تحدثوا عن عشرات الباصات التي انطلقت من كل بلدة وعن مئات السيارات الخاصة. لقد حظي ميدان رابين بان يرى مئات الرجال في الطرابيش الحمراء ومئات، وربما الاف، في الشال المطرز الابيض أو القبعة الملونة. معظم الوافدين كانوا رجالا شبابا، ابناء العشرين والثلاثين، ولكن كانت ايضا نساء، شابات وكبيرات في السن. "النساء الدرزيات ضد قانون القومية"، كانت صيغة اليافطة التي حملتها احداهن. فمشاركة النساء تدل على الثورة التي تجتازها الطائفة في السنوات الاخيرة. الدروز يشبهون الاسرائيليين اكثر فأكثر. ولعلهم يشبهون الاسرائيليين اكثر من الاسرائيليين انفسهم. فهم يأتون الينا عندما نذهب اليهم هذه خلاصة قصة قانون القومية.

"كم درزي يوجد هنا"، سألت تل أبيبي من وقف الى جانبه، درزي كبير السن، يعتمر طربوشا وله شارب ابيض. "الافضل أن تنظر كم اسرائيليا يوجد هنا"، اجابه الدرزي. فذهل التل ابيبي. فهو لم يتخيل ان تحت الطربوش والشارب الشادين جدا في المشهد التل أبيبي يوجد رجل يتحدث بلغة عسكرية اسرائيلية، تماما مثلما في غولاني.

"المساواة، المساواة، المساواة"، هتف الجمهور مرة كل بضع دقائق. كلمة "المساواة" اطلقت مضافا اليها فتحة، مثلما في كلمة "الحقارة". فعلى لسان الدروز كان القول واضحا جدا: نحن جزء من دولة القومية اليهودية؛ نحن فخورون في ان نكون جزءا من دولة القومية اليهودية؛ لا ملحقين، لا مرتزقة، وليس فقط اخوة في الدم. فاعلام اسرائيل لم تقل في عددها عن أعلام الدروز. اعلام فلسطين لم تظهر. حلف المتساوين، قال مدير الحفل، رئيس مجلس دالية الكرمل، رفيق الحلبي. من الصعب الغاء احتجاج ملون بالوان وطنية فاقعة بهذا القدر.

أحد المتظاهرين اليهود جلي الى الميدان يافطة أعدها في البيت. فقد أخذ الصورة الايقونية للنائب اورن حزان وهو يلتقط صورة السلفي في قاعة الكنيست، مع بيتان في الجانب ونتنياهو في الوسط، والصقها الى نص من الكتاب الساخر "مزرعة الحيوانات" لجورج اورويل. "كل الحيوانات متساوون"، قيل في وثيقة استقلال الحيوانات. الخنازير، الذين سيطروا على المزرعة، اضافوا نصف جملة: "ولكن توجد حيوانات متساوون اكثر".

هذا المتظاهر لم يؤمن بان هناك صلاح من الحكومة الحالية. ولهذا فقد جاء الى المظاهرة. اما الدروز فقد حرصوا على اعطاء فرصة للحكومة.

ليس كل يوم يصل الى مظاهرة واحدة في آن معا ايهود اولمرت وموشيه لادور الذي ادخله الى السجن، عشرات الالوية والاعمدة في الاحتياط، السياسيين، الموظفين الكبار. والى جانب المنصة كان نوع من لقاء خدمة الاحتياط: ضباط يهود جاءوا لمعانقة رفاقهم الدروز. اكثر مما اهتموا بقانون القومية، اهتموا بمشاعر الرفاق، في الدين الذي عليهم لهم، والذي تدين الدولة لهم به.

كان أيضا طعم آخر، لا بأس به: قانون القومية استهدف منذ البداية خصي القانون الاساس كرامة الانسان وحريته، شل محكمة العدل العليا واخضاع الجهاز القضائي لمعايير اخلاقية جديدة. لم يكن الهدف خوزقة الدروز. فقد خوزق الدروز بالصدفة، اما الهدف فكان محكمة العدل العليا. دارج القول ان السياسة تستدعي خلطات مفاجئة. هذا صحيح ايضا بالنسبة للقوانين المغلوطة، الفضائحية، المناهضة للصهيونية. يحتمل أن يساعد قانون القومية نتنياهو في الانتصار على بينيت في الصراع على اصوات اليمين في الانتخابات. ولكن ليس كل شيء انتخابات، والمظاهرة الكبيرة امس تثبت.

اليهود الذين جاءوا الى الميدان كانوا ينتمون في معظمهم ان لم يكونوا كلهم للمعسكر الذي يسمى وسط يسار. وعندما ذكر موفق طريف، الزعيم الروحي، نتنياهو في خطابه، انقسم الجمهور الى قسمين الدروز صمتوا، اليهود هتفوا احتقارا.