الأسرلة والأسلمة

 

نداف شرغاي

 

 

إسرائيل اليوم - 27/7/2018

"في شرقي القدس تجري دراما عظيمة"، يقول د. دافيد كورن، مستشار نير بركات لشؤون شرقي القدس، قبل لحظة من انهاء أحد المناصب الاقل اعتيادية في الخدمة العامة ويعتزل منصبه. الان بالذات، حسب كورن، تأتي الحبكة المعقدة في قصة 400 الف عربي شرق مقدسي الى ذروتها: "مفترق طرق تاريخي"، هكذا يسمي كورن هذا، "الوطنية هناك في تراجع بارز. وهي تخلي مكانها لبديلي انتماء مركزيين ومتناقضين، يتعززان في الشارع الشرق مقدسي ويتنافسان الواحد مع الاخر: الاسرلة من جهة والاسلمة من جهة اخرى، لدى عرب المدينة. وهو يلاحظ فيقول انه يحتدم الان الحسم في الاختيار بين بديلي الانتماء هذين.

كورن (41)، رئيس قسم الشرق الاوسط في قيادة الامن القومي سابقا يقيم تشخيصاته على اساس الاف ساعات الحديث مع السكان وقياداتهم - لجان الاباء، رجال التعليم واللجان المحلية، وعلى مسافة سير ثماني سنوات في المنصب الى جانب نير بركات.

هو المستشار الاول في المنصب الذي يوصي علنا دولة اسرائيل في اطار هذه المقابلة لاجتياز مرحلة: للاستجابة للمطلب المتزايد لدى الجمهور الشرق مقدسي للتحول من مقيمين الى مواطنين. "هذا اكثر نزاهة"، يقول، ولكنه يقدر ايضا بان هذا "سيشجع جزء منهم على الاقل على النزول من الجدار، وان يختاروا بديل الانتماء الصحيح" الذي برأيه هو الاسرلة.

كيف تبدو الاسرلة على الارض؟

كورن: "انزلوا الى باب العمود، انظروا هناك الى بحر اليافطات التي تدعو الجمهور العربي لتعلم العبرية. ليس يافطات من البلدية، بل من المعاهد الخاصة. هذه هي الاسرلة الاكثر التي يمكنني ان افكر فيها؛ انظروا ماذا يحصل في جهاز التعليم: قبل عدة سنوات فقط، كانت بضع مئات فقط هناك يتعلمون البجروت الاسرائيلية. واليوم 7 الاف. من اصل 110 الاف تلميذ هذا قليل حقا، ولكن وتيرة الارتفاع السنوية هائلة، وتضاعف نفسها ثلاثة اضعاف كل سنة. الاهالي يفكرون بمستقبل ابنائهم، وهذا المستقبل يتشكل من معرفة اللغة ومن التعليم العالي اللذين هما المفتاح للنجاح في الحياة. الى جانب هذا نشهد ايضا الاف الطلبات من السكان ممن يطلبون التحول الى مواطنين اسرائيليين".

ما الدافع الى ذلك؟ فهم بالتأكيد لم ولن يصبحوا صهاينة.

"بالتأكيد لا. انه البعد العملي. الرغبة في الانخراط في المجتمع الاسرائيلي. الرواية الوطنية التي حتى بداية سنوات الالفين صممت الشارع الفلسطيني تراجعت، والى الفراغ ينجذب البديلان الاخران اللذان يوفرهما الشارع".

أولم يعد عنصر وطني في شرقي القدس؟

"يوجد، ولكنه اضعف بكثير مقارنة بالماضي. يوجد مثلا الكثير من التهديدات والتخويفات من جانب السلطة، حتى والجبهة الديمقراطية على الاهالي الذين يسجلون ابناءهم لبرنامج التعليم الاسرائيلي. توجد فتوى حادة من المفتي في هذا الشأن، ولكن بالعموم الخطاب في القرى هو "انا مستعد لان احتوي هذه التهديدات، على أن يخرج ابني متعلما واكثر نجاحا ويتقدم في الحياة".

هل لديكم حوار مع الاسلاميين الذين ينافسون الاسرلة؟

"نعم. معهم بالذات يسهل الحوار أكثر. فهم يفكرون للمدى البعيد، ولا يقلقهم كل اليوم مثل فتح وامثالها مجرد حقيقة أنهم يخوضون حوارا مع بلدية القدس. العناصر الوطنية الذين لم يجروا معنا حوارا ابدا، لم يحققوا ابدا اي شيء ايجابي للاحياء وللقرى. وبالمقابل، فان العناصر الاسلامية حتى لو لم يقولوا ذلك صراحة، يقولون لانفسهم وبشكل غير رسمي لنا ايضا توجد هنا في هذه اللحظة سلطة اسرائيلية. في فكرنا هي ستنتهي ذات يوم. والى أن يحصل هذا، فاننا نجري معها حوار لاستنفاد الحقوق".

الا يعظم هذا الحوار الاسلمة؟

"استراتيجيا تعزيز الحركات الاسلامية ليس جيدا لاسرائيل. إذ في نهاية دائرتهم يوجد ارتباط بالارهاب. ولكن في الميدان أنا ملزم بالحديث مع الجميع، فهم يتواجدون هناك. لن اتجاهلهم. ارتباطنا الرسمي كبلدية سأحرص دوما على ان اقيمه مع الجهات المؤيدة لاسرائيل ممن يعملون معنا.

"الانجازات التي نحققها كبلدية للاحياء حديقة اخرى، مركز آخر للامومة والطفولة، مبنى لمدرسة، شق طريق. دوما سأحرص على ان اوليه وانسبها للجهات المؤيدة لاسرائيل، سواء كان هذا في الادارة الجماهيرية ام في اللجنة. ولكن في النهاية، في داخل القرية يعرفون بان الاسلاميين يشاركون ايضا".

هل يوجد حكم وسيادة اسرائيلية في شرقي القدس؟

"يوجد تقليص كبير للفوارق الهائلة في البنى التحتية وفي الخدمات والتي نشأت على مدى السنين. فقد قررت الحكومة مؤخرا تخصيص ميزانية 2.1 مليا شيكل لعرب شرقي القدس. لم يحصل امر كهذا بعد. ليس كل شيء بسيطا. خذ مثلا قصة المركز الجماهيري في صور باهر برئاسة رمضان دبش، الذي يتنافس ايضا في الانتخابات. أقمنا مبنى للادارة والسكان هناك بـ 11 مليون شيكل. وبعد لحظة من تدشين له احرقته عناصر وطنية واسلامية. اضطررنا لترميمه من جديد.

"انا مهووس في موضوع شق طريق آخر واقامة مدرسة اخرى. في النهاية، يسكن هناك مقيمون، وعلينا أن نكون معهم الاكثر نزاهة ومهنية في العالم. فضلا عن ذلك، على المستوى التكتيكي ايضا: الصراع على السيادة في القدس انتقل من القدس فوق، من القمم السياسية لعهود اوسلو وأنابوليس الى القدس تحت، الى الحياة اليومية في المدينة. حدود السيطرة والسيادة لا تتقرر في محادثات سرية بل في تحديد نطاق نشاط عامل النظافة في البلدية، مرشد الشبيبة في المركز الجماهيري، مراقب البناء، شاق الطرق، الشرطي والعامل الاجتماعي الذين يقدمون الخدمة للمقيم.

"عندما ازدادت ميزانية الرفاه لشرقي المدينة من 46 مليون شيكل في 2008 الى 150 مليون في 2016، عندما نمنح لاول مرة اسماء لـ 2.000 شارع واكثر من 160 الف مقيم يحصلون على عنوان دقيق هذا جزء من قدرة الحكم الجديد. هذا أن تكون صاحب السيادة هو أن تكون انسانا في نفس الوقت".

الولاء مقابل الهوية

على سؤال هل عرب شرقي القدس اقرب اليوم لعرب الضفة ام لعرب اسرائيل، يجيب كورن: "على خط التماس، لا يزالون يشبهون اكثر العربي الفلسطيني من الضفة، ولكن اتجاه الحركة هو الى نموذج اقرب لنموذج عرب الشمال. 15 الف عربي من الشمال انتقلوا للسكن في شرقي القدس. عمليا هم يشكلون "وكلاء تغيير"، من جهة توجد منافسة شديدة بينهم وبين شكان شرقي المدينة ومن جهة اخرى، فانهم يشكلون موضع حسد واقتداء. نجاح الشماليين في مجالات مختلفة تدفع الشرق مقدسيين الى اتجاه التعليم العالي والبجروت الاسرائيلية وتعلم العبرية".

وبعد أن قلت كل هذا نحن نواصل تجميدهم، منذ 51 سنة في مكانة المقيم، الذي هو اكثر دونية من مكانة المواطن. ضممناهم، ولكننا لم نضمهم. وهم ليسوا فقط أمامنا في وضع "قدم هنا وقدم هناك"، بل نحن ايضا امامهم في ذات الوضع.

"صحيح، ولهذا توجد حركة ميلها لتغيير ذلك. انظر الميزانيات الاخيرة التي خصصت لهم".

انت تتحدث عن المال، ولكن قبل لحظة فقط ذكرت "بديل الانتماء"؟ الكثيرون منهم يطلبون المواطنة، ولكنهم يتعبونهم سنوات بالبيروقراطية.

"كل شيء ينشأ عن المسألة العمومية أين تريد أن ترى عرب شرقي القدس؟

اذا كنا نتخذ نهج نير بركات في أن القدس هي موحدة وغير قابلة للتقسيم، فان هذا بصراحة هو فكري ايضا، يجب أن نخفف جدا عمن يريد أن يتوطن؛ السماح لهذا لعدد اكبر مما هو اليوم. اذا كانت دولة اسرائيل تريد أن تسير مع قصة الوحدة حتى النهاية، فهي ملزمة بان تخفف جدا على طالبي المواطنة. من جهة ايجاد الحلول البيروقراطية للتسويف الفظيع ومن جهة اخرى عدم المساومة على معايير التصنيف الامني والولاء للدولة".

يوضح كورن بان "القصة الامنية هامة، لان الاقامة في النهاية يمكن سحبها، أما المواطنة فلا يمكن سحبها. وهذا يتطلب عنصر الولاء. وفي الولاء مغروسة الهوية ايضا. في الميدان أرى اناسا مثل داود صيام من سلوان الذي يعبر عن صوت الكثير جدا من الناس في شرقي القدس ممن يأتون ويقولون: اسمع السلطة ليست هنا. انا جزء من المجتمع الاسرائيلي. دعوني اكون جزء من لعبتكم النزيهة. في الميدان أرى ايضا عددا لا بأس به من البنات العربيات اللواتي يقدمن الخدمة المدنية، حتى في القرية تشخص كقرية معادية، مثل العيساوية. في النهاية هذه الامور تلمس ايضا عوالم الهوية".